Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Tuesday, 6 June, 2006

 

تـليـيـب المشكلة.. والحل
( 2 من 2 )

عـيسى عـبدالقيوم

كان القسم الأول من هذه المقالة يبحث فى إمكانية تفهم تلييّب الفكر السياسي ( جعله محلياًً ) لكون الفكر السياسي مسئول بصورة مباشرة عن خلق تخريجات لأزمات الدول .. وكذلك لكوننا ـ ليبياً ـ أمام مشاكل وأزمات عميقة طالت كافة مناحي الحياة .. فيبدو لي أن تشتيت المشكلة ـ (من حيث التوصيف .. والتحريك ) ـ الى ما وراء الحدود الليبية .. بأي شكل من الأشكال .. أمر سلبي .. أثبتت تجاربنا ـ وتجارب غيرنا ـ أنه لم يؤدي الى نتائج ذات قيمة . والدعوة الى " تليّيب المشكلة والحل " لن يجعلني أنسى حقيقة تحول العالم فى زمن العولمة والسماوات المفتوحة الى قرية صغيرة .. أو أن أغفِل مُسلمة التقاطع بين القضية الليبية وبين العالم الخارجي .. وتأثرها به.. وتأثيرها عليه .. بزوايا مختلفة .. فكل هذا شيء .. وربط أصل المشكلة بصيغ وعبارات فضفاضة وعامة .. وفى ذات الوقت حاملة لمداليل عابرة للحدود .. شيء أخر .

فالذى يُقحم فى الجانب التوصيفي للأزمة ـ مثلا ـ مصطلح الصهيونية أو الإمبريالية ـ على خلفية نظرية المؤامرة ـ هو فى حقيقة الأمر يحاول أن يصدّر مشكلته ـ التى قد يكون عاجزاً عن وضع تصور دقيق لها ـ الى حيز " العمومات " .. فما تقوم به القوى العالمية من أجل خدمة وحماية مصالحها هو دورها الذى لو لم تقم به لكانت مقصرة .. وفق منطق المصالح .. والخبص يأتي عندما يحاول البعض أن يرسم إستراتيجيته ويرتب أولوياته على قوة دفع لا يمتلك زمام أمرها.. ولما يتكشف له عدم توفيقه فى تقديراته تلك يُرجع الأمر الى وجود مؤامرة إمبريالية أو صهيونية عليه وعلى مشروعه .. وهكذا يزداد الطين بلة .

وكذلك فالذى يقحم مصطلح الأمة الإسلامية فى وصفات العلاج ـ مثلا ـ .. ويّحمل عربة المشكل الليبي مشاكل تمتد من بنغلاديش وحتى البوسنة .. أتصور أنه يمارس نوعاً من أنواع الهروب الى الأمام .. فالشخص العاجز عن إستيعاب حساسيات جهوية لا يفصل بينها سوى بضع مئات من الكيلومترات .. أو العاجز عن تقديم علاجات لقضية تعدد الثقافات داخل مجتمع لا يزيد تعداده عن الخمسة ملايين .. والشخص العاجز عن رسم ملامح العلاقة بينه وبين أقرب خصومه السياسيين .. كيف سيقنعني أنه قادر على تقديم " روشيتة " لعلاج قضايا أمة تعدداها أكثر من مليار وربع .. تستوطن القارات الخمس .. وتبيض فيها المشاكل وتفرّخ كل صباح ومساء ؟! .

وفى تقديري أول خطوات التلييّب هو توصيف المشكلة والإعتراف بأنها ليبية خالصة.. فجزءها العلوي يتحمل مسئوليته نظام حكم ليبي ( 100% ) أقامته مجموعة ضباط ينتمون الى قبائل ليبية معروفة تمتد من أقصى الغرب الى أقصى الشرق دون أن تغفل الجنوب .. نظام صفقت له غالبية الشعب ذات يوم .. ومنحته الثقة وجواز المرور الى سدة الحكم .. ثم بدأت مشاكل وعيوب أداة الحكم التى اقترحها تظهر يوماً بعد يوم .. حتى شكلت ما يمكن وصفه بالأزمة الليبية الخانقة.. التى يتحمل مسئولية جزءها السفلي شعب يقف عاجزاً أمام القيام بمهامه فى تقويم نظام حكمه أو الضغط عليه .. ولن تعفى المعارضة التى لم تنجح حتى الأن فى تحقيق هدفها الرئيسي .. من بعض المسئولية .. وهذا ليس تقييماً ولكنه وصف لواقع مأزوم .

ونفس الكلام بالنسبة للحل فلا مجال للمراهنة على تصدير القضية وربطها بحلول عالمية إبتداءً من ربطها بعودة الخلافة .. وإنتهاءً بربطها بمؤخرة الدبابة الأمريكية.. وضع بين ذلك ما تشاء من حلول سعودية .. أو روسية .. أو حتى باريسية المنشأ .

فليبيا مشكلتها ليبية.. وإذا كانت قيادة النظام الليبي المتهمة بخرق حقوق الإنسان تقيم فى طرابلس .. فإن الذى يمارس إنتهاك حقوق الإنسان فى درنة ـ مثلا ـ هو شخص درناوي مائة بالمائة.. وإذا كانت بعض قيادات النظام المتهمة بسرقة أموال الثروة البترولية تتمركز فى سرت .. فإن الذين سرقوا ملايين بنغازي هم من أبناء بنغازي .. وهكذا حتى نصل الى أفواج رجال المخابرات.. وأرتال اللجان الثورية فكل هؤلاء ليسوا من نسل رجل واحد.. ولا ينتمون الى قبيلة واحدة .. ولا الى جهة واحدة .. ولا الى منطقة واحدة .. وبالتأكيد فهم ليسوا صهاينة ولا أمبرياليين .. قد نصفهم بكل أوصاف القبح والذم .. من الجهل .. الى الحمق .. الى الإرتزاق .. وصولا الى بيع الذمم وإنعدام الوطنية .. ولكنهم فى النهاية هم عبارة عن ليبيين .. يمارسون أدوارا سيئة فى قضية ليبية .

