Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Saturday, 3 November, 2007

حديث الألوان

عـيسى عـبدالقيوم

أعتقد بأن فكرة قصر الحكم على الأشياء فى منطق الثنائيات فقط .. مرحلة مرت بها البشرية وتجاوزتها الى غيرها .. فقد بات العالم يعرف حزمة من الألوان غير الأبيض والأسود .. بل وبات يعلم يقيناً ـ على سبيل المثال ـ بأن الذرة ليست أصغر شيء فى الكوكب .. ولا أن السماء التى نشاهدها هي السقف الأخير للكون .. ولا الحديد أصلب المعادن .. وغيرها مما يصلح كمعايير لوصف الأشياء لوناً ووزناً وسعة وقوة ..الخ .

أما فى دنيا الأفكار والنظريات فقد ذهبوا الى أبعد من ذلك وفتتوا كل شيء تقريباً .. ولم يعد يروق لهم الحديث عن ثنائيات القرون الماضية .. تماماً كما لم يعد يروق لهم إستخدام الثور فى جر العربة .. بعد أن أصبح التعرف عدد ألوان الطيف يتم فى المرحلة الإبتدائية .. فتقدمت عندهم قوة المنطق على منطق القوة .. والخطاب النسبي على حساب القطعيات .. فنمت وترعرعت التعددية الفكرية والثقافية .. وإزدهرت الحياة السياسية .. وسمى تعاطيهم الإنساني مع بعضهم البعض .

ونسجاً على هذا المنوال .. وجدتني أنجذب لفكرة الدعوة الى تجاوز المعايير البدائية التى سربت لنا ذات يوم .. وللأسف لازالت تعطى للأجيال بذات المفهوم البائد .. كثنائيات أبيض وأسود .. خير وشر .. إيمان وكفر .. ووطنية وخيانة .. دون الغوص فى أعماق فلسفتها للوصول والتعرف على المساحات الشاسعة الممتدة بين الكلمتين.

فمثلاً .. على صعيد العمل السياسي الليبي .. الذى تداخلت أوراقه .. ولازالت تتداخل سنة بعد سنة .. لا يمكن أن ينهض منطق الثنائيات القاصر للقيام بالواجب المعرفي حياله .. فقد بات فى المهجر قيماً كثيرة .. وشخصيات وطنية نزيهة ومؤهلة .. وظهرت فى الداخل عناوين وأفكار وشخصيات لفتت الأنظار إليها .. فكيف يمكن التعاطي مع الحالة وفق منظور الأبيض والأسود ؟؟ .. فإذا أردت أن تكون منصفاً وموضوعياً فلا مناص من أن يكون للخندقين نصيباً من موافقتك و مخالفتك .. ولا مناص من أن يكون للخندقين حضوراً فى خانتي " نعم " و" لا " على أجندتك .. ولا مفر من أن تستجيب لما ينفع الناس على ضفتي المعادلة .. وهنا لن يسعفك منطق الثنائيات الذى لا يسمح بغير رؤية الأبيض والأسود .. والذى يجعل من فلسفة " من ليس معي فهو ضدي " أحد أهم مسلماته .

فمن حق أي إنسان أن تكون له أرضية ينطلق منها .. ومرجعية يعود اليها .. فليس عن هذا نتحدث .. إنما نتحدث عن رؤية مواقف الأخرين .. وعبر أي منظور ينبغي أن نقيّمها ؟ .. فمتى أقر المرء بأن عدد الألوان يفوق الأثنين فلاشك أن ذلك سيسمح له بأن يرى فى الموقف الواحد أكثر من مشهد .. ليس بالضرورة أن يوافق عليها جميعاً .. ولكن المرجو أن يتفهمها على نحو ما .. مما يجعله أكثر نضجاً فى الحكم على الأخرين .. وأكثر قبولاً لمبدأ الشراكة الفكرية .. وحتماً ستأتي ردود فعله هادئة رزينة .. بعيدة عن التكلف فى إستنبات معاذير النقد .

فكما لك الحق فى الكلام فمن المنطقي أن تفترض أن للآخرين الحق .. وكما لك الحق فى التحليل فمن المنطقي أن تفترض أن للآخرين الحق .. وكما لك الحق فى الإختيار فمن المنطقي أن تفترض أن للآخرين الحق .. وكما لك الحق فى الرفض فمن المنطقي أن تفترض أن للآخرين الحق .. وهكذا الى أخر القائمة .. وعندما تنهك من حصر ما لك وما يفترض أن يكون لغيرك .. سأقف وأياك على سؤال : كيف سيستقيم أن تعطي نفسك كل هذه الحقوق .. ثم تفترض نظرياً بأن من حق غيرك ممارستها .. وأنت تصر ـ فى ذات الوقت ـ على أن ألوان الكون أثنان فقط .. أسود وأبيض .. وما عدا ذلك فهو " رمادي " ؟؟ .

