Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

السبت 5 يونيو 2010

حركة القبيلة على الرُكح السياسي

ورقة على هامش القلق المتنامي من حركة العشيرة بعيداً عن مضاربها

عـيسى عـبدالقيوم

مُنذ مئات السنين تشكلت القبيلة الليبية بأحجام بشرية .. وتوزيعات جغرافية .. وأنماط سلوكية متعددة .. جاءت كإستجابة لتقاليد أنتجتها البيئة والمحيط .. وحرّكتها بواعث الحميّة وغريزة حب البقاء .. مما أوجد لمصطلح القبيلة حقيقة تتحرك على الأراضي الليبية .. قد لا تختلف ـ أو تتفوق ـ كثيرا عن نظيراتها فى المنطقة .. وبذا تدخل قبائلنا ضمناً تحت التعريفات المتاحة ـ منها ما ورد فى معجم العلوم الإجتماعية ـ كونها عبارة " عن نظام من التنظيم الإجتماعي يشمل عدة جماعات محلية ـ قرى / زمر / مقاطعات / أنساب ـ وعادة ما تشمل أراضي مشتركة ولغة مشتركة وثقافة مشتركة .. وقد تكون العناصر المكونة للقبيلة خاضعة ً لتنسيق سلطة سياسية رسمية أو مركزية .. ومثالياً فإن مصطلح القبيلة يعني ضمنياً عنصراً كبيراً من التضامن يستند على مشاعر مشتركة قوية .. ويصبح هذا التضامن تعاقدياً فى الطبيعة عندما تصبح القبيلة أكثر تنظيماً من الناحية الرسمية " .

فى الحقيقة لا أريد أن أسترسل فى هذا الجانب .. فقط أردت من المقدمة تحديد مصطلح القبيلة الذي سيدار حوله الكلام فى هذه الورقة .. والتي دفعني إليها القلق الذي بدأ يرشح من خلال كتابات الكثير من مثقفي ليبيا .. بل ومن ساستها وتكنوقراطها كذلك .. ولعل أخر ما لمسته من مظاهر القلق ما جاء فى مقالة الدكتور علي سعيد البرغثي التى رفع فيها درجة التحذير الى اللون الأحمر بقوله : " الخطر الحقيقى أن تتحول القبيلة الى دولة ، والأخطر من ذلك أن تحدد القبيلة الفعل والفاعل و المفعول به ".

بداية سأبتعد عن المنحى التفصيلي لقصة القبيلة .. وسأذهب مباشرة الى تسليط الضوء على دورها ضمن المنظومة السياسية التى حكمت ليبيا الحديثة .. وهو دور إتفق البحاثة على أنه ـ رفقة الدين ـ كان الأكبر على مسرح الأحداث .. وفى هذا السياق تقرر الدكتورة أم العز الفارسي أن الدين الإسلامي والقبيلة قد لعبا (.. دوراً مهماً فى تشكيل النظام السياسي الليبي عبر تحولاته المختلفة ..) (1) .

ومن بوابة حقبة الإستعمار (1911- 1935) يمكننا أن نرصد الدور الكبير والإيجابي والمهم الذي لعبته القبيلة .. والتضحيات التى بذلتها .. ولن نتجاوز الحقيقة إذا قلنا أن العبء الأكبر فى هذه المرحلة وقع على كاهل القبيلة بشكلها التقليدي .. كما يمكننا أن نصفه بالجهد الوطني .. كونه كان يستهدف ـ بعد رضا الله ـ حماية الأرض والعرض .. ولم يجيّر لصالح مصالح قبيلة بعينها .. فنجد على سبيل المثال أن قيادة الجهاد كان لواؤها معقوداً لشيخ الشهداء عمر المختار .. وهو من قبيلة " المنفى" المحسوبة ـ وفق التقسيم القبلي ـ على سلة المرابطين وليس السعادي .. وكذلك نجد ضمن قيادات الصف الأول للجهاد فى برقة مثلا شخصيات من الغرب والجنوب الليبي .. بل ومن فلسطين وتشاد ايضا.. ونجد الإلتحام الكامل وتجلي سمو الغاية الوطنية البعيدة عن طبيعة الغزو القبلي تتجسد فى معركة القرضابية ( المنطقة الوسطى ) .. وهي شواهد مهمة على طريق بحث الحالة القبلية .. وتمنح مؤشرات إيجابية .. وإن غاب التفصيل .

