Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Saturday, 30 September, 2006

أحداث بوسليم.. ثـقافة أم تهوّر؟!

عـيسى عـبدالقيوم

من حق الساسة أن يمتطوا السياسة البراغماتيه التى يشاؤون .. ومن حقهم أن يوسّعوا مجالات أحلامهم على النحو الذى يتخيلون .. ولكن عندما يصل الأمر حد الحقوق المدنية لبسطاء الناس فيجب أن يمسكوا .. فقد إتفقت الأمم المتحضرة من حولنا على أن حرية الإنسان تنتهي عندما تبدأ فى النزو على حريات الأخرين .. فما بالك عندما تصل الى تهديد حياتهم وحقوقهم الأساسية .. هذا ما فهمته من الأخبار التى رشحت حتى الأن عن أحداث سجن أبو سليم الثانية .. التى تحدثت عن مطالبات من قبل سجناء عّزل.. ناتجة عن تململ لمعاناة غفل ـ ويغفل ـ عنها الجميع .. وكما حصل فى حادثة سجن ابي سليم الأولى يأتي الرد من طرف السلطة عنيفاً وغير متكافئا مع الحدث .. فنسمع عن قصص إطلاق الرصاص العشوائي .. ومن ثم وقوع القتلى والجرحى .

سادتي الكرام .. نحن على أبواب عيد الفطر المبارك .. ولا أتصور أحداً يرغب فى سماع هكذا أخبار.. ولا فى الكتابة عنها فى شهر رمضان الفضيل.. فلنتفكر قليلا فى عائلات هؤلاء المعتقلين .. لنكن بشر للحظات معدودة .. لقد كان يكفي عائلات هؤلاء المعتقلين همّـاً وغماً أن يمضي العيد دون أن يجتمعوا بأولادهم .. فكيف بهم وهم يسمعون عن وقوع أحداث قتل داخل السجن .

سادتي الكرام .. من أي جناح كنتم .. والى أي طبقة إنتسبتم .. وتحت اي مسمى وقفتم .. إلتفتوا الى هذه القضية .. وأبحثوا لها عن مخرج يتناسب وما يقال عن ليبيا الغد .. ليبيا التى تطالبونها أن تتسامح حتى مع الذين جعلوها تتأخر لاربعة عقود متتالية .

سادتي الكرام : لم يعد ممكناً ولا مقبولاً تكرار قصة إطلاق الرصاص على العّزل مهما كان الأمر .. ومهما كانت المبررات .. لقد تابعنا كيف ثارت الجالية المغاربية فى وجه السلطة الفرنسية لمدة 28 يوماً.. أحرقت خلالها السيارات والمحلات التجارية .. وتدهورت فيها الحالة الأمنية الى نقطة إقترح فيها ـ بعض الجنرالات ـ بإنزال الجيش الى الشارع .. وهو أمر لم تشهده فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية .. مما يشير الى أن الأحداث قد مسّت الأمن القومي الفرنسي .. ومع هذا رفض الرئيس " شيراك " بشدة فكرة إنزال الجيش .. ولم يُطلق الرصاص من قِبل رجال الشرطة الذين تعاطوا مع القضية الملتهبة .. والتى طرفها الثائر أجانب ليس بفرنسيين.. ( وحسب معلوماتي توفى شخص واحد فى ظروف استثنائية ).. لقد تعاطت فرنسا ـ العضو فى النادي النووي وأحد الخمسة الكبار فى مجلس الأمن ـ مع القضية بعقلانية كبيرة .. وفضلت الحوار وإحتواء الأزمة على سياسة إستعراض العضلات .. فلم ينقص ذلك من قدرها ولا مكانتها شيء .. بل لعلها أضافت درساً الى دروس الثورة الفرنسية .. فما حاجة السلطات الليبية ـ خاصة فى هذه الأيام المقدسة دينياً والمتعافية سياسياً ـ الى إطلاق الرصاص على عّزل داخل سجن محروس بشكل جيد ؟!.. لماذا هذا الإندفاع غير المبرر نحو الإفراط فى إستخدام العنف .. على غرار ما حدث فى فبراير الماضي أيضا ؟!.

آمل أن لا نكون أمام مظهر من مظاهر " ثقافة سادية " جذرّتها ممارسات العقود الماضية .. أو عارض من عوارض مرض " التهور اللامسئول " غذته فكرة غياب أجهزة رقابية .. وقضاء مستقل .. لأن تكرار الحادثة يشي بشيء من هذا القبيل .. وأكثر .

