Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الأحد 6 ديسمبر 2009

لِما بعد إنقشاع غبارها

عـيسى عـبدالقيوم

تشهد ساحة المهجر إشتباكاً دخل إسبوعه الثاني.. مرشحاً لكافة الإحتمالات .. بما فيها فتح الباب على مفاجآت غير سارة .. أعترف بأنني كتبت فى أيامه الأولى ما يقرب الثلاث ورقات غير أني لم أجد العزم على نشرها بعد أن إرتفعت درجة حرارة الحالة .. كتبت ليس تعنيفاً لفلان .. ولا تقريعاً لعلان .. كتبت ليس لصب الزيت على النار .. ولا لصب المياه حتى .. كوني كتبت من زاوية أخرى .. فقد كنت ومنذ زمن طويل أستشعر بأن الأساس الذي بنيت عليها العلاقة بين تركيبة المهجر ( خاصة السياسية و الإعلامية ) غير راسخة بالقدر الكافي .. وغير منسجمة مع ثقافة التنوع أو التعدد .. وغير متوائمة مع مبدأ قبول الأخر بالشكل الحضاري .. بصراحة شديدة فقد كنت أشعر أحياناً أن البعض يجهل تقاليد هذه العلاقة .. وأحياناً أخرى أشعر بأن البعض يعرفها لكنه يفضل إستخدامها أو ركوبها على الإيمان بها !! .

ولعل من أبرز الإشكاليات المزمنة التى أدت الى نشوب التراشق الذي نراه .. وتراشقات سابقة .. وربما ستسهم فى إنتاج بيئة مثالية لتراشقات قادمة .. التالي :

ـ غياب المشروع السياسي :

ونحن هنا أمام مشهدين ثالثهما محجوب حتى الساعة ! .. الأول يجنح الى أجندة مغلقة سياسياً .. وغير قابلة للتعايش مع أدوات المطبخ السياسي التى يعرفها الناس والتى تسهم فى حلحلة قضايا العالم من حولنا .. وغير مكافئة لأوراق طاولة المرحلة وما عليها من معطيات .. والثاني منغمس ـ بلا ضوابط ـ فى أجندة الدولة التى ترفض ـ حتى الساعة ـ وجود الشريك .. ولا تقبل بغير جمهور " مؤيدون بلا حدود " . فأن تكون شريكاً فى صناعة المشروع .. أو صاحب مشروع مستقل يقايض باقى المشاريع شيء .. وأن تمنح صوتك كشيك على بياض لمشروع يفتقد للشفافية شيء أخر .. والحالة الأخيرة غير معرّفة فى القاموس السياسي .. وتدل على غياب الكثير من مقومات الإحتراف فى الحالة الليبية .

ـ انفصام الحراك عن طبيعة ألياته :

وهنا نجد الخلط والتضارب بين أليات العمل السياسي المدني السلمي وبين الخطاب المقترح لوصف أو معالجة الحالة .. فليس من طبيعة العمل السياسي السلمي رفض ألية " الإشتباك الإيجابي " مع الأخر مهما كانت درجة الخلاف معه .. ولا تجريم " الحوار " فى كافة مستوياته وعلى كافة أًصعدته .. وكذلك ليس من طبيعة العمل السياسي المراهنة بكل الأوراق على ما لا تملك خصوصية المشاركة فى تحريك ألياته .. خاصة بالنسبة لمن يصر على العمل من خلال أطر تنظيمية يفترض أنها تمثل خيارات ( وأليات ) مغايرة لما عليه الدولة .. وإلا فستنعدم مبررات وجوده .. ففي كافة تجارب العالم ثمة مسافة بين الرأي والرأي الأخر .. وثمة تمايز بين أليات الدولة ومن هم خارج هيكلها .. بشكل منظم .. مهذب .. مقنن .. ومثمر ايضا .

ـ غياب أعراف التناول الدبلوماسي :

يقيناً ليس من أعراف التناول الدبلوماسي .. القفز على حقيقة وجود أخرين يقاسمونك ذات الخندق مهما كانت أحجامهم .. وما يستلزم ذلك من توازن فى رسم ملامح العلاقة معهم .. بما يضمن الإبتعاد عن الركود .. وعدم ضياع نقاط التمايز .. فبعض الممارسات التى تسببت فى نشوب الأزمة هي من صميم طبيعة العمل السياسي السلمي .. فوصفها بأوصاف أقل ما يقال فيها أنها " مستفزة " وتفتقد للدبلوماسية .. يضع علامات استفهام على طبيعة فهم الحالة الليبية لأعراف التعاطي الدبلوماسي .. ويشير الى قصور معرفي حاد .. قد يتحول هذا القصور الى معضلة فى حال صُنف صاحبه على أنه : " رجل لا يدري .. ولا يدري أنه لا يدري " ! .

ـ المراهَنة على القيمة :

ولعل من أبرز الإشكاليات المصاحبة للحالة الليبية .. سيئة المراهَنة على القيمة .. وإذا كنت لا أستطيع أن أعدد لكم قائمة أسباب النجاح بشكل دقيق .. فإنني أزعم أن أسباب الفشل قد تكمن فى المراهنة على " القيمة " .. فعندما تجوّز لنفسك تجاوز المقبول فى كيفية التعامل مع القيم .. كأن تصمت على إنتهاك حقوقي أو قانوني طال خصمك قبل صديقك .. أوعندما تحاول تجربة فكرة تجيير " قيمة " ما للتزلف الى هذه الجهة أو تلك .. فإن النتيجة واحدة .. وغالبا ما تتمظهر فى شكل " فقدان المصداقية " لدى الجمهور الواعي المدرك لمكانة " القيم " ولنتائج التلاعب بها .. ولأثار ذلك التجاوز على المنظومة السياسية والأخلاقية التي ترتجى للغد الموعود .. فالقيمة من الأمور التى لا تقبل القسمة على إثنين .. ومن لم يجدك عندها يوم يفتقدها .. فلن تجده عندك يوم تفتقدها .

