Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Friday, 3 November, 2006

 

نحو أفق أوسع وخطوة تـستـهدف المستـقبل

( ورقة نقدية تراجع البعـد النظري أو الفلسفي
   لواقع الحِـراك السياسي الليبي فى المهجر )


( 1 من 2 )

عـيسى عـبدالقيوم

توطئة :
حديث هذه المرة أردته صريحاً خالياً من التكلف والمجاملة.. بعيداً عن تجليات الديماغوجية .. حديثاً أتصور أن الضرورة باتت تقتضيه أكثر من أي وقت مضى .. فأرجو أن يكون كذلك .. فبعد أن فقد الشعب الليبي الأمل فى قائمة وعود " البيان الأول " 69م .. وتقارب مرحلة الثورة من النضوب .. وبعد هذا المشوار الطويل للمعارضة الليبية .. بدأت عوامل عدة ـ داخلية وخارجية ـ سياسية وإجتماعية ـ فى العمل على الدفع بإتجاه واقع جديد .. واقع ربما يشكل الحتمية التاريخية لمحصلة تلك العوامل .. دعونا نصطلح على تسميته ـ مبدئياً ـ " بمرحلة الدولة " .. ولكي لا نفقد الدولة كما فقدنا الثورة .. ونتحول من جديد الى خانة المنتظرين.. وحتى لا نُحرم من مقامات إعراب الفاعل لنظل فى حكم المفعول به .. ينبغي أن نسعى لبلورة ما يدور ضمن مضامين سياسية .. وأن نطرحه بحرية وشفافية وجرأة.. فلابد أن تولد الدولة.. ومن مصلحتنا جميعا أن تكون مدنية / عصرية / وطنية بعيدة عن الأيديولوجيا.. وهذا لن يتأتى بالأماني.. بل يحتاج الى بعث إرادة سياسية..وبذر بذرة الإيمان بها كفكرة .. ولأجل أن تنضبط الورقة ويتحدد مسارها كان لابد أن أختار لها بداية أو مدخل .

المدخل : وحتى يكون المدخل أو البداية ذات علاقة بالحِراك اليومي إخترت من بين عدة مقالات وأفكار طُرحت فى الفترة الماضية مقالتان خمّنت أنهما يمكن أن تسعفاني كبوابة للعبور الى عدة مستويات ومساحات المطلوب الحديث عنها فى هذه المرحلة .. مساحات سياسية / دينية / فكرية / ثقافية .

1ـ المقالة الأولى : للأستاذ / مفتاح الطيار .. النشط السياسي .. ونائب الأمين العام لجبهة الإنقاذ .. والمعنونة بـ " ذكرى التأسيس ومفترق الطرق " .. وبثها الموقع الإعلامي للجبهة تحت هذا الرابط : http://www.nfsl-libya.com/Articles/2508.htm

2ـ المقالة الثانية : للدكتور / عبدالحكيم الفيتوري .. الباحث .. ومدير مركز المقاصد للدراسات الإنسانية " .. والمعنونة بـ " أشكالية القيمة والذات فى الفكر الحركي " .. وبثها موقع " ليبيا وطننا" تحت هذا الرابط: http://www.libya-watanona.com/adab/afaituri/af29115a.htm

نقاط نظام بين يدي الورقة : وقبل أن أشرع فى ممارسة حسنة التفكير بصوت مرتفع .. والتى ما فتئت تجلب " وجع الرأس ".. أود أن أسجل أربعة نقاط نظام .. كي ينسجم كلامي اللاحق مع كلام سابق .

النقطة الأولى : وأود أن أؤكد من خلالها بأني لازلت مقتنعاً بأن الوصول الى الوضعية السياسية المريحة والمقبولة والمثمرة لا يتم إلا عبر بوابة العمل الثقافي .. وأن تضّخم العضلة السياسية سيضر بها على المدى المتوسط والبعيد .. والعمل الثقافي الذى أقصده هو ذاك المرتبط بالقيمة والموقف(1) لا ذلك البارد المُدجن .. المنعزل عن الشأن السياسي بصورة تعسفية لا تليق بكرامة الكلمة .

