Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Tuesday, 2 May, 2006

 

الـدوامـة(*)

( الجزء الثاني )

عـيسى عـبدالقيوم


الـدوامــة
(4)

قيام .. جلوس .
أس .. سكوت .
ذرَعَ الرجل السمين .. ذو النظارة السميكة .. الفصل عرضاً لمرات عديدة .. قبل أن يتوقف ليستقبل العيون الشاخصة .. بعيون فاغرة .. ويقول بصوت أجش :
ـ أيهما أسبق للوجود يا أولاد : البيضة أم الدجاجة ؟!.

للوهلة الأولى بدأ السؤال عادياً .. وخالياً من المفاجآت .. ومغرياً لإثبات الحضور .
فإندفع تلاميذ المقاعد الأمامية لإنجاز المَهمة ..وإرتفعت الأصابع كأنها غابة من سيقان الفول الأخضر .. ثم ما لبثت أن بدأت تتساقط كأوراق الخريف .

فعجز عادل .. المُتحصل على " عشرة على عشرة " فى مادة العلوم .
وأحمرت وجنتي سعاد .. " الأولى " على فصل سادسة / خامس .
فيما إنكمش تلاميذ المقاعد الخلفية .. " الحمير " حسب الترتيب التصاعدي .

مدرس الفصل يتصبب عرقاً .. لكون السؤال مطروحاً من طرف مفتش ( درجة 13) مبتعث من جهات تعليمية عُليا . وبنشوة متلفعة فى ثوب أكاديمي .. ربما لتخفي بقايا سادية متكورة فى عقله الباطن .. أصبح السيد المفتش ينتقل من تلميذ الى أخر .. ومن تلميذة الى أخرى .. وهو لا يتوقف عن نقر الأرض بعصاته .. مع ترديد السؤال بلهجة عكنسّية : الدجيّجه .. وإلا الدحيّه ؟!.

وكلما نجح فى تكبيت هذا.. أو إخماد جذوة ذاك .. كان يترقى فى سلم اللذة .. كما لو أنه على وشك أن يبتغي وراء ذلك سبيلا (!) .
وعندما قضى على الصف .. عَبر الى صدارة الفصل من جديد .. وأرخى لإليتيه العنان لتستقرا على المقعد الخشبي .
رمق المفتش السقف بنظرة عبيطة .. قبل أن ترتسم على تضاريس وجهه فرحة مفخخة .
تعمد مبعوث العناية التعليمية أن لا يتكلم .. والعُرف يقضي أن لا يتكلم أحد قبل هذا الذى كاد أن يكون رسولاً .

التلاميذ ينظرون الى المدرس .
المدرس ينظر الى المفتش .
المفتش ينظر الى حذاءه ويردد : البيضة أم الدجاجة ؟! .
عندها تشكلت الدوامة .

الـدوامــة
(5)

صديقي يعمل مثل حمار الساقية .
ملتزم بالوصايا العشر .
ويعتبر الإقتراب من العبد .. والبحر.. والحكومة .. تهلكة .
لديه سروال " بلـّوتي " للشغل .. وبدلة عربية لزوم العيدين والجُمع .
ينكح زوجته بإنتظام .. متبعاً فى ذلك المذهب المالكي .
ويستقبل نشرة التاسعة بخشوع .
حريص على تفقد أثر كل المقولات .. بما فيها أن الرجل لا يحيض .

صديقي مستوفٍ لشروط " الليبية " فأسنانه صفراء.. ولديه " سيريا " من الكتيبات .
يستسلم للموتة الصغرى بسكينة الأطفال .. ويستيقظ قبل " الديك " بربع ساعة كاملة .
ينف .. ويمضغ .. ويربرب .. ويستخدم ثلاثة مغاثات حجامة .
لايشتكي من شيء سوى الإنقطاع المستمر لسّباط " الأصبع " الذى يمتطيه .
الشكر .. وتقبيل ظاهر اليد .. من طقوسه المفضلة .
ويفتخر بأنه سيدخل الجنة قبل عملاء مصرف الوحدة .

