مرّ عام 2005م على ليبيا مثقلاً بالأحداث التى تستحق التأمل.. والتى تنوعت بين السياسي.. والحقوقي.. والإعلامي.. والثقافي.. سأحاول فى هذه الإطلالة أن أقف عند ما أعتقد أنه شكل أبرز الأحداث ذات العلاقة بالأجندة أو الإهتمام المحلي.. وسأنظر إليها بعين المراقب أو الباحث.. وفق ما توفر لدي من معلومات.. للتعرف على مآلاتها بعد إنقضاء العام.. رغم إدراكي أن النظر للأحداث من هكذه زاوية لازال غير مُحبب ـ للبعض ـ تحت ذرائع شتى لعل أقربها هو مجافاته لمنطق التعبئة.. ولكني سأحتفظ لنفسي بحق ممارسته طالما أنه رأي لا يُلزِم غيري.. ويدور فى فلك حرية التعبير.. وينضبط بضوابطها.. أما الغاية القريبة من الإطلالة فهي من أجل أن نلج الى العام 2006م بذاكرة تحتفظ على الاقل بالخطوط العريضة لما وصلت اليه الأمور خلال العام المنصرم.. حتى لا نشاهد بدايات مكررة.
أبرز أحداث عام 2005م المتعلقة بالشأن الليبي
بالنسبة لأبرز الأحداث السياسية :
فى تصوري جسّد مؤتمر لندن حدث العام ـ السياسي ـ بجدارة .. فقد شكل منعطفاً هاماً.. ونقطة تاريخية فى مسيرة المعارضة.. بما لاقاه من نجاح إعلامي.. ومتابعة داخل الوطن.. إنعكست على ردة فعل النظام الليبي حياله.. ردة فعل فاقت كل التقديرات.. ودلت على رديكالية النظام فى التعاطي مع الرسائل السياسية.. وأثبتت عدم تمتعه بمّيزات القرن الواحد والعشرين فى التعامل مع المخالف.. أما بخصوص ذات المؤتمر فقد ذكرت فى أكثر من مناسبة ما أعتقدت ـ بصورة شخصية ـ أنه إيجابي أو سلبي فيه.. وإجمالاً فمن أبرز إيجابياته نجاحه فى لمّ شمل جزء من المعارضة الليبية.. ووصوله الى رجل الشارع.. وخلقه لديناميكية فى صفوف المعارضة.. تسليطه للضوء على فكرة الشرعية الغائبة عن المشهد الليبي..(2).. وستبقى أبرز اشكالياته عدم التناغم بين مطالبته بالتحول الى العمل السلمي التام .. وبين أجندته ذات الصبغة التنفيذية غير المقدور عليها بالنظر الى القدرات المادية .. وغير التكتيكية أولا : بالقياس الى أليات العمل السلمي التى أقر التحول إليه .. وثانيا : بالمقارنة مع إتجاه حركة القوى الغربية التى تجسد بدون خلاف الوقود الدافع لحركة التغيير فى المنطقة .. فإقترب فى محصلته النهائية( واقعيا ) من وصف الموقف السياسي .. وإبتعد عن وصف الأجندة التنفيذية .. وربما كان بالإمكان الوصول الى ما هو أفضل إذا ما قيّمنا الأمر من زاوية المشهد الكامل .. ولكنه قد يُشكل "الممكن " إذا ما قيمّناه كخطوة مرحلية .. وإذا ما أخذنا فى الإعتبار ما قيل عن كونه المؤتمر الأول .. فهذا يعني بأن هناك مؤتمر ثان .. الذى نأمل أن ينطلق من نقطة تقييم ومراجعة توصيات المؤتمر الأول.. بالنظر الى ما تحقق على الأرض .. وما رشح من مستجدات.. وأيضا لتقييم أداء الأفراد الذين أوِكل إليهم تنفيذ توصيات المؤتمر الأول .. فكما قد يكمن الخلل فى التوصيات النظرية ( الرؤيا ) .. قد يكمن فى ضعف أو سوء الأداء البشري (الإدارة) .
