Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Monday, 4 September, 2006

اللي تربطها بأغـسطس حلها بسبتمبر!

عـيسى عـبدالقيوم

لو أردنا أن نحلل خطاب العقيد القذافي بمناسبة الذكرى الـ(37) للإنقلاب العسكري الذى قاده فى الأول من سبتمبر من عام 1969م رفقة ما عرف حينها بتنظيم الضباط الأحرار .. وأنهى به فترة الحكم الملكي لليبيا التى امتدت لقرابة الـ (18) عاماً .. أقول لو أردنا تحليله قياساً على خطبه السابقة .. فسوف نلمح وجود تغييراً طفيفاً .. إبتداءً من نظرته للنظام الملكي .. الذى وصفه فى هذا الخطاب بأنه لم يكن المستهدف من الإنقلاب العسكري.. وصولاً لإعترافه بضرورة محاسبة البيت الداخلي للثورة .. أما إذا أردنا أن نحلل خطابه قياساً على خطاب نجله سيف الإسلام .. فأول ما سيلوح فى الأفق هو المسافة الكبيرة بينهما .. وتحديدا المسافة الإيديولوجية(1).

فى تصوري .. شكلت ـ وستشكل ـ خطب سيف الإسلام النظرة الإستراتيجية للنظام .. فيما ستشكل خطب العقيد القذافي النظرة التكتيكية لضمان سلامة التحول الى الخط الإستراتيجي .. فلو نظرنا على سبيل المثال للفرق بين خطاب السيد سيف الإسلام فى أغسطس 2005م .. والخطاب الرسمي لسبتمبر من نفس العام .. سنجد أن خطاب أغسطس 2005 قد بشّر بمشروع سياسي لا يختلف حوله عاقلان .. ثم جاء خطاب سبتمبر 2005 ( على لسان احمد ابراهيم ) فشطب معظم ما قيل فى أغسطس .. ربما لأن تلك المرحلة كانت تقتضي ذلك .. أما فى نسخة هذا العام 2006 .. فنجد خطاب سبتمبر جاء ليتبنى خطاب أغسطس دون أي شطب أو استدراك .. وأيضا على لسان أحمد ابراهيم فى مداخلته الموجزة.

فالقذافي الأب .. يعلم أن نظامه بالصورة التى حكم بها طيلة الـ (37) عاماً .. لم يعد صالحاً للإستهلاك على الصعيدين المحلي والدولي .. فى ذات الوقت يدرك تماماً أن ما يردده نجله أمسى يجسّد خطاب المستقبل بالنسبة لتطلعات الليبيين .. وخطاب الشراكة بالنسبة للمنظومة الغربية المعّول كثيرا على الإلتحاق بها للإفلات من الهزات السياسية .. ففي تقديري سيستمر العقيد القذافي فى تقديم أوراق نظامه السابق الواحدة تلو الاخرى كوقود لمشروع سيف الإسلام ..( ولو ضد رغبة الجناج الثوري ) .. وأستطيع أن أقرأ خطاب " البيضاء " فى هذا السياق .. بل حتى الشدة التى أبداها القذافي تجاه معارضيه تنتهي فى محصلتها لمعاضدة خطاب أغسطس ومشروع سيف الإسلام " الطري " .. فإستخدام عبارات مثل " السحق " لكل من يفكر فى تغيير النظام الجماهيري .. ملحقة بتوصية بضرورة تبني ما تمخض عن خطاب سيف الإسلام أو ما اصطلح على تسميته بـ " مؤتمر الشباب " الذى نادى بالتحول الى الدولة(2) .. يدل على أن الخط الإستراتيجي ( تغيير المنظومة السياسية ) واضح وحاضر فى ذهن العقيد .. وما نشاهده هو إستخدام تكتيكي لأوراق المجد الثوري الآفل .

وأيضا يمكن قراءة تخصيص هذا الإجتماع لحركة اللجان الثورية .. وشركاء العقيد فى الإنقلاب العسكري .. على أنه عملية توازن شديدة الدقة والحساسية لهذه المرحلة .. فمن خلال تتبع تصريحات المعارضة فى الخارج.. وتصريحات الكثير من مثقفي الداخل.. وتصريحات سيف الإسلام وفريق عمله .. نستطيع أن نلاحظ أن الجميع يدفع فى إتجاه تقديم حركة اللجان الثورية ككبش فداء للمرحلة كلها .. مما بات يثير الحركة ذات النفوذ الكبير .. وربما يضطرها ـ من باب الدفاع عن رأسها ـ أن تقوم بحركة غير محسوبة .. فتؤدي الى خلط الأوراق .. خلطاً لا تحمد عواقبه .. فمن هنا جاءت الإشارة بوضوح الى تبني القيادة لما وصف " بتصرفات مرحلة الصراع الثوري " .. وجاءت طمأنتها عبر إدماجها فى الخط الإستراتيجي (مشروع سيف الإسلام ).. وجاء هذا على لسان رجلها الأول ( احمد ابراهيم ) الذى إستأذن العقيد فى أن " تقوم الحركة بتنفيذ مشروع ندوة الشباب " .. فهنا تتكشف ممارسة فكرة حرق أوراق الثورة ( أوراق العصا والجزرة معاً ) لصالح الخط الإستراتيجي الذى حتماً سينتهى الى الدولة .. التى يحتاج الحديث عن شكلها ـ المرجح أن تولد به ـ الى بحث مستقل .