وعندما نقترب من فترة منح الإستقلال ( 1949 - 1951 ) ستطفو على السطح بعض الإشكاليات التى تمثل أبرزها فى التعداد القبلي .. وما يجب أن يقابله من تمثيل بين الولايات .. والحديث عن حجم التضحيات .. وعلاقة البعض بالمحتل الأجنبي .. وهي إرهاصات كانت تدور بشكل غير خشن .. ولكنها مسّت المستوى السياسي على نحو ما .. وتم تجاوزها بشكل أو أخر .. غير أنها تركت ما تركت فى النفوس وعلى الورق .. علّك تجد بعضه فى الكتب التى أرّخت لتلك الحقبة .. خاصة فترة الإعداد لمعركة تصفية تركة الإستعمار .. والبحث عن الإستقلال .. التى شهدها مقر القيادات الليبية المهاجرة ( مصر ) .

وعندما نغوض فى العهدة الملكية ( 1952 – 1969 ) .. سنجد أن القبيلة لعبت دوراً سياسيا كبيراً وباتت أكثر قرباً من مركز السلطة ومن إدارة الحكم .. ولعل لولادة مفهوم إداري جديد للوطن (= الدولة) .. ولظهور النفط علاقة بالتحولات التى طالت حركة القبيلة ونمو طموحاتها وتطلعاتها .. ولكنها فى تقديري لم تتغول ـ كثقافة ـ على المدينة .. فكانت تمارس طقوسها فى بيئتها .. فنجد ابن القبيلة الذي يعيش فى المدينة .. يقصد مضارب العشيرة ( أو ما يعرف بالحدود الإدارية للقبيلة ) من أجل تحويل أو إستثمار وجودها وسطوتها الى رقم فى البرلمان أو الحكومة .. أو كحضوة عند السلطة .. ولم تسجل محاولات الإستقواء بالقبيلة لردم ثقافة المدينة وإلغاء وجودها .

حتى ان مدينة مثل بنغازي المحاطة بتكتلات قبلية كبيرة ذات تاريخ عريق .. استطاعت أن تقدم لرئاسة الوزراء كل من عبدالرحمن الساقزلي .. وونيس القذافي القماطي .. وهما ينتميان قبليا الى قبائل بعيدة عن المحيط .. غير أنهما واقعيا ينتميان الى ثقافة المكان ( المدينة ) التى أنتجت فلسفة تكافؤ الفرص بين أبنائها .. مسقطة الشرط القبلي من حساباتها .. مما يشير الى وجود نوع من التوازن على الأرض .. والكثير من الوعي بين جدران المدن . وكذلك لعب وجود حركة دينية .. هي الحركة السنوسية التى لم تخترق من قبل المنطق القبلي .. دوراً مهماً .. حيث ظلت على مسافة من الجميع .. ومنحت الثقة والمشروعية لكل اتباعها بشكل لا يشترط الإنتماء القبلي .. فوجدنا من بين كبار قادتها أسماء من غرب وجنوب ليبيا .. ومن القبائل الكبرى والصغرى فى شرقها .. لذا فيمكن عدّها ضمن العناصر التى خففت ـ فى تقديري ـ من غلو القبيلة فى تلك المرحلة .. وإن لم تنجح فى إزالته .

وظلت القبيلة تتقدم فى مسيرة الإستحواذ على مناطق جديدة على خارطة العمل السياسي بخطوات متسارعة بعض الشيء .. ولكن للأسف فالإشارة الى بعض التراخي فى سرعة إلتهامها لم تفرزها ثقافة القبيلة .. بل فرضتها التركيبة الثلاثية التى شكلت معها شراكة معقدة .. أسهمت على نحو واضح فى إبطاء سرعة التحول الذي ظهر على دور القبيلة وحدوده .. حيث يرى الدكتور صلاح السوري أن القيادة السياسية فى ليبيا 1952 -1969 كانت " مركبة من عناصر دينية وقبلية واسرية " .