أما على مستوى الداخل : فقد تمثل الحدث الأبرز فى تصريحات السيد سيف الإسلام فى شهر اغسطس 2005 .. التى حملت شيئاً من ملامح المشروع الإصلاحي للدولة .. وعّدد خلالها عدة نقاط ذات سقف جيد .. من الدستور .. وحتى قانون الصحافة .. مروراً بحقوق الإنسان .. وصولاً الى تطوير منظومة القضاء .. والذى حملني على وصف تصريحاته بشبه المشروع ( حتى لا أعطي الموضوع أكبر من حجمه ) أنها ـ بالإضافة الى ولادتها داخل الوطن.. وطرحها لأول مرة عبر نافذة إعلامية وطنية تخاطب الشعب ـ قد توافرت على عنصرين هامين من عناصر المشروع السياسي وهما : التصريح بمباركة أعلى هرم السلطة للبرنامج .. والسقف الزمني الذى حُدد حينها بشهر سبتمبر من ذات العام.. وتلك كانت إحدى المفاجآت حيث لم يسبق للنظام أن أعطى اي محددات لوعوده .. فإنتهى الشهر وحدثت الإنتكاسة فى الوعود مما أضفى على الساحة الليبية مسحةً من خيبة الأمل المكررة .. تقهقرت معها فكرة إمكانية حصول إصلاحات فى شكل الدولة.. وتوجهات النظام .. من داخل هيكله وبواسطة من بيدهم مقاليد الحكم.
وفى ذات السياق الإصلاحي .. وفى ذات الظرف الزمني .. ظهرت داخل الوطن تصريحات للأستاذ ادريس المسماري .. والدكتور زاهي المغيربي.. وإشارات للدكتور محمد المفتي .. وفى المهجر برز تصريحاً للدكتور على بوزعكوك .. تتحدث فى مجملها عن إمكانية عقد مؤتمر وطني.. وبنظرة تحليلية موضوعية ..نجد أن تصريحات الداخل ( د. المغيربي ) تتحدث عن مؤتمر وطني لا يستثني أحداً (3).. بينما جاءت تصريحات المهجر ( د. بوزعكوك ) تتحدث عن مؤتمر يقتصر على القوى الإصلاحية . وهنا لابد من وقفة .. فالذى يتدبر فى ورقة الإصلاح السياسي سيجد أنها ورقة واحدة غير قابلة للتجزئة.. تـُطرح لإنهاء أزمة كاملة .. بمعنى أن المطلوب من ورقة الإصلاح أن تخلق حلاً نهائيا لقضية المعارضة ككل.. ومن هنا أتصور أن مطالبة الداخل بأن يكون المؤتمر( أو على الأقل الدعوة إليه) على أساس عدم إقصاء أحد.. ربما جاءت على خلفية معرفتهم بأن الإقصاء سيجعل هناك معارضتين .. ونظرا لأن المطلوب من ورقة الإصلاح إنهاء حالة المعارضة.. فمن الممكن أن تـُحجب الورقة أو يطالها التسويف فى حال لم تستطع أن تستقطب الأغلبية على الأقل .. أما مطالبة الخارج التى إقتصرت على دعوة فئة معينة ـ فليسمح لي الدكتورعلي وهو صديق أكن له أحتراماً وتقديراً كبيرين ـ بالقول أنها ربما تشكل ذريعة للمنع ..أو للانقسام حيالها داخل الوطن .. وكان بالإمكان أن تـُعكس الصورة فيقال على سبيل المثال : تدعو القوى الإصلاحية كل الليبيين الى مؤتمر ينظر فى كذا وكذا .. يبدو لي أن صياغة الداخل كانت أكثر إنسجاماـ على الجملة ـ مع فكرة الإصلاح السياسي على شروط دولة ترتجف أوصالها لمجرد التفكير فى مشوار الإصلاح الحقيقي !.
