Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Sunday, 4 June, 2006

 

تـليـيـب المشكلة.. والحل
( 1 من 2 )

عـيسى عـبدالقيوم

" إن المفاهيم لا تولد في النظرية فقط وعبر التفكير، أي لا يستل واحدها من الآخر بصورة منطقية ورياضية، ولكن ظهورها وتطورها يرتبطان بالصراع الإجتماعي." برهان غليون.

أظن أنه قد آن الآوان للحديث عن ضرورة تلييّب ما نعتقد أنه مشكلة .. وتليّيب ما نرغب فى طرحه كحل لها .. وفى تصوري ربما تشكل فكرة وجود طرح سياسي ليبي ليس له اي إمتدادات خارج الحدود .. والتركيز على قراءة الأزمة على أنها ليبية المنشأ .. ولن يسعفها إلا حلاً ليبي المنشأ .. أقول ربما تشكل هكذا مقدمة جزءً من الحل .. ولهذا سنحتاج الى تقدمة بسيطة للحديث عن إمكانية تقبل الخصوصية المحلية فى الفكر السياسي .

ولتقريب الفكرة سأجتهد فى إستخدام أسلوب المقارنة بين الجديد .. وبين ما إعتدنا عليه وأصبح عندنا فى حكم المسلمات .. أي بين الفكر السياسي والفقه .. فالمتأمل فى خصائص الفكر السياسي والفقه سيجد ثمة علاقة قوية بينهما .. وتبرز ملامح العلاقة فى بعض السمات المشتركة ..منها إنتسابهما الى فصيلة المتحولات(1) التى تتأثر بالبيئة والمحيط .. فعندما نتذكر القاعدة الأصولية التى تؤكد على أن الأمور الفقهية قابلة للتبدل بتغير الزمان والمكان والحال والإنسان.. بل و [..العوائد والأحوال..](2).. نجد أن هذه الخصائص المؤثرة فى حركة الفقه الإسلامي يمكن أن تنطبق بدقة على الفكر السياسي .. لكون ظرورة التناغم مع إحتياجات وإفرازات المكان والزمان والإنسان من أخص خصائصه .

وإذا كان من خصائص الفقه أنه [..علم مستنبط بالرأي والإجتهاد، ويُحتاج فيه إلى النظر والتأمل..](3) .. فلا يمكن عند حصر خصائص الفكر السياسي إلا أن تكون هذه إحداها .. واذا كان الفكر السياسي صنعة بشرية يتسّيد فيها العقل للبحث فى إستخراج قواعد ونظريات من كليات الصراع الإجتماعي .. فإن الفقه كذلك عمل بشري يُعمِل فيه الفقيه عقله من أجل إستنباط الأحكام الجزئية .. من القواعد الكلية (4) .

وكذلك لاخلاف فى أن المدونات الفقهية لم تأتي على شكل أسفار هابطة مكتملة من السماء .. أو مكتوبة فى فترة زمنية واحدة.. إنما جاءت لتراكمية حركة المجتمع .. فمجموع الفقه هو خلاصة تساؤلات.. وصراعات.. وخصومات..بُحث لها عن حلول فى نصوص الشريعة .. ولما كثرت المسائل تم جمعها ومن ثم المقايسة عليها.. وكذلك الفكر السياسي لم ـ ولن ـ يكون كتاباً على نمط كتب الطبخ (مقادير وطرق طهي ثابتة) إنما جاء كنتيجة للبحث فى إمكانية تحقيق أعلى المصلحتين .. أو تفويت أشد المفسدتين .. بالنظر الى حركة وحاجة المجتمع .. وبالقياس الى المعطيات التى يفرزها تدافعه الإجتماعي والثقافي والديني .. الخ.