ثم جاءت العهدة الجمهورية (1969 - 1977) .. التى لم تشهد تغييراً مباشراً .. غير أن ثمة إشارة ضمنية شكّلها تنوع أسماء مجلس قيادة الثورة الذي أعلن حينها .. حيث بدا كما لو أنه إجتهاد يستهدف التوازن بين جناحي الوطن .. ولعل نجاح تنظيم الضباط الأحرار فى العمل بنفس الكفاءة فى مدن شرق وغرب وجنوب ليبيا .. وكذلك رئاسة العقيد القذافي للتنظيم ومن بعده لِما عُرف بمجلس قيادة الثورة ـ وهو المحسوب على المنطقة الوسطى ( سرت) .. وعلى قبيلة صغيرة من حيث العدد (القذاذفة) .. قد بعث برسالة مفادها أن معيار القبلية وثقافة القبيلة لم تكن حاضرة بالمرة فى فترة الإعداد ومن ثم إدارة الحقبة الجمهورية .. وأنه غير مرحب به فى العهد الجديد .. وربما نلمح ذلك ايضا ـ وإن من زاوية بعيدة ـ فى صياغة " البيان الأول " .. وتحديدا فى الفقرة التى تقول " لا مهضوم ولا مغبون ولا مظلوم ولا سيد ولا مسود ، بل إخوة أحرار في ظل مجتمع ترفرف عليه إن شاء الله راية الرخاء والمساواة ".

الى أن ولجنا حقبة الجماهيرية ( 1977 ـ 1990) .. وهنا ولد الكتاب الأخضر الذي شكل منعطفا كبيرا وحاداً فى تاريخ علاقة القبيلة بالسياسة .. فهو من جهة لم ينح منحى الدول التى دعت لإنهاء القبيلة وإجتثاث وجودها و إلغاء أي دور لها .. ومن جهة أخرى لم يبد راضياً على دورها السياسي الكبير .. وإجتهد فى البحث عن طريق ثالث .

وعن هذا الخيار تقول الدكتورة أمال العبيدي ( التى تميزت فى تشريح هذه الظاهرة ) أن " النظام الثوري إعتبر القبيلة تنظيماً إجتماعياً مهماً وضروريا للفرد كمصدر للقيم الإجتماعية وكأداة للتعليم والتنشئة .. ويحاجج العقيد القذافي فى الكتاب الأخضر بأن المجتمع يتضمن عدداً من البنى الإجتماعية التى تعتبر مركزية لحيويته .. وهذه البنى هي الأسرة والقبيلة والأمة .. وجميعها ذات طبيعة غير سياسية ! " (2) .

وهكذا قدمت العهدة الجديدة ( الجماهيرية ) وجود القبيلة على أنه معرقِل للكثير من أهدافها الإستراتيجية .. وبشكل عام تخلص عقيدتها السياسية ( الكتاب الأخضر) الى رفض أي دور سياسي للقبيلة .. وتذهب فى كثير من مقارباتها الى المقارنة بينها وبين النظام الحزبي.. وترفضهما معاً شكلاً ومضموناً .. وحول هذا المعنى يقرر الفصل الأول من الكتاب الأخضر ( .. إن الصراع الحزبي على السلطة لا فرق بينه إطلاقا وبين الصراع القبلي والطائفي ذاته ، وإذا كان النظام القبلي والطائفي مرفوضاً ومستهجناً سياسياً فيجب أن يرفض ويستهجن النظام الحزبي أيضاً ، فكلاهما يسلك مسلكاً واحداً ، ويؤدي إلى نتيجة واحدة . إن التأثير السلبي والمدمر للصراع القبلي أو الطائفي في المجتمع هو نفس التأثير السلبي والمدمر للصراع الحزبي في المجتمع ..).

وبالفعل كانت حقبة عصيبة على النظام القبلي .. تم فيها تفكيك الولاءات .. وإعادة صياغة الحدود الإدارية للقبائل وفق منظور مدني .. وأفرز نظام " التصعيد " الشعبي قيادات ذات ولاءات أيديولوجية ثورية .. ومنح الثقة لتركيبة جديدة بهُت فيها التمايز القبلي .. فإختفت تدريجياً سيطرة القبيلة وسطوة شيوخها .. وبدأت تتراجع الى داخل مضاربها وبيئتها الطبيعية .. وبدأت ترضخ لسيطرة الدولة .. وتقبل بفكرة وجودها كمحضن إجتماعي وفق تقاليدها المتوارثة .