وقضية ليبيا لن يكون حلها إلا ليبياً خالصاً .. لأنه بقدر تداخل القضايا الدولية وتشابكها بقدر ما أفرز ذلك التداخل تعقيدات فرضت على المشهد نوعاً من الإنكفائية الى الداخل .. فأصبحت كل دولة تبحث عن حل لأزماتها بمعزل عن الشعارات الكبيرة غير القابلة للصرف فى سوق الواقعية السياسية المتعلقة بالممارسة .. وتنطلق فى فهمها للعالمية من نقطة المصلحة الوطنية .

فلا الذى يبحث عن بعث الخلافة بقادر على جعل قضيته جزءً منها عندما يجّد الجّد .. ( اليست دار الخلافة العثمانية هي التى تخلت عن ليبيا عندما وصلت السفن الإيطالية الى الشواطي الليبية سنة 1911م ! وذلك عندما شعر سيدنا الخليفة بأن تكاليف وجودنا ضمن سلطانه ثقيلة .. عندها رجَحت لديه مصلحة التخلي عنا.. فلم يتأخر فخامته فى ذلك ومنحنا ونحن الشعب البدوي الأعزل استقلالنا عن الخلافة .. فكانت المصلحة هي الفيصل فى وجودنا ضمن الخلافة .. وليس وقوفنا تحت راية الاسلام التى لم يتخلى عنها الشعب الليبي يوماً من الأيام ) .

ولا الذى يبحث عن الديمقراطية الغربية بقادر على إثبات أن قضيته جزءً من الهم الديمقراطي الغربي .. ( ألم يتوافد قادة الغرب على خيمة العقيد لإنهاء عقود الخصومة السياسية .. وإبرام عقود الشراكة الإقتصادية ، مع تجنيب ملفات حقوق الإنسان عن سبق إصرار وترصد .. فالحقوق ما زالت منتهكة .. والحريات العامة غائبة .. والحياة السياسية مشلولة مع هذا تخلى الغرب عن شعاراته مقابل مصالحه .. وبقي الشعب الليبي يؤمن بالحرية ويحلم بها ) .. وقس على ذلك .

إذاً فالحل كان ـ وسيبقى ـ ليبياً .. ولعل أول إرهاصاته هو تقنين ونشر فلسفة تلييب مشكلتنا وحلها.. وفك اي إرتباطات خارج حدود الوطن .. فالذي يريد أن يقيم مشروعاً إسلامياً فلتكن نقطة إنطلاقه ليبيا .. وليخاطب الليبيين ويصدر عن همومهم .. ويرتب أولوياته وفق ما تنتجه أو تتطلبه بيئتهم .. والذى يرى أن النموذج الليبرالي هو الأصلح .. فعليه أن يليّب مشروعه ليتناغم مع ثوابت ومصالح الوطن وطموحات المواطن .. ولنتأكد جميعا أن أي عربة تربط بالقضية الليبية .. أو تربط القضية الليبية بها لن تكون إلا عبئاً عليها .

ولن يفرض تقدم قضايانا الليبية على قائمة أولوياتنا ..ولن يخلق حالة ليبية تجبر الجميع على الإلتفات اليها .. إلا نحن .. وعبر إيماننا بقضيتنا وخصوصيتها .. فعندما تولد الحالة الليبية سيكون تفكيرنا مثلا فى إيجاد حل لملف الامازيغية أكبر من تفكيرنا فى قصة سلمان العودة وآل سعود.. وسننشط فى معرفة حقيقة التدافع بين مثقفي الداخل .. وبين الجناح الثوري.. بحماسة تفوق رغبتنا فى معرفة خبايا الصراع بين كرزاي والملا عمر.. وسترتفع همتنا فى معرفة أخر فصول قضية المهندس فتحي الجهمي .. وتتفوق على الرغبة فى معرفة فصول قضية أيمن نور .. ليس تقليلا من شأن أولئك الناس .. بل رفعاً للشأن الليبي .. وسعياً للخروج من عالم النسيان الى عالم الذكر .. أوليس أهل مكة أدرى بشعابها !! .

فمشاكلنا ليبية خالصة .. وتعثرها ناتج عن قصور فى العقليات التى تقود المرحلة .. وتمسكنا بضرورة أن يكون الحل ليبياً سواء على المستوى النظري أو العملي.. قد يعننا إكتشاف طاقاتنا وقدراتنا.. ويمنحنا فرصة النظر الى خصوصيتنا الثقافية والاجتماعية .. التى ستساعدنا على تجاوز بعض العقبات النفسية .. وتدفعنا الى تصعيد الإشتباك الإيجابي لجعل قضيتنا الأساسية ـ وهي حقوق المواطن ـ ساخنة .. وتعيننا على لفت إنتباه الليبيين الى أزمتهم .. وجذبهم للإنغماس فيها .. ليتحول شعار بوزن شعار " الشراكة فى الوطن " الى جزء من الواقع .. وأيضا لإثبات أن الدعوة الى "حل القضية الليبية من داخل الوطن " حقيقة نابعة عن إيمان ومعرفة .. وليست شمّاعة للفشل .

والسلام.

عـيسى عـبدالقيوم


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home