هكذا فى تقديري .. يشتغل النظام الليبي على محاولة التحول الآمن والمحسوب .. فما يقال فى خطب الخط الإستراتيجي صحيح ومستهدف من أجل الإستمرار فى سدة الحكم عبر الإنتقال السلس للسلطة من الأب الى الإبن .. بضمان إنحياز عدة كتل للمشروع الجديد يأتي على رأسها كتلة الشباب .. والنخب المثقفة فى الداخل .. والتكنوقراط .. ثم بعض أطراف المعارضة الخارجية .. وأجنحة من التركيبة القبلية ( ما أصطلح على تسميته بمثقفي القذاذفة ) .. طبعا بعد ضمان ولاء الجيش والأجهزة الأمنية .

وفى المقابل .. فما يقوم به العقيد القذافي من أمور قد تشير الى نوع من التراجع عما يبشر به الإبن .. هو أيضا صحيح .. لكنه تحرك تكتيكي ( قصير الأمد ) هدفه خدمة الخط الإستراتيجي على المدى البعيد .. ذلك الخط الذى بات التراجع عنه شبه مستحيل .. فإذا كان الخط التكتيكي بيد العقيد القذافي شخصياً يرفعه متى شاء ويخفضه متى شاء .. فإن الخط الإستراتيجي أصبح يحتوى على شركاء من الوزن الثقيل ( الأمريكان والإنجليز والطليان) .. فمن الصعب التلاعب به بذات الصورة التى نراها فى الخط التكتيكي .. فالخط الإستراتيجي الذى يمثله سيف الإسلام بات تكبله إتفاقيات ثقيلة .. اقتصادية .. وثقافية .. بل وعسكرية على غرار ما وقـّع علنا بين ليبيا وبريطانيا .. وما قيل عن قوة التدخل جنوب المتوسط الايطالية .. وما تتداوله الكواليس حول المشروع الأمني الأمريكي فى ليبيا .. فمن هنا يأتي الترجيح بأن الخط الاستراتيجي حقيقة فرضتها إستحقاقات زمن المغامرات الثورية .. وتبقى قصة الجداول الزمنية للتنفذه مرهونة بالنفس الغربي .. طالما غابت المبادرات الداخلية .

هذا فى تقديري ما يقوم به النظام الليبي فى هذه المرحلة المفصلية .. أما أهم ثغرات هذه المسيرة :

فعلى المستوى الإستراتيجي .. سيشكل غياب أي تمثيل للشعب ( فى صورة مؤسسات مجتمع مدني على أقل تقدير ) عقبة مرشحة للتطور فى كل الإتجاهات .. فالمشروع يبدو من ملامحه العامة أنه قائم على فكرة .. الزعيم الأوحد المخلّص .. وهي فكرة لا تنسجم مع روح العصر .. وإن كنت أميل الى أن الفارق فى الوعي السياسي بين شعبنا وشعوب المنطقة قد يرجح فرضية قبولها عندنا لسنوات إضافية .. وربما سيشكل غياب المعارضة السياسية القوية .. والعزوف عن الدخول فى معارك تكتيكية مرحلية .. عنصراً من عناصر قبول المشروع مرحلياً .. فعندما يصبح ما يطرحه سيف الإسلام يمثل حاجة المواطن اليومية .. فسيتحول ما يطرحه غيره الى كماليات بالنسبة لشعب يعاني من قائمة نواقص طويله .. ولكن عودة الوعي التدريجي .. وفلسفة تداخل الأجيال .. وبروز ملامح أجندة وطنية داخل الوطن .. ستعمل ـ وإن بوتيرة بطيئة ـ على تحويل ثغرة التفرد بالقرار الى نواة مشروع طني حقيقي .

أما على المستوى التكيتكي .. فالمبالغة التى نلمسها فى حماية الخط الإستراتيجي عن طريق فرقعات وتصريحات مبالغ فيها .. قد تعمل على زيادة نسبة الإحباط .. والتخوف من التعاطي مع أي تغييرات ولو كانت جادة .. وكذلك ربما يفهم التناقض الذى يراد منه حماية المشروع على أنه إلتفاف عليه .. مما يؤدي الى مزيد من فقد الثقة المفقودة أصلا .. وهذا ما سيجعل أي مشروع جديد مرشح لأن يولد على مواصفات المشروع السابق .. كفقدان المشروعية .. التفرد بالقرار .. وغياب الأليات الواضحة ..وربما سيضاف للمشروع الجديد صفة " الطبقية " .. وسيجد الجيل القادم نفسه ـ من جديد ـ أمام قضية البحث عن الدولة التى يشاهد نماذجها تتطور وتتفاعل من حوله .