أعداؤه : الإمبريالية .. والصهيونية .. والإستعمار .
يسخر من الذين يكثرون الشكوى من فقر الدم .. ويعتبر الغنى غنى النفس .
ومثله الأعلى .. الحاج مفتاح غفير جبانة " سيدي عبيد " .
مواضب على حضور قدّاس المؤتمر الشعبي .. ودروس محو الأمية .

لكثرة تعاطيه " الصبر " .. أصيب صديقي بالفالج .
وعندما طرقت سمعه كلمة " الخارج " أيقن أنه مغادر تربته لا محالة .
فتحسس " تكة " سرواله .. وتفقد ضرس العقل .
إستقام على الطريق الساحلي .. وردد " أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " مرتين .

تجاوز صديقي الحدود التونسية بمئة كيلو متر .
وعند الكيلو 101 تشكلت الدوامة .

*   *   *

الـدوامــة
(6)

كتبت له ذات مساء لإطمئن على صحته .. بعد أن سمعت أنه متوعك قليلا .
فكتب هو يقول : الحمد لله .. كانت شكوكاً حول عضلة القلب .. وزعموا بأنها نتيجة ضعف في بعض عضلاته (.. وقالوا ما ندري سبب هذا الضعف ؟!. وكيف يدرون ، وهم لا يدرون أنهم يتفحصون قلبا نبضاته موزعة بين متطلبات الجسد .. وبين حنين يتعاظم إلى أرض الشعرا والبطوم .. وإلى نسمات ربيع الجبل يخالطها أريج الشيح والزعتر والزهيرا ، قلب يهزه الشوق إلى أكمات ووديان كانت محضنا للصبا وبعض الشباب ، وإلى أزقة وشوارع كان فيها ما كان من أيام جميلة على بساطتها، مثمرة على ما كان بها من فقر، قلت لهم ليس بعضلات قلبي ضعفا، ولكنكم لا ترون إلا نبضه الذي يغذي به الجسد، أما نبضه الآخر الذي تفتقدونه فهو الذي يجعلني أحيا الحياة كل الحياة، الحياة مع قوم لا تفصلني عنهم محيطات وبحار وقارات بقدر ما يفصلني عنهم حكم أهوج لم يبق أخضرا ولا يبسا. قالوا لدينا ترياق يساعد قلبك، قلت لهم ترياقي في شربة ماء مالح من بنغازي، وشمة من نسمات بحر الشابي، قلت لهم بأن ترياقي جلسة سمر مع الصحاب تحت سماء الفائدية .. ووقفة على روابي شحات هناك عند الزاوية السنوسية لأكحل ناظري بمنظر سفوح الجبل الأشم وهي تتهادى في انحدارها نحو السهل المنبسط الممتد حتى شواطئ سوسه .. حيث تتناثر بساتين "الدبادب" المثقلة أشجارها بالكرموس والهندي .. وتتزين عرائشها بعنب مختلفا ألوانه. قالوا لي لا تأكل ولا تشرب ولا ولا.. قلت لهم إن تحذيراتكم لن تصمد أمام مثرودة بسمن الجبل ، أو شربة لبن من "شكوة" مدبوغة بالعرعر ... قالوا أنت واهم ... فلقد تغير ذلك كله ولم يعد كما كان ... قلت لهم دعوني سادرا في وهمي ولا تقتلونني ..).
طويت الصفحة.. ومع إنصراف أخر حروف الرسالة.. نظرت الى الأفق البعيد.. فتشكلت الدوامة(**).

*   *   *

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________________________________

(*) سبق لي نشر الدوامة 4 ، 5 فى مجلة الحقيقة العدد 15 .. أعيدها هنا مع بعض التعديلات .. وإضافة الدوامة 6.
(**) ما بين الأقواس نقلته حرفيا من رسالة وصلتني من صديق فاضل .. وإذا كانت الدوامات السابقة تعبر عما جال فى خاطري حيال ما يحدث داخل الوطن .. فإن نص هذه الرسالة ولـّد عندي إحساسا بدوامة نعيشها نحن أهل المهجر .
ــ اللوحة أعلاه .. للفنان / عادل جربوع .. نقلا عن موقع " عين ليبيا " .. تجدها تحت هذا الرابط :
http://www.libyaeye.net/index1.htm


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home