اليس هذا تناقضاً صريحاً .. وخللاً معرفياً فى مستوى حساس يفترض فيه أن ينهض بقضية فهم الأخر .. وتفسير ما يصدر عنه .. لضمان حقوق المجموعة ؟؟.

ولعل أحد أسباب إستمرار العمل بنظرية " الأبيض والأسود " القاصرة .. هو المفاهيم المروّج لها فى محيطها .. فمفهوم كلمة المعارضة فى المهجر مثلاً .. لا زال لا يعني غير معنى واحداً .. أسس منذ زمن طويل ولم يطاله أي تغيير أو تجديد رغم تغير المواقف الدولية .. وتبدل المعطيات الداخلية والإقليمية .. وتقدم فلسفة تداخل الأجيال .. فعندما رسّخ ذلك المفهوم ـ الأقرب الى منطق الثأر منه الى المنطق السياسي ـ أنتج صورة ذهنية لدى الأتباع والمحبين والمتعاطفين .. فأصبح كل موقف لا يتطابق مع الصورة المروج لها .. يسبب نوعاً من الإرباك للمتلقي .. مما يجعله يهرع الى منطق الأبيض والأسود لمعرفة حكم ومكانة ذاك الموقف .. وعندما يفتقده فى مساحتي { مع أو ضد } ينعته بالرمادي كي يرتاح ولا تهتز الصورة الذهنية لديه عن مفهوم مصطلح المعارضة .

وكذلك داخل الوطن .. فقد رسخ الفكر الثوري صورة ذات بُعد واحد لمعنى الولاء للوطن .. صورة مستوحاة من فلسفة " الفرد المُخلِـّص " .. فبات كل رأي أو موقف لا يتطابق معها ينعت بالخيانة والرجعية .. وحتى بعد أن تبدلت المواقف لازال الإرباك ظاهراً على تصرفات من تربى على تلك المفاهيم .. فلازلنا نلمح التململ من وجود شيء يظنه الثوريون مناقضاً لمعنى الولاء للوطن ـ وفق الصورة النمطية التى رسمت فى أذهانهم ـ لذا فهم أيضا يهرعون الى فكرة الأبيض والأسود طلباً للسلامة .. وهروباً من وخز الضمير .. فيعلنون براءتهم من كل ما يعتقدون أنه مخالف لما فهموه من منطق ثنائية { الوطنية والخيانة } .

أما الفكر الاسلامي فيستحق أن نفرد له حلقة خاصة عن معايير تقييمه وحكمه على الأشياء .. فى ظل إصراره على أنه متميز فى كافة الساحات .. بما فيها السياسية .. التى أزعم أنها تقع بالكامل تقريباً فى مساحة الإجتهاد .. فأنتج عدة علاقات أسبغ عليها لاحقاً طابع القداسة .. وسوقها بمهارة حتى أنتجت صورة ذهنية .. أسهمت فى جعل الأتباع والأنصار يسخرون حتى مما يجهلون حقيقته .. لمجرد مقارنته مع ما قدم لهم على أنه معيار شرعي أصيل .. فى الوقت الذى قد لا يرتقي فى حقيقته حتى الى مستوى الإجتهاد البشري الجيد .. فأنتج حالة رفض مرفوعة الى الشريعة .. حالة قائمة بالأساس على منطق ثنائيات يفترض إنتهاء صلاحيته كونه منضبط بقاعدة الإنتماء للزمان والمكان .. ولكنه للأسف إستمر ليصل الى القرن ( 21 ) .. وربما تصنف هذه الحالة على أنها الأخطر كونها تنسب الى مراد الله جل جلاله .. وتتحايل لتجعل أي خصيم لها فى موقف لا يحسد عليها .. ولا يجد له من دونها أنصارا.

أيها السادة .. من أجل المستقبل .. ومن أجل بشريتنا.. دعونا نعمل وفق أخر المعايير التى وصلت اليها البشرية كي نلحق بها .. بدلا من تسخيف وتسطيح معايير النقد والتصنيف بصورة تعيدنا الى عهد لم يبقى له أثراً إلآ فى متاحف الأمم الغابرة .. او فى كتب تحكي أساطير الأولين.

عيسى عبدالقيوم
yumuhu5@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home