على اي حال هي وجهة نظر حيال موضوع يفتقد ـ حتى الأن ـ لمقومات العملية السياسية الكاملة.. ربما لكونه من مشاريع المستقبل التى يُتعاطى معها بعقلية ماضوية من طرف النظام .. فها هو العام ينصرم ولازالت ورقة الإصلاح ـ فى اعتقادي ـ تطرح كخيار تسوية أزمة.. لا كبرنامج وطني تنموي.. والدليل أنها تهمل إحتياجات رجل الشارع البسيط فى الداخل .. ومعروضة فى الخارج على كافة التوجهات .. على خلاف المتوقع من أنها تستهدف توجه بعينه.. ومطروحة بوتيرة متسارعة لا تظهر أي إهتمام بنتائج الحوارات التى تجرى حولها .. مما قد يحيلها الى وصف الورقة المبتذلة .
عموما.. إنتهى العام السياسي والعربة لازالت تتقدم الحصان .. إنتهى العام ومسلسل الإستجابة لمطالب الغرب على حساب مطالب الشعب مستمراً.. إنتهى العام والسيد شكري غانم لم يحدد بعد هل ليبيا دولة فقيرة أم دولة غنية ؟.. إنتهى العام ونحن فى قاع قوائم منظمة الشفافية .. وحرية الصحافة .. والتنمية البشرية.. إنتهى العام والمواطن مصطفى قرقوم يخط على جدران مدينة بنغازي اين الإصلاح ؟.. إنتهى العام ولم تولد إرادة سياسية لأي تغيير .. إنتهى العام والنظام يبحث عن ثوب للشرعية (4) .. ونستطيع القول بكل ثقة أن العام إنتهى بترحيل الأزمة السياسية الى العام القادم (5).. مصحوبة بقلق مُبرر حول جدّية ومصداقية قصة العبور الآمن الى المسقبل !! .
أما عن خندق المعارضة فى المهجر فقد إنصرم العام السياسي .. ولم يُقـَدّم مشروعاً مكتوباً للإصلاح .. فكل الذين نستمع إليهم..أو نتحدث معهم يتكلمون على مشروع الدولة المنتظر( بما فيها ما رشح ـ حتى الأن ـ عن لقاء الأستاذ محمد بويصير بسيف الاسلام ..ولقاء لم تتكشف تفاصيله مع الرابطة الليبية حول ذات الموضوع ) .. وفى تقديري هناك خطأ تكتيكي فى القضية .. فليس من مصلحة الوطن أن ترتهن كل قواه الى أجندة الدولة الإصلاحية ـ فى حال تسليمنا جدلا بجدواها ـ .. بل من المنطقى ـ لخلق توازن تكتيكي على طاولة الحوارـ أن يكون هناك مشروعاً إصلاحياً للقوى التى تنادي بالإصلاح فى المهجر.. لأجل الإمساك ببعض خيوط التفاوض والضغط والمقايضة السياسية.. وهي من أهم سمات العملية الإصلاحية.. ففي حال غياب المشروع الخاص..سيكون دور المحاور أو المفاوض السياسي على الطاولة إما الرفض وإما القبول .. وحتى تتوازن الأمور.. ويستشعر الناس وجود مشروع إصلاح حقيقي له القدرة على التفاوض من مصدر قوى .. وحتى تذهب الوساوس التى تملأ المكان .. ويظهر أن هناك شركاء حقيقيون لفكرة الإصلاح لهم منطلقاتهم المختلفة عن منطلقات الدولة .. نأمل أن نشاهد مشروعاً إصلاحياً على الورق يمكن من خلاله أن يقول المرء .. هنا نتفق .. وهنا نختلف .. لكوننا من جهة الشعار متفقون جميعا .. فلا أتصور شخصا يرفض شعار الإصلاح .. ولا يتمنى أن تحل الأزمة الليبية بدون قطرة دم واحدة .. وبدون أي فوضى أو إضطرابات .. وبعيدا عن أي تدخلات أجنبية .. ولكن للأسف فالواقع يقول إن هكذا أمنية تحتاج الى مشروع منضبط .. لا الى مجرد شعار فضفاض .