هذه المقدمة تقودنا الى السؤال التالي : لماذا لا يأخذ الفكر السياسي حكم الفقه .. فى كونه متغيراً بتغير الزمان والمكان والحال والإنسان .. إنطلاقاً من كونه ناتجاً عن حركة تدافع مجتمع ما؟!.. وبالتالي تـُسحب عليه قاعدة أن ما يصلح لزمان ليس بالضرورة أن يصلح لأخر .. وأن ما ينتجه مجتمع هنا.. ليس بالضرورة أن يكون صالحاً للتعاطي مع مجتمع هناك .. تمشياً مع قبولنا ـ مثلا ـ لعدم ملائمة إجتهادات وإختيارات الشافعي الفقهية عندما كان بالشام على الواقع المصري عند إنتقاله اليه.. فأصبح من المستصاغ أن نقرأ جملة : " يقول الشافعي فى القديم ".." ويقول الشافعي فى الجديد " .. دون أن نعتبر الإمام الشافعي شخصاً متناقضاً أو متذبذباً فى تفكيره .

وهنا نصل الى مربط الفرس ـ كما يقال ـ وهو كون الفكر السياسي المنتج فى مصر مثلا.. يمثل نتاج حركة المجتمع المصري بسلبياته وإجابياته .. بأعرافه وثقافاته .. وبالتالي لا يصلح إلا لمعاجلة متطلبات الحالة المصرية .. قياساً على تفهّم الإمام الشافعي أن فقهه المنتج وفق حركة المجتمع الشامي .. لن يصلح للتعاطي مع المجتمع المصري .. فلم يـُلبس فقهه ثوب الثوابت والمبادئ ويفرضه تحت حجة عالمية الإسلام .. بل بكل يسر تحول الى أقوال جديدة أكثر مناسبة للمجتمع الذى انتقل اليه .. فهل من الممكن قبول مبدأ القديم والجديد فى الفكر السياسي .. الموصوف هو الأخر بالتحول ؟!.. وهل يمكننا رفض فكر سياسي معين لكونه ناتج عن زمان .. ومكان .. وإنسان .. وحال .. مختلف عما نستهدفه بالوصف أو التحريك ؟! .

ولا أدري كيف تقبل بعض العقليات فلسفة التحول من قول الى أخر.. ومن مدرسة الى أخرى .. تحت ذريعة تغير الزمان والمكان والإنسان فى أمور الفقه المفترض أنها الأكثر صرامة لعلاقتها بالخطاب الديني .. ولا تقبل حتى مجرد التأمل فى إمكانية ذلك عندما يتعلق الأمر بالفكر السياسي الذى يـُفترض أنه الأكثر مرونة .

فعند النظر الى مساحة الفقه سنجد أن القبول بمبدأ التعدد والتوسع فيه قد طال عدة مستويات منها على سبيل المثال قبول فكرة وجود مذاهب وأراء تنسب الى المكان.. فقيل مذهب البصريين .. و مذهب أهل المدينة.. وقبول مذاهب تنسب الى الزمان فقيل مذهب المتقدمين.. ومذهب المتأخرين .. وقبول مذاهب تنسب الى الأشخاص فقيل هذا رأي ابن عباس .. وذاك رأي مالك .. وقبول مذاهب تنسب الى المدارس فقيل مدرسة أهل الحديث .. ومدرسة أهل الرأي .. الخ .

وكأنه لا معيار ثابت لوصف الفقه كحالة .. فلماذا أقفل الباب فى وجه الفكر ـ وخاصة السياسي منه ـ وأصبح الإلزام فيه بمدرسة أو أطروحة بعينها .. لا يأتي من خلفية منطلق التجريب .. بل من إلزامية الإتبّاع .. ولا ينظر فيه للخصوصية التى أعطيت لحركة الفقه .. فأصبح الفكر يأتي معلباً فى كتب منتجة فى بيئة وظرف ومعطيات مغايرة.. ليُصرف لأمة تختلف تماما فى تركيبتها وظروفها عما يوجد فى مكان نشأة الفكر .. ومن هذه الزاوية يظهر الخطأ فى توريد الفكر الإسلامي السعودي مثلا لبيئة مثل البيئة الليبية .. وهذا الخطأ لا يعيب ذات الفكر .. بل يعيب من إستورده لمعالجة ما يمكن وصفه بالمتغير مكاناً وزماناً وإنساناً وحالاً (أي الفكر.. قياسا على الفقه) .. فلا يمكن بحال أن يكون الإنسان الليبي نسخة عن الإنسان السعودي .. أو المصري .. أو الأفغاني .