ثم ولجنا الحقبة المرتبِكة ( 1990 ـ 1994 ).. حيث بدأت بوادر الإنقلاب على فكرة الطريق الثالث الداعمة لمبدأ التقليل من سيطرة القبيلة على مفاصل الدولة لمصلحة المؤسسة المختارة من الشعب .. بغض النظر عن إتفاقنا او إختلافنا حول نجاح الإدارة البديلة من عدمه .. إلا أننا سنتفق على أن المسار بشكل عام كان صحيحاً وصحياً .. عموماً سنجد فى هذه الحقبة عودة القبيلة إلى الخطاب الرسمي وبلهجة إيجابية هذه المرة.. ونسجل رجوعها من بعيد للسيطرة على مفاصل الدولة .. وبشكل وصل الى حد مفزع .. وذلك حين يتم تقاسم دولة مساحتها 1759540 كم مربع .. فى " مربوعة " لا يتعدى حجمها 4 في 4 .. والمثير أن هذه الممارسات باتت تحدث وسط المدينة وليس فى مضارب العشيرة .. ولأجل تصريف شئون دولة لا قبيلة .. وتلفت الحالة إنتباه الدكتور منصور الكيخيا ـ الأستاذ بجامعة قاريونس ـ فيصفها بـقوله : " عدد كبير من المرشحين سعوا للترشح وتم إختيارهم على أساس الإنتماء القبلي ، وحدثت معارك دامية بين القبائل حول الأرض أو حول المناصب السياسية " .

كما تم فى هذه الحقبة إستبدال الأندية الأهلية الجامعة .. بروابط قبلية ضيقة .. فأصبح مصطلح النادي مستهجناً .. وعبارة الروابط القبلية مستحسنة .. وبواعز من الدولة هذه المرة .

ثم ولجنا حقبة إعادة الحسابات .. ( 1994 ـ 2009) .. فبعد مخاض خجول وإرتباك محيّر بين رفض منطق الكتاب الإخضر لأي دور سياسي للقبيلة ومحاولته ضبطها فى مسارها الإجتماعي .. وبين براغماتية سياسة الكواليس .. أو ما يمكننا وصفه بالتدافع بين متطلبات الفكر ورغبات السلطة .. فى هذه الفترة الرمادية ولد رسمياً " مجلس القيادات الشعبية ".. والذي يعتبر من حيث الصلاحيات أقوى من أي منصب فى ليبيا .. ( إذا إستثنينا منصب العقيد القذافي كقائد يمتلك ما يُعرّف بالشرعية الثورية ) .. غير أن مجلس القيادات الشعبية ظل معزولاً .. وبدت مهامه ضبابية .. ولم تقده اي من الشخصيات المهمة أو الفاعلة .. سواء الثورية أو العسكرية او حتى القبيلية .. كان يبدو كمقعد شاغر ! .

وفى العام 1995 تم تحويل أول تقليد قبلي قديم الى مدونة قوانين الدولة .. ألا وهو قانون الشرف ..الذي ينص على تحميل المسئولية الجماعية عبر فرض عقوبة جماعية .. (3) وهو كما ترى الدكتورة العبيدي تحميل لمسئولية شبه قانونية لشيوخ القبائل فى تمظهرهم الجديد المتماهي مع السلطة السياسية .. وفى هذه الحقبة تم ايضا الشروع فى ربط توزيع الثروة بالقبيلة.. أي ربط القبيلة بمنطق الكسب بصورة مباشرة .. مما أدى الى مقايضة الولاء العشائري من أجل ضمان حصة فى الثروة .. ونسبة من الوظائف .. والأكثر حساسية كان ضمان عدم تفوق القبائل الأخرى .. لنعود من جديد الى المربع الأول .. والحديث عن دور القبيلة وتغول النـَفس القبلي.. يقول الدكتور فرج نجم : " أما القبلية فمنها ما هو إيجابي وما هو سلبي ، وأنا أضم صوتي إلى الكثيرين المشككين في ماهيتها ، وخاصة في هذه الآونة ، بعدما أن أصبحت القبلية عنصراً سلبياً يدعو إلى العصبية والتفاضل على أساس الإنتماء وليس العمل " (4) .

وشهد العام 2009 .. إجتماعا للعقيد القذافي مع الفعاليات الشعبية بمدينة سبها .. بمناسبة الذكرى (50) لحركة الضباط الأحرار .. طالب فيه منح نجله سيف الإسلام منصباً لا يكون محددا بفترة زمنية .. ولا يخضع بشكل مباشر لمنظومة السلطة الشعبية .. وهنا تم إقتراح أن يتولى سيف الإسلام منصب " منسق القيادات الشعبية الإجتماعية " .. وهي المرة الأولى التى يوضع فيها هذا المنصب تحت الضوء .. ويعقد أول إجتماع معلن لأعضاءه ليمنح الشرعية لقيادة الدولة بشكل واضح .. وفى المقابل وبعد عرض الفكرة على المؤتمرات الشعبية وإقرارها .. فوجئنا برفض السيد سيف الإسلام لها .. وإشارته الى أن الطريقة لا تتناسب مع ما يدعو اليه .. واصفاً إياها فى بيان صحفي " بالمسرحية السياسية " .. وهو تعبير غير حاسم بخصوص ما نحن بصدده .. فلم أستطع أن أفهم هل المرفوض ـ على وجه الدقة ـ هو العودة لإستخدام القبيلة .. ام طريقة الترشيح ذاتها ؟!.. وإذا ما كان يفضل حلاً مدنياً كالإستفتاء مثلا .. عموما ما يعنينا فى هذا المقام هو ولادة مستوى مهم وحساس فى هيكل الدولة ينتمي بشكل مباشر الى سلة منظومة التقاليد القبلية .. ولكنه على غير العادة يستهدف السياسة هذه المرة .