ونظرا لأن حالة التدافع السياسي السلمي تحتاج الى نفس طويل .. وغالبا ما تحسم معاركها بالنقاط لا بالضربة القاضية .. أتصور أن فى الوقت متسع لظهور مشروع إصلاحي واضح المعالم .. يُغالب ما يرفعه النظام من وعود جوفاء ـ حتى الأن ـ .. ويحدد نِسب الخطأ والصواب فى رفض أو قبول التوجه الإصلاحي .. بل ويضع ذات القوى الإصلاحية أمام إختبار تحويل عواطفها ومشاعرها الوطنية الى برنامج عمل .. مع تمنياتي لكافة الأجنحة التى تعمل من أجل مصلحة ليبيا بالنجاح .. لان الفائز الوحيد فى حال عقلنة مشوار النضال هو الوطن .. والمواطن .
عموما إنتهى العام وقضية الإصلاح تتقدم خطوة وتتراجع خطوتين .. فلم يُنجز من وعود الداخل شيء .. ولم يولد مشروع ناضج فى المهجر .. برغم من أن ذات الشعار قد أنجز خلال ذات العام فى دول الجوار شيئا ملموسا .. ( التجربة المصرية والتجربة الجزائرية ) .. وعلى مستوى الأدبيات السياسية فى المهجر فيكاد يكون تقرير " منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية " السنوي الذى صدر تحت عنوان " التنمية الإنسانية فى ليبيا عام 2004م " ـ حسب معلوماتي ـ الحالة الوحيدة والمميزة فى هذا السياق .. إذا ما إستثنينا بعض المقالات والتقارير السيارة .
أبرز الأحداث الحقوقية :
كان هناك الكثير من الأحداث التى مست الملف الحقوقي.. ولكن قضية أطفال الإيدز خطفت الأضواء.. وقفزت الى الصدارة لحجم الكارثة.. ولبعدها الإنساني.. ولسيناريوهاتها التى يشوبها الغموض.. بين إحتمال العمل التخريبي.. أو العمل التجريبي.. فهناك إحتمال أن تكون وراء الجريمة أيادٍ أجنبية هدفها خلق بلبلة فى المجتمع.. وهناك إحتمال أن تكون وراء الحادثة شركات أوربية تحديدا.. كانت تمارس عملية القيام بتجارب سريرية (وهذا مشهور فى دول افريقيا الفقيرة).. وقد تكون التجربة خرجت عن السيطرة (6)..المهم ان الجريمة وقعت .. وما زادها بشاعة هو تسييسها من قبل النظام بشكل إستفز الناس.. فمن التسريبات الأولى حول مقايضة الملف بقضية المقرحي.. الى التسوية التى يبدو أنها تذهب الى غلق ملفات اخرى كالخروج من قائمة الإرهاب.. والبدء فى الشراكة الأوربية.. الخ.. تسييسا ظهر على شكل محاكمة باهتة دار حولها لغط كبير.. رحّلت على إثرها القضية لتكون أحد عناوين العام القادم.. ولتشكل إمتحاناً عسيراً للقضاء الليبي.. الذى كانت صورته فى العام المنصرم مهزوزة.. ويمكنه أن يتدارك أمره ويعقد عزمه.. ويقول كلمته التى لاشك إن جاءت على خلاف مزاج النظام قد تدخله فى صراع كسر العظم.. هذا اذا أراد القضاة أن يحملوا شرف الرسالة.. وإلا فالإستقالات جُعلت جُنة من غضب الله.. وستر من مكاشفات التاريخ.