النقطة الثانية : تكمن فى تواصل قناعتي بأن وضع " التعددية الحزبية " كشرط صحة لممارسة السياسة فى هذه المرحلة .. أمر غير موفـّق .. فكلنا يعي عدم وجود أرضية مدنية تتقبل الممارسة بصورتها الصحيحة .. وعليه فأي مغامرة ستحيل العمل الحزبي الى تكتلات عشائرية أو ما يشبه الطائفية .. وفى تقديري لازالت فكرة تقديم مؤسسات المجتمع المدني أو الأهلي (2) كمرحلة تأهيلية .. مع قبول مقترح تأجيل التعددية الحزبية " كممارسة " والإبقاء عليها " كمبدأ " ضمن الأجندة المستهدفة لشكل الدولة على المدى البعيد .. أتصور أنها الوضعية الأقرب للإندماج فى مخاض المرحلة من جهة .. ولإدماج أكبر شريحة من المجتمع فيها من جهة أخرى .. وعليه فما سيأتي من كلام تستطيع أن تفهمه فى سياق مجاراة الواقع المطلوب معالجته بصورة آنية ليس أكثر.

النقطة الثالثة : لازلت أعتقد بأن وجود حيّزاً للمعارضة قيمة مطلوبة لذاتها(3) .. ولكني فى المقابل أتفهم تحّفظ البعض على شكل من أشكالها .. أو ممارسة من ممارساتها .. وأرغب ـ كمواطن ـ فى المشاركة فى الحديث عن كيفية حضورها القانوني أو الدستوري .. وعن الزمن المناسب لإطلاقها .

النقطة الرابعة : لازلت أؤمن بأن عشرية البحث عن الدولة تتطلب إجتهادات وإختيارات غير تلك التى سادت العشريات السابقة .. وأيضا تحتاج الى نفسية وخطاب غير الذى ساد فى الماضي .. وأن كل ذلك يتطلب وقتاً ليس بالقليل .. وما أستشعر أهميته أو أستهدفه بالكتابة وأقبله كحد أدنى .. هو أن تبدأ العجلة بالدوران .. وفى الإتجاه الصحيح .. فأرجو أن يفهم ما حوته الورقة فى هذا الإتجاه .


مفتاح الطيار

1ـ حول .. وعن مقالة الأستاذ " مفتاح الطيار"

وعمدة الكلام فى هذا المحور سيرتكز بصورة مباشرة على موضوع العمل السياسي .. وتحديداً على شقه النظري .. والذى سألج إليه عبر بوابة المقالة المُشار إليها أنفاً .. والتى أسجل تثميني لها كخطوة على طريق طويل نسأل الله أن يعين كاتبها ورفاقه عليه .. ولن أدخل فى منعرجات الماضي فذاك شأن أخر .. وسأبدأ من حيث إنتهى الأستاذ مفتاح الطيار .. أي من دعوته لنا جميعا للتفكير معه بشكل جماعي وبصوت مرتفع .. وهي دعوة فريدة بالنظر للمشهد السياسي الليبي المُتخم بالنرجسية!.

حسناً صديقي مفتاح قد قبلت دعوتك .. وهذا ما جال فى خاطري حيال الموضوع برمته .. ولتكن البداية تقليدية فلا ضير.. أيها السادة لدينا نظام يعيش أزمة سياسية خانقة .. نظام أخفق فى إقناع الناس بأفكاره .. وعجز عن تحويل سياساته الى برامج مثمرة .. هذه حقيقة وليس تجنٍ مني أو حتى تحليل .. بل هي ما أصبح يردده السيد سيف الإسلام .. بل والعقيد القذافي نفسه .. وبالنص تقريباً .. وفى المقابل لدينا معارضة غير فاعلة .. لم توفق فى الإلتصاق بالشعب الليبي .. ولم تنجح فى بعث تنظيمات سياسية مكتملة النمو .. ولعل وصف الأستاذ محمود شمام لها بأنها يمكن أن تكون معارضة " ضميرية " أقرب الى الدقة .. وأيضا نجد بين سطور المقالة التى نحن بصددها ما يشير الى ميل كاتبها لهكذا وصف .. مما يعني أننا أمام معادلة سياسية يعيش شقيها ( نظام / معارضة ) أزمة حقيقية .. مع التأكيد على أن معايير تقييم أزمة كل شق تختلف عن معايير الشق الأخر .. وكذلك تختلف مبررات ومسببات وجود الأزمة ومستويات تأثيرها السلبي على المجتمع الليبي .. وما أردت أن أصل إليه من وراء هذه المقدمة هو الإتفاق على وجود الأزمة .. فمن يراها ـ عند هذا المستوى ـ بهذه الكيفية فليستمر .. أما من يرى ـ فى هذه الكفة ـ أن النظام قد نجح فى مهمة بعث الدولة الحديثة .. و أنه يحضى بقبول شعبي .. ولا يحتاج الى إصلاح أو تغيير .. أو من يرى ـ فى الكفة الأخرى ـ أن المعارضة تسير فى الإتجاه الصحيح وتؤدي عملها بشكل نموذجي .. وأنها تؤثر على مجريات الأحداث.. وتمتلك زمام المبادرة .. فليتوقف ها هنا .. لأن ثمة خلل فى التوصيف لا يمكن البناء عليه .. ويحتاج الأمر الى جولة أخرى من جولات المربع الأول .. ليس هذا مكانها .