ثم وقفنا أمام المحطة الأخيرة مايو 2010 ( أي قبل أيام قليلة ) ورصدنا أخر تجليات فصول هذا الملف.. والتي تمثلت فى عودة القلق حيال الدور السياسي للقبيلة .. وذلك ضمن كلمة السيد سيف الإسلام أمام طلبة وأساتذة أحد جامعات لندن .. حيث أكد على أن " المجتمع الليبي مجتمع قبلي وسيصوّت ، حال إجراء إنتخابات على الطريقة الغربية ، متأثراً بتلك الطبيعة ، للوائح ومرشحي القبيلة ، فلا توجد بيئة مناسبة لتكوين الأحزاب والديمقراطية الحزبية في ليبيا ، كما أن غياب الثقافة الديمقراطية والسياسية في البلاد لأكثر من خمسين سنة سيؤدي إلى تكوين أحزاب قبلية قد تصل إلى المئات ، وهو ما لا يحبذه " .

وهنا نعود من جديد ـ كما قلت ـ للحديث عن الأثر السلبي لتشجيع القبيلة على تعاطي السياسة دون تأهيل .. ودون حقنها بثقافة المجتمعات الأهلية .. وكذلك فى ظل التضييق على هوامش مؤسسات المجتمع الأهلي .. وهنا حتما سيجد المراقب بعض التضارب بين ما يجري على الأرض وما يقال .. أي بين النظرية والتطبيق .. وليبقى السؤال الأهم فى ظل تجلي كل هذه الحقائق والتناقضات .. وفى ظل وجود نوع من القلق الجماعي .. أي المحطات ينبغي أن نعود لنصعد منها ؟!.. محطة العهدة الملكية وتشجيع القبيلة من أجل خلق توازنات سياسة .. أم محطة الجمهورية والعلاج بالأمر الواقع وبالعمل وفق سياسة الإستقطاع لصالح الدولة .. أم محطة الجماهيرية والعلاج عبر الأيديولوجية والتقنين الصارم ؟!.

على أي حال .. ما نعيشه اليوم على أرض الواقع يمثل حقبة توسع مضارب العشيرة .. وتمدد تقاليدها لتشمل المدن .. ولم يعد ثمة ثقافة مدنية يمكن أن نجذب اليها الفائض من القبيلة من أجل توسيع رقعة الحداثة .. فالأخر أصبح يرى نفسه الأكثر كفاءة فى قيادة دفة الدولة التى سُطّح وتفـّه مفهومها بحيث أمسى متاحاً لكل مغامر .. وبات ما يفترض أنه خدمات الدولة مغانم للقبيلة الأكثر سيطرة على المدن .. وأصبح الخجل نسياً منسياً .. فخسارة القبيلة لما تعتبره حصتها.. يفسر علناً على أنه إنتصار لمن لايزالون يوصفون بالخصوم .. أي القبائل الأخرى .. التى يفترض أن مجموعها يساوي الشعب الليبي !! .. وهو ما يؤدي بالضرورة الى زيادة نسبة الكراهية فى المجتمع .. وهي السمة التى لا يمكن معها نجاح أي خطة للتنمية .. سواء البشرية أو المادية .

وكي لا أتهم بالمبالغة يمكنكم مراجعة خبر وصول السيد " عمر إشكال " الى بنغازي من أجل ضمان ـ ما وصفه الخبر ـ " بحد أدنى من التوازن بين القبائل فى عملية التصعيد " .. كما نقرأ أيضا خبر إقتراح حل وصفته الصحافة الوطنية " بالقبلي " لمشكلة ضم جامعة العرب الطبية الى جامعة قاريونس .. ضمن ما يفترض أنه ترتيب دولة حديثة لبيتها الداخلي .. وهي مصطلحات كما ترى تثير الفزع .. وأرجو أن لا نصل الى يوم نحتاج فيه الى شد الرحال الى أحد النجوع من أجل الحصول على تأشيرة سفر لغرض العلاج !.. أو الإنتقال الى أحد الأودية من أجل التصديق على شهادات التخرج من الجامعات الليبية !.