وبالنسبة للمهجر.. قد يشكل النشاط الذى أبدته منظمات حقوق الإنسان الليبية (7) حالة تستحق الشكر والثناء والتثمين.. ويمكن التعويل عليها فى لعب دور مميز فى مرحلة قادمة.. فى حال تفقدت منظماتنا الموقرة بيتها الداخلي بين الحين والأخر.. ليقترب أكثر فأكثر من المواصفات التى نرجو أن يستقر عليها وضع مؤسسات المجتمع المدني أو الأهلي.
عموما .. إنتهى العام الحقوقي دون المنتظر .. فبالرغم من بعض التحسن فى أحوال السجون .. وإلغاء المحاكم الإستثنائية .. وتحريك إيجابي لقضايا التعويضات .. وإشارات حيال الملف الامازيغي .. إلا أن العام إنتهى وسجناء الرأي يقبعون فى زنازينهم دون بارقة أمل .. وقوانين مخجلة مثل قانون الشرف .. وقانون حماية الثورة لازالت تسرح وتمرح .. إنتهى العام ولازالت فصول مسرحية التأجيل لقادة جماعة الاخوان المسلمين (د . سالم بوحنك / د. عبدالله عزالدين ) تتوالى .. إنتهى العام والهندس فتحي الجهمي معزول عن العالم الخارجي .. وقضايا الإختفاء القسري ( د. منصور الكيخيا / عزت المقريف / جاب الله مطر / موسى الصدر ) لم تشهد أي تقدم .. إنتهى العام ولا ضوء فى نهاية نفق التحقيق الذى قيل أنه يجرى حول حادثة سجن أبوسليم .. إنتهى العام ولم نسمع عن قوانين ترد الإعتبار للثقافة الأمازيغية وللمذهب الإباضي .. وإنتهى العام ونحن نتربع على قوائم الدول الأكثر إنتهاكاً لحقوق الإنسان .
أبرز الأحداث الإعلامية :
وهنا شكل التشويش على إذاعة "صوت الأمل" الحدث الإعلامي الأبرز على الساحة الليبية فى المهجر.. وشكلت الصراعات حول رابطة الكـّتاب الحدث الإعلامي الأبرز فى داخل الوطن .
بالنسبة للاذاعة فقد تعاطت إدارتها بشكل جيد وشفاف مع المشكلة .. بحيث وضعتها أمام الرأي العام الليبي .. وأمام الدوائر القانونية المعنية بشكل مباشر.. مما أوصل القضية الى أروقة مجلس العموم البريطاني .. والى ردهات وزارة الخارجية الأمريكية .. وصفحات الإعلام العربي .. وإذا ما نظرنا للحدث من زاوية النظام فسنجد أن تصرفه هذا ( التشويش بواسطة أعلى التقنيات على محطة إذاعية ) جاء كخاتمة لعام من التسريبات حول الإصلاح والدخول فى تحولات إيجابية .. فكانت نقطة سلبية فى سجله .. تضاف الى رصيد التشكيك فى مصداقية تصريحاته .. لكون الإعلام الحر القائم على شعار فتح المجال للرأي والرأي الآخر( وهو الشعار الذى رفعته إذاعة الأمل وأعفاها النظام من الدخول فى إمتحانه العسير) بات يُشكل أحد الأسس التى يمكن من خلالها معرفة منسوب الحرية فى هذا البلد أو ذاك .. ولازالت الحاجة الى وجود صوت إعلامي حر فى المهجر ملحة .. لكون التواجد الليبي فى الفضائيات العربية لا يكافئ حجم القضايا الليبية (8).. إذا ما إستثنينا قناة " المستقلة " التى تجتهد فى إعطاء المساحات المناسبة لكافة القضايا العربية ومنها الليبية .. ولعبت المواقع الليبية على شبكة الأنترنت ـ خلال العام ـ دور الوسيط بين الداخل والخارج بشكل كبير وبجهد تستحق عليه الثناء (9) .. وبمناسبة الحديث عن المهجر قد يشكل الإعلان عن فتح رابطة المثقفين والكتاب فى المهجر لأبوابها للجميع نقطة إيجابية بالنسبة للعام 2005م.