أما أنا فأرى أن الأزمة أكبر حتى مما قلت .. ولهذا سأستمر فى الحديث عن الأزمة بشقيها .. غير أني أجد أنه ليس من المناسب أن أتحدث عن خارطة طريق لما يعتري خندق النظام .. فلست جزءً منه من جهة .. ومن جهة أخرى لازلت أعتقد بأن النظام لا يؤمن بمبدأ " الشراكة فى الوطن " ولو فى أدنى مستوياته .. ويفضل أن يكون الحل على هيئة مناشدة مني ( كرعّية ) ومكرمة منه ( كولي نعمة ) .. على خلفية ثنائية " الرعية وولي النعمة " المستفزة بدرجة إمتياز .. وحتى يكون الأمر أكثر وضوحاً .. وأن مفهوم المعارضة لدي أكبر من أن يشخصن .. فسأقول : لو بُعث معاوية بن أبي سفيان من جديد فلن أتردد فى معارضته والمطالبة بحقوق المواطنة.. وعليه فمن هنا حتى يتذكر النظام .. أو أصحاب المشروع الإصلاحي داخل منظومته .. أن أبناء هذا الوطن لا يقلون عنهم غيرة ولا وطنية .. وحتى تلامس شغاف قلوبهم فكرة الشراكة .. سأظل ـ ودائما كمواطن ليبي لا ينوي التنازل عن حقه ـ على مسافة منهم .. مسافة تعفيني من هدر ما أمنت به كقيم من جهة .. وتجعلني لا أنخلع عن هموم وطني من جهة أخرى.. وأترك حق تقدير تلكم المسافة لتقرره مصلحة الوطن العُليا .

إذن .. فإقصار حديث الورقة عن ـ ومع ـ خندق المعارضة أقرب للمعقول وأدعى للقبول .. خاصة وأنا أعتبر نفسي أمام دعوة كريمة وفريدة من تنظيم سياسي ليبي .. للمشاركة فى التفكير معه فى همومه الداخلية .. ولو على طاولة إفتراضية .. ولعل أول خطوات مشوار الحل الطويل تكمن ـ أستاذ مفتاح ـ والحديث للجميع ـ فى العمل على ترسيخ تقاليد ومفاهيم وأليات مصطلح الحزب السياسي .. فالأسماء غير المباشرة كالجبهة .. أو الجماعة .. أو التجمع .. أو الكتلة .. أو التحالف .. وصولا الى هلامية تسمية " المؤتمر الوطني " من المفترض أنها لا تعفي أصحابها من المقايسة على ما ورد فى حق مصطلح الحزب السياسي .. ولعل التصريح المباشر والأخذ بتقاليد ومسميات الأحزاب السياسية سيختصر عليكم وعلينا الطريق .. ويجعلنا نقف أمام مُعرّف يسهل التعاطي معه .. سلباً وإيجاباً .

ولن أكرر ما قلته سابقاً فى مقالة " الأحزاب السياسية بين الإطلاق والإغلاق "(4) ولكني سأختار بعض العناوين المهمة فيها .. ومنها ضرورة أن تولد الأحزاب السياسية على قاعدة " الحد الأدنى " كحد أدنى .. أو لا تولد .. ولتظل فى الأرحام لحين إكتمال نموها .. فما نشاهده لا يمكن أن يطلق عليه وصف الحزب السياسي .. ولو رفض أي نظام أو أي دولة التعاطي معها فسيكون محقاً فى ذلك .. فلا يمكن لأي دولة أن تتعامل مع أوراق لا أغصان لها فضلا عن الجذور .. فمن وفـّر القضايا اللوجستية .. إفتقر الى المشروع السياسي .. فالمطلوب الأول هو تبني فكرة الأحزاب كقيمة .. والرضى بالإحتكام الى قواعدها وتقاليدها ومواصفاتها .. والتوقف عن التمسك بلافتات تشي بوجود ما يشبه الحزب ولكنها فارغة المضمون .. ربما كانت العملية مقبولة كبدايات .. بدايات بكل تأكيد سيحتفظ التاريخ لأصحابها بالفضل فى بعث الحالة السياسية الليبية .. فالمستهجن الوحيد هنا هو جعل لحظة الإطلاق أو البعث لحظة ممتدة !! .