ربما تداعيات الموضوع برمته تدفعني لتجاوز كافة الفواصل والنظر الى مسرح الأحداث على أنه رُكح واحد يوجب عليّ طرح إستفهاماتي على الجميع : الدولة .. والسلطة .. والمعارضة .. والمثقف المستقل .. والأخر المؤدلج .. الأكاديمي والإعلامي ورجل الشارع .. بل وعلى شيخ القبيلة نفسه .. رغم أن خيبة الأمل فى حلم المستقبل تكاد تجبرني على أن أقصر خطابي على الشريحة الأكثر معاناة من أثار هذا الملف وهم الشباب .. كونهم الأكثر عدد .. ولتمثيلهم للمستقبل .. عموما أمامكم جميعاُ أنثر إستفهاماتي :

ـ هل هذا هو الخيار الأمثل لنهضة بلد يمتلك قائمة نواقص طويلة ؟!!.

ـ وهل سيكون مفهوم المواطنة بخير ويمكن أن يستوعبنا جميعا فى ظل تغوّل مفهوم القبيلة ؟!.

ـ وأخيرا ها أنتم أمام نتائج تجربة سنين طويلة فهل ترونها مريحة ومربحة للوطن .. أم ثمة رأي أخر آن الأوان أن نتحاور حوله على الأقل ؟!.

وأختم بعبارة للدكتور على سعيد البرغثي تختصر القلق حيال ما يجري .. وتتجه الى الدولة بعلامة إستفهام حول طبيعة التبدل الحاد الذي لحق بفلسفة علاقة القبيلة بالسياسة .. حيث قال معلقاً على ما جرى من خروقات خطيرة فى عملية توزيع حقائب الأمانات المحلية ( التصعيد ) : " ما حصل أثار عندى مزيداً من الدوافع لإعادة قراءة البيان الأول للثورة ؟ ، وأجزم هنا أننى أكثر قناعة من أى وقت مضى بأن الفعل الراهن لايحمل جِنات يمكن انتماؤها لهذا البيان ، وبعبارة أخرى أن رؤية القيادة التاريخية لسلطة الشعب إرتهنت بتغذية عكسية وقودها العصبية القبلية " (5) .

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com
_________________________

1ـ من كتاب" المرأة والمشاركة السياسية " للدكتورة أم العز الفارسي .. المحاضرة فى كلية الإقتصاد والعلوم السياسية جامعة قاريونس .

2ـ أقوال د. أمال .. د. صلاح السوري .. د منصور الكيخيا .. منقولة على مبحث " القبيلة والقبلية بديل المجتمع المدني " وهو جزء من كتاب " الثقافة السياسية فى ليبيا " للدكتورة أمال العبيدي .. العميد السابق لكلية الإقتصاد والعلوم السياسية جامعة قاريونس .. وهو بحث مثير ومتميز فى هذا المجال .. ويحمل إحصائيات وإستنتاجات بل ونتائج غاية فى الأهمية والخطورة .. نشرتها مجلة عراجين العدد الرابع / يناير / 2006م .

3ـ وكان العقيد القذافي قد تحدث منذ فترة عن إلغاء القانون " الشرف " .. فى حلقة من برنامج " أكثر من رأي " على قناة الجزيرة .. غير أنه لم يصدر أي تعميم رسمي علني حول ذلك .

4ـ من كلمة للدكتور فرج نجم ـ المؤرخ والمحاضر بكلية ( لندن كولج ) ـ جاءت ضمن محاضرته التى ألقاها ضمن مناشط " منبر ليبيا للثقافة " بديوان الكوفة مساء 29 مارس 2006 – لندن..بعنوان " القبيلة فى ليبيا : المأزق والمستقبل "
http://www.libyaforum.org/index.php?option=com_content&task=view&id=5129&Itemid=245

5ـ كلام د.على سعيد البرغثي ـ المحاضر فى كلية الإقتصاد والعلوم السياسية جامعة قاريونس ـ نقلا عن مقالته " ليبيا اليوم بين سلطة الشعب وسلطة القبيلة " http://www.jeel-libya.net/show_article.php?id=21125§ion=1 .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home