أما على مستوى الداخل .. فلازالت قضية التلاعب بقيمة مؤسسات المجتمع الأهلي من نقابات وروابط تشكل لعبة الجناح الثوري المفضلة .. فلازالوا يرغبون فى الإستفراد بكل ما من شأنه أن يُشكل نواة لوجهة نظر مخالفة لما هم عليه من تكلس مزمن.. ولو كانت فى مناشط لا تستهدف السلطة السياسية .. ومنها رابطة الأدباء والكتاب .. نقابة الصحفيين .. ودور النشر والطباعة ... الخ .
ربما تكون الإضافة التى لفتت الانتباه خلال العام المنصرم هي ظهور موقع إعلامي للحكومة الليبية ( اللجنة الشعبية العامة ـ د. شكري غانم ) .. وتربعه على قمة المواقع الأكثر شعبية ليبياً .
عموما إنتهى العام الإعلامي .. دون أن نعرف شيئا عن التحقيق الذى فـُتح فى مقتل الصحفي ضيف الغزال .. إنتهى العام والكاتب عبدالرزاق المنصوري يقبع فى سجنه .. إنتهى العام دون أن تتحصل " مجلة عراجين " على تأشيرة دخول للأراضي الليبية .. وإنتهى العام والأستاذ ادريس المسماري يكافح من أجل إفهام من يهمه الأمر أن كلمة " ثقافة ليبية " كلمة غير مفخخة .. وإنتهى العام ولايزال مبنى مجلس تنمية الإبداع الثقافي فى بنغازي أسيراً فى قبضة حوت الشعبية !.. إنتهى العام ومجلة "المشهد الثقافي " متوقفة عند الرقم واحد.. إنتهى العام والكاتب الأستاذ يوسف الشريف يلعن اليوم الذى اقترح فيه إقامة أمانة للثقافة .. إنتهى العام ولم يرى قانون الصحافة الحرة الذى وعد به السيد سيف الإسلام النور.. وإنتهى العام ورفاق وأصدقاء الكاتب د.عبدالرحيم صالح .. والكاتبة جنينة السوكني يستمطرون عليهم شآبيب الرحمة ..ولكثرة ما طال الساحة الإعلامية من نكبات قد يكون العام 2005 بمثابة عام الحزن لها.
أبرز الأحداث الثقافية :
من خلال متابعة الحِراك الثقافي داخل الوطن عبر ( ليبيا جيل .. ليبيا اليوم .. الملحق الثقافي للجماهيرية) يبدو المشهد داخل الوطن أكثر زخماً .. وعطاءً.. من حيث النوعية والكمية الثقافية .. فلازلنا نتابع جديد الشريف .. مازن .. المصراتي (10) .. العماري .. التليسي .. الفيتوري .. البوسيفي ..العوكلي .. الزبير السنوسي .. بوشناف .. السوسي .. الزوي .. وليلي النيهوم .. وأم العز الفارسي .. خديجة بسيكري ..النويصري .. الغزال .. قدربوه .. سعيدالعريبي .. اللواج .. الدرسي .. محمد المصراتي .. غيرهم من الاقلام المخضرمة والشابة .. ولازالت سيول محمد الأصفر تتدفق قصصاً ذات تراكيب لم تعهدها الساحة الليبية .. ولازالت كتابات مريم العجيلي ( ليبيا جيل ) تتوالى لترسم للقارئ خارطة سيكولوجية لقاع المجتمع .. كما تابع القراء ما دار من حوار ساخن بين المسماري والكبتي حول النيهوم واحمد رفيق .. والحوار المتواصل حول النقد الأدبي بين جابر العبيدى والعمامي وعبدالرسول العريبي.. كما يستمر خالد المهير فى أداء دوره البارز من خلال مراسلاته ومقابلاته لفائدة موقع ليبيا اليوم .. أما على مستوى الإنتاج الثقافي فقد سمعنا الكثير حول جديد ما يصدر داخل الوطن من كتب .. ولكن للأسف لازال كـُتابه غير مهتمين ـ فيما يبدو ـ بإرسال إنتاجهم الى المهجر .. وربما نال كتاب الدكتور المفتي الأخير " السعداوي والمؤتمر بين التمجيد والنسيان " الحظ الأوفر من الأضواء .. لنشره فى المواقع الالكترونية.. ولتعقيب الاستاذ سالم الكبتي عليه .. ولعل فكرة إقامة مركز توزيع المطبوعات الليبية فى لندن .. على سبيل المثال .. فكرة غير سيئة بالنظر الى مردوها الثقافي والمادي على الناشر والمؤلف .