أتمنى على المعنيين من رجال سياسة وحقوقيين ومثقفين وكتاب وأكادميين وطلبة أن يسعوا ـ كل حسب موقعه وبطريقته ـ للإسهام فى حلحلة هذا الملف بصورة جذرية .. فعندما يصل الأمر الى الرصاص فلابد أن ننتبه الى أن الأمور قد بلغت مداها .. وأن المسئولية لم تعد تحتمل التراخي .. فالهاجس الأمني المسيطر على مفاصل الدولة لازال غير قادر على إستيعاب المرحلة .. وتركه يعيث فيها بهذه الطريقة البشعة سيعود على البلد باكمله بالبؤس والشقاء .. نريد أن نسمع أصوات أصدقائنا .. نريد أن نسمع أصوات العقلاء .. نريد أن نسمع نداءات العدالة والمساواة .. فى حق هؤلاء السجناء .. فإغلاق ملف مرحلة من أعنف المراحل التى مرت بها ليبيا لا يمكن أن يتم عن طريق تجاهل مثل هذه الملفات الثقيلة .. فإذا كانت الدولة قد إعترفت ـ فى أكثر من مناسبة وعلى أعلى المستويات ـ بأن المرحلة الماضية قد شابتها الكثير من السلوكيات الخاطئة .. سواء فى النظرية أو الممارسة .. فلماذا لا تعتبر قضايا هؤلاء الشباب نتيجة طبيعية لتلك الأخطاء الكبيرة؟! .. ثم ألم تقدم الدولة قصة " التوبة خلال أربعة اشهر " كحل لأثقل ملفات الفساد فى ليبيا ؟!.. وهو حل من مظهره ومخبره أقل من أن يوصف بالمتسامح أو المتساهل .. فلماذا لا تحل قضايا الماضي بذات النفس .. وذات الطرق المرنة جدا ؟!! .

أستطيع أن أؤكد للسادة الذين يطلقون الرصاص ـ أو الذين يأمرون بإطلاقه ـ أن بإستطاعتهم قتل العدد الذي أمامهم وإسكاته الى الأبد .. ولكني لست متأكداً من أنهم يستطيعون إغلاق السجن والمراهنة على عدم إمتلاءه من جديد .. ولا على إسكات شعب بأكمله .

إنتبهوا أيها السادة ففي الوقت الذى تتحدثون فيه عن إمكانية قيام مقاطعات مستقلة داخل الدولة الليبية .. تتمتع بشبه حكم ذاتي .. فإن هناك سجناء لا يتمتعون بحقوقهم المدنية داخل غرف تحوطها أسلاك شائكة .. وفى الوقت الذى تتناقل فيه وسائل الإعلام أخبار الحفلات الرمضانية الباذخة لكبار رجال الدولة وأبنائهم .. فإن هناك سجناء يتحدثون عن رمضان كئيب ومتقشف .. وفى الوقت الذى تتجهز فيه بيوت ليبيا لإستقبال العيد " بلمة العيله ".. فإن هناك سجناء من المحتمل أن يقضوا هذا العيد فى زنزانات إنفرادية عقب أحداث يوم أمس .. ولا أريد أن أذكر أن من بين المتناقضات ينبعث الشذوذ .. والشذوذ لا يصنع وطناً .. ولا يخلق مواطناً .

أعود فأقول .. نحتاج الى وقفة تستلهم فكرة الحقوق المدنية التى نالتها شعوب الأرض .. من أجل غد أكثر إشراقاً .. فليس بالخبز وحده تعيش الشعوب .. وما نطالب به هو العدالة والشفافية .. دعونا نعترف بأنه فى كل أنحاء العالم توجد سجون .. ويوجد معتقلون .. وتوجد محاكمات .. وليبيا ليست بدعاً من القول حتى نستنكر وجود هكذا أمور .. ولكن فى المقابل يجب أن نتفق ايضا على أنه لا يوجد فى العالم من يقتل خارج إطار القضاء إلا العصابات وقطاع الطرق .. نأمل أن نرى وقفة جادة من كل الذين يهمهم أمر الوطن .. وأن نرى حلاً عادلاً وعاجلاً لقضية السجناء قبل وصول المؤسسات الدولية .. فمن العار أن لا يُنصف المرء فى وطنه إلا على يد الأجنبي .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home