وما يقال عن الفكر الإسلامي يقال عن غيره .. فعملية إستنساخ الفكر الليبرالي مثلا عن النسخة الغربية الناتجة عن تاريخ طويل من الصراعات بين ثالوث الكنيسة والقصر والإقطاع .. وعن ثقافة وبيئة مغايرة .. هو أيضا أمر غير مقبول وقد يشكل جزءً من المشكلة بدلا من أن يكون جزءً من الحل .. وقد يفسر ـ فى أحد مستويات التفسير ـ على أنه نوع من العجز (سواء الذهني أو كضريبة للإنفصال عن المجتمع) فى فهم الواقع ومن ثم معالجته .

فتلييب ( = الليبية ) الفكر سواء الإسلامي .. أو الليبرالي .. أو التصور السياسي عموما ليس خطأ ولا خطيئة .. بل هو بمثابة إعادة الأمور الى نصابها الطبيعي .. نعم لقد إستلمت حركة الفكر السياسي (الإسلامية واليسارية والليبرالية) أفكاراً وأراءً وإجتهادات معلبة.. وآن الآوان للتخفف منها لصالح ما تنتجه حركة المجتمع الليبي .. من أجل خلق حالة ليبية تتناسب وعمر العمل السياسي فيه .. فالتليّيب بكل وضوح يعني دراسة أمكانية التعامل مع الشأن الليبي بمنطق محلي خاضع لمتطلبات التاريخ والجغرافيا .. وهنا قد يرد إستشكالاً حول التعاطي مع الجغرافيا بالوصف الذى وضعته إتفاقية "سايكو سبيكو".. ولعل الرد القريب يكمن فى أن تقسيم العالم الى الوضع الذى عليه الأن أصبح أمراً واقعاً لا مناص من التعامل معه.. وأي محاولة للإستدراك لن تؤدي إلا لربط المعسور بالميسور .. ففى هذا الزمن ووفق معطياته .. يعتبر التعاطي مع الواقع هو الميسور.. والعيش على الأحلام ـ أو ربما حتى الأوهام ـ هو المعسور.. فمن أراد أن يخلق لحِراكه نقطة بداية حقيقية فعليه بالميسور.

وبكل تأكيد لن نكون بدعاً من القول عندما نبحث عن خصوصيتنا وذاتيتنا .. فى توصيف .. ومن ثم تحريك أزماتنا وفق ما تفرضه علينا ليبيتنا (كما سيأتي) .. وجعل مصلحة الوطن بالمفهوم الجغرافي (ليبيا) هي البوصلة التى تحدد زوايا حركتنا.

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________________________________

(1) عندما أتحدث عن مصطلح الفقه فانا اعني تحديدا ما يتعلق بيان أعمال الناس وتنظيم علاقاتهم [.. بعضهم ببعض كأحكام البيوع والإجارة والزواج والطلاق وغيرها. وكذلك الأحكام المنظمة لعلاقات الأفراد والدول في حال السلم والحرب وغير ذلك وقد انفرد بهذا النوع من أحكام الشريعة علم خاص يسمى علم الفقه وبهذا يتبين لنا أن العلاقة بين الشريعة والفقه هي علاقة عموم وخصوص حيث أن الشريعة أعم وأشمل من الفقه..] الفقرة منقولة عن موقع اسلام ان لاين.. والمقارنة بين الفقه والفكر السياسي فى جانب الخصائص لا غير .
(2) "فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال".. ابن القيم فى اعلام الموقعين ص 717.. على ترتيب موقع الوارق .
(3) الفقه (وهو علم مستنبط بالرأي والاجتهاد، ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل).. التعريفات للجرجاني ص 54.. على ترتيب موقع الوراق.
(4) الفقه هو: (عمل.. عمل العقل الإسلامي في استنباط الأحكام، فهذا العمل هو عمل بشري، الفقه عمل بشري، الفقه يفقه، فقه وفقيه، ففيه الفقه فقيه هو إنسان عالم يعني يُعمل عقله في استنباط الأحكام وفق أصول شرعية وضوابط مرعية) ..
د. القرضاوي. عن برنامج الشريعة والحياة


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home