اما فى المهجر.. فيبدو أن الأمور تراجعت قليلا .. فلم تشهد ساحة المهجر الثقافية هذا العام ـ على الاقل فى أميركا وأوربا ـ اي إحتفالية ثقافية .. وإلتهمت السياسة الطاقات المبعثرة هنا وهناك .. غير أن ساحة المهجر شهدت ولادة بعض الكتب الهامة .. منها كتابين للأستاذ محمود الناكوع . الأول حول الدكتور عمرو النامي " سيرته ومواقفه وأعماله الفكرية والأدبية " .. والثاني عن " الحب والجمال فى الإسلام " ..و أربع كتب للدكتور فرج نجم هي " القبيلة والاسلام والدولة " .. " حوارات تاريخية " أبطال وملاحم " تراجم ومقالات ليبية " .. وشهد العام نشاطاُ جيداً لمؤسسة " تاولت الثقافية " أضافت خلاله للمكتبة الليبية عدة كتب منها " دراسة فى اللهجة الأمازيغية لواحة غدامس " .. وكتاب للدكتور مسعود مزهودي عن " جبل نفوسة ".. وشهد العام رفع الستار عن فيلم كرتوني من إبداعات الأستاذ محمد مادي.. وتنتظر الساحة ولادة الجزء الرابع من سلسلة الدكتور محمد المقريف حول تاريخ ليبيا .. ورصد العام نشاطات تلفزيونية ثقافية للأساتذة : محمد مخلوف..عمر جهان.. عمر الرميص.. وإستمرار مؤسسة " تبرا " فى نشاطها المتخصص المعتاد .. كما حمل العام خبر صدور مجلة المنتدى الليبي ( الصادرة عن منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية ) .. ولم يخلو المشهد من بعض القصص و القصائد والمقالات الأدبية الجيدة التى ظهرت على المواقع الليبية ـ على شكل جُزر متفرقة ـ لكـّتاب فى المهجر.. عموما إنتهى العام والمشهد الثقافي فى المهجر يتراجع لحساب المشهد السياسي .. وبرز خلاله شيء من الزهد فى خلق فضاءات ثقافية مستقلة يمكن للالاف من قاطني المهجر ممارسة هواياتهم .. وإظهار مواهبهم .. وأيضا إعلان موقفهم حيال ما يحدث فى بلدهم من خلال منابرها التى تنجسم ومواقفهم المستقلة .
على أي حال .. إنتهى عام 2005م بالقليل من المتوقع إنجازه .. وبتراكم القديم على ما سيصبح هو الأخر قديم .. إنتهى العام الذى لابد أن نعترف بأنه كان قاسياً.. وغير متسامحاً .. وحمل الكثير من الألم والدموع للشعب الليبي .. الذى بات ينظر للغد من ثقب يزداد ضيقا .. ولكن يبقى الأمل والرغبة فى البقاء .. من أهم عناصر التفاؤل حيال عام 2006م .. وهو العام الذى أطلق عليه صديقنا الأستاذ محمد بويصير عام العبور .. فهل سنشهد خلاله عبوراً الى المستقبل .. أم عبوراً الى المجهول ؟!!! .
والسلام
عـيسى عـبدالقيوم