ـ خنق مؤسسات المجتمع المدني :

منذ فترة طويلة دار جدل حول طبيعة مؤسسات المجتمع المدني .. ويومها كتبت بضرورة عتق هذا المجال وعدم ربطه لا بالدولة ولا بالأطر السياسية .. وجعله يعمل وفق سياق مستقل .. حقيقة لا تحايلاً .. فمن العبث بمكان محاولة تطويع هذه المؤسسات وتدجينها لتكون أذرع خفية للسلطة أو للتشكيلات السياسية .. وربما يوماً بعد يوم بدأنا نكتشف ثمن هذا التدجين .. فليس بالحيل والإنكار .. او بالزعم وفرض سياسة الأمر الواقع تبنى مؤسسات المجتمع المدني المستقلة .. بل بمساعدتها على أن تتشكل بعيدا عن قبضة الأنظمة .. وبعيدا عن أجندات الأحزاب السياسية .. أمل ان تكون قد ظهرت من بين انقاض تراشقات اليوم الأثار السلبية لسيئة الإلتفاف على فكرة الإستقلالية .

ـ الشخصنة والدعاية وأشياء أخرى :

ـ بعض ما درسته يشير الى أن " الدعاية " شيء قد ينحصر فى تقديم الأمور التجارية أو ما شابهها الى الجمهور .. فيما إختصت " العلاقات العامة " بتقديم المنتج " السياسي " للجمهور .. وشتان بين الأمرين .. وأزعم أن الحالة الليبية ـ أو بعض أطرها ـ خلطت بين الأمرين .. فأصبحنا نرى من يستخدم أسلوب الدعاية المباشرة فى الحديث عن الأطر السياسية .. أو عن شخصيات يراد تسويقها .. مما تسبب فى تنامي مرض " النرجسية " لدى البعض .. أفقدهم الصلة مع الجمهور .. وأورث الحالة الليبية سيئة " الرجل غير المناسب فى أي مكان شاغر " .

ـ وكذلك لم تستطع الحالة الليبية الإبتعاد عن الشخصنة والإقتراب من المضامين .. فبالكاد تجد من يرغب فى مناقشة الأفكار .. أو نقد الجوهر .. والإبتعاد عن الإثارة فى تناول قضايا فكرية أو ثقافية أو اعلامية أو سياسية .. وفى ذات السياق بالكاد تجد من تستطيع أن تختلف معه مع ضمان بقاء الود .. فكل الأمور لدينا " أبيض وأسود " رغم أننا نزعم ولوجنا الى عصر " قوس قزح " .. ورغم مخالطتنا لأمم وشعوب هذّبت الخلاف والإختلاف بشكل مذهل .. الى درجة جعلتني أتساءل : أحقاً ما يقال عندنا من أن " من عاشر قوماً اربعين يوماً صار منهم " ؟!.

ـ وربما من زاوية بعيدة بعض الشيء لكنها ذات صلة بموضوعنا .. ثمة إشكالية لدى بعض الإعلاميين فى التفريق بين كتابة الخبر .. وكتابة مقالة الرأي .. فالخبر ينبغي أن يُكتب بمفردات حيادية الى أقصى الحدود .. وعلى محرره أن لا يقحم نفسه أو فكره أو قناعاته فى النص .. أما مقالة الرأي فله أن ينفش عبرها ريشه كما يشاء .. فذلك شأنه .. وذلك مما يحتمله المقام .. فالخلط أو عدم الدراية بهذه الفروق أدى الى نتائج أقل ما يقال فيها أنها مسيئة للإعلام .

على أي حال .....

أمل أن ينقشع الغبار على مراجعة لأسس العلاقة بين مكونات المهجر .. فنقترب أكثر من تقاليد الإعلام الحر المستقل غير المعني بتقييم الناس .. والمتوازن فى عرض الواقع .. المؤمن بمبدأ تكافؤ الفرص بين كافة الأراء .. البعيد عن الأسلوب الدعائي .. وايضا على مراجعة عميقة فى تحديد ماهية أليات وخطاب العمل السياسي السلمي القائم على أسس قبول الأخر .. وفتح باب الحديث عن المشاريع والبرامج السياسية .. وإغلاق باب التحايل على الجمهور بتدوير مرحلة " الشعار " السياسي .. فليبيا تمر بمرحلة جد حساسة .. وقد تشهد تحولات مفصلية على المدى القصير .. كلي أمل أن تتشكل ملامح هذا التحول بصورة هادئ ومرضية لكافة الأطراف .. وأن نلج إليه عبر بوابة " الشراكة فى الوطن ".. وأن نمارس حق التدافع على أرضية من " التسامح ".. دون إهدار للحقوق أو التنازل عن الإستحقاقات .. وأن لا ننسى أن الحلول الحضارية للأزمات غالباً ما تنتجها " المستديرة " الوطنية .. فكما أنه ليس من مصلحة الوطن / المهجر أن تستمر حالة الركود وتثبيت الواقع المزري الذي بات مرفوضاً من قبل الناس .. فليس من مصلحة البلد أيضاً أن يجري الحوار الوطني .. أو أن تدار مداولات جدله السياسي بهذه الصورة .. فإذا أردتم المصالحة ـ فى الداخل أو الخارج ـ فتذكروا دائماً بأن " المصالحة تستلزم المصارحة " .

والسلام .

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home