عموما.. من المرجح أن النظام سيستمر ـ على المدى المنظور ـ فى سريب اللي تربطها بأغسطس حلها بسبتمبر(3) .. الى أن يكمل مشروعه خلال السنوات القليلة القادمة .. أو يقرر الناس فى الداخل والخارج أمراً يعجّل ـ على الاقل ـ بتغيير قواعد اللعبة .. وأختم بتكرار عبارتي المكررة .. أنا كمواطن ليبي مع الإصلاح من حيث كونه شعاراً لا يرفضه عاقل(4) .. ولكنني لا أبصم إلا على مشروع كامل .. وما نشاهده مشروعاً ناقصاً .. والمراهنة على امكانية حدوث شيء فى المستقبل ستبقى مغامرة .. فقد راهن الناس منذ البدايات على تحول خطاب سبتمبر الى دولة نموذجية .. وها نحن ندخل العقد الرابع .. والحلم لا يزال حلماً .. فلا أقل من أن نطالب بمشروع كامل على الورق .. وبأليات عصرية لتطبيقه .. وبمؤسسات تجعل من فكرة " الشراكة فى الوطن " حقيقة .. ثم يأتي الحديث عن التفاصيل .. وما يُعجّل منها وما يؤجل .. بل وحتى عن نسب الخطأ التى يمكن تحملها .. أو غض الطرف عنها.

والسلام.

عـيسى عـبدالقيوم
________________________

(1) أحب أن ابدي أستيائي من الإعتماد المفرط على تحليلات الاعلام العربي لما يدور فى ليبيا .. فللاسف .. فقد عودنا الاعلام العربي على إهمال القضية الليبية .. وانا أزعم من خلال تجاربي البسيطة أن الاعلاميين العرب يهملون القضية الليبية ولا يتابعون تفاصيلها .. وما يدور فى كواليسها.. ولهذا فهم يقومون بتحليل ما يسمعونه بشكل آني .. ويصدّرونه لنا على إعتبار أننا من الشعوب المستهلكة لكل شيء .. بما فيها تحليلات ما يجري داخل وطننا .. لقد دعوت وأدعو الى ضرورة خلق الحالة الليبية .. وشخصياً اهتم بما قاله المسماري .. واللواج .. والمشاي .. والكدي .. والبوري .. والبسيكري .. لأنه يمثل بالنسبة لي بوادر بعث الحالة الليبية.. فأرجو أن تلتفت منابرنا الاعلامية الى هذا الجانب أثناء تغطيتها للأحداث الليبية.
(2) قرأت اليوم مقالة الدكتور المهدي أنبيرش " الثورة والدولة " والتى يقرر فيها أن التحول من الثورة الى الدولة خطيئة .. وأجدني لا أتفق مع ما جاء فى مقالته بصورة كبيرة .. وربما تستحق المقالة التعليق لكونها تمثل وجهة نظر الجناح الثوري .. فهي مناسبة للحديث عن الأرضيات التى ينطلق منها كل فريق .. والفلسفة التى يبني عليها قبوله أو رفضه للاخر .المقالة على موقع " أخبار ليبيا " تجدها تحت هذا الرابط :
http://www.akhbar-libya.com/index.php?option=com_content&task=view&id=729&Itemid=1
(3) عنوان المقالة مستوحى من المثل الليبي الذى يقول " اللي تربطها بيديك حلها بسنونك " .. فإذا كانت اليدان هي خطاب اغسطس .. فلابد بالضرورة أن يمثل خطاب سبتمبر الاسنان!!.
(4) ما اعرفه عن التحول الى النضال السلمي أنه فكرة وفلسفة كاملة .. وقصة أن الإنسان ينقلب على ما يختاره لمجرد أن خصمه لم يمنحه ما يريد .. حركة ساذجة وسطحية .. فالنضال السلمي طريق يفترض أن أختياره تم عن قناعة ودراسة .. والمطلوب منه تحقيق أجندة وطنية معينة .. بطرق سلمية سياسية .. ليس من بينها يقينا أن تشترط أن يمنحك خصمك ما تريد فقط لأنك قررت التحول الى النضال السلمي .. وربما يشكل الاصرار على المسيرة السلمية .. فى ظل تنكب الخصم وتراجعه عن خطابه السلمي .. أحد النجاحات الاستراتيجية .. فالناس تكتشف الخطأ والصواب من خلال المقارنات .. فكما يقال بأضدادها تتمايز الاشياء .. فالتشنج .. والتراجع عما قيل أنه خيار الاجماع الوطني فى التحول الى النضال السلمي .. يجعل الفرق بين وجهي العملة يكاد ينتفي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home