ثم تأتي رغبة وضع نقطة نهاية لمشوار التلويح بشعارات سياسية توهم خلق الله بأن هناك مشاريع سياسية .. وفى الحقيقة لا يوجد شيء أبعد من الشعار .. فأصبحنا نرى خصومات .. بل وتسميات بوزن إصلاحي / جذري .. إسلامي / وطني .. معاهم / معنا ... الخ .. تقسم الخارطة السياسية على خلفية بريق الشعار .. دون الإكتراث لوجود مشروع سياسي من عدمه .. لذا فالمعول عليه ـ والكلام للاستاذ مفتاح ولكل القراء ـ أن يكون البناء منذ البداية قائماً على مشروع سياسي واضح وصريح .

وبالتأكيد عند الحديث عن الأحزاب سنصطدم بمصطلح الحزب الشمول.. الذى نأمل أن يشطب نهائياً من قاموس العمل السياسي الليبي.. وأن تتوقف فكرة تسويقه كما لو أنه " الحل" فى الوقت الذى باتت كل الدنيا تعتبر الحزب الشمولي شيء من الماضي .. بل وترتجف أوصال عقلاءها عند سماعهم لعبارة " الحزب الشمولي " .. ومما نأمل أن يلحقه التشذيب أيضا .. فكرة الأحزاب " الأيديولوجية " .. والإستعاضة عن كل تلك الأفكار الماضوية " كالحزب الشمولي " و " الحزب الإيديولوجي " بفكرة الطرح الخدمي .. فنحن نريد أحزاباً خدمية .. نستطيع التعرف عن برامجها .. ومحاسبة قادتها .. ولنا حق نقدها وتقريعها .. وأن يكون حق الإنتماء إليها والإنفصال عنها بأيدي الناس .. بدلا من فكرة التحايل أو التودد لخلق الله من أجل ضمهم لماراثون " عدّ الرؤوس " .. طرحاً يمكن لنا قياس درجات علاقته بأزمة الوطن والمواطن بوضوح .. وهذا لا يتأتى لحزب يقدم نفسه للناس عبر خطاب أيديولوجي ( مع الإعتراف بأحقية أن يحتفظ الحزب بأيديولوجته داخله وأن يبني برامجه على ما يفهمه منها ) .. فالمطلوب هنا تطوير شكل علاقة الحزب بالدولة وببقية الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني .. ثم بالشعب .. ولا أظن أن هناك خلاف على أن قاعدة الشعب أوسع بكثير من قاعدة الأتباع .. وبما أن المقصود بالحكم هو الشعب فنأمل أن نرى علاقة واضحة تحكمها قواعد منضبطة .

ثم نأتي الى أحد مرابط العمل السياسي .. ألا وهو الحديث عن أليات ووسائل الأحزاب السياسية .. وأظن أن ذات العبارة توحي بباقي الموضوع .. لهذا سأنطلق من نقطة بعيدة .. ألا وهي التذكير بحصول نوع من الإتفاق ـ إن لم نقل إجماع ـ على التحول الى خندق النضال السلمي .. والسؤال ما هي أليات ووسائل النضال السلمي السياسي ؟! .. وهنا لن يستطيع أكبر منـّظر ـ مهما كان عبقرياً ـ أن يحصرها فى فكرة واحدة .. وبما أنها قائمة طويلة فلا شك أن على رأسها سيأتي " الإشتباك الإيجابي " .. وهنا يحق لي أن أستغرب كيف سيكون نضالاً سياسياً وسلمياً .. وفى ذات الوقت لا وجود لنقاط تماس بين طرفيه .. والعجيب أن العالم من حولنا يتقاتل بواسطة الدبابات والصواريخ .. ولا يرى أن ذلك يشكل مانعاً من موانع وجود نقاط تماس .. وها هي قضايا العالم الملتهبة من حولكم من قضية أيرلندا الشمالية .. وحتى قضية نمور التاميل.. مروراً بصراع المقاومة العراقية مع المحتل الأمريكي .. وصولاً لتطاحن حزب الله مع اسرائيل .. بل سأذهب أبعد من ذلك .. سأذهب الى عمق التاريخ لأقول أن رسول الله (ص) يوم الخندق .. وأثناء القتال .. لم يجد بأساً من أن تكون له نقاط تماس مع خصومه .. فذهب إليهم ـ أثناء المعركة ـ وعرض عليهم وسمع منهم .. ثم عاد وطرح فكرة المقايضة بتمر المدينة على أصحابه .. الى أخر القصة المشهورة .. وأرجو الإنتباه الى أنني لا أعرض هنا نماذج تاريخية كحلول.. حتى لا أفهم غلط .. إنما أعرض مبدأ عام أتفق أن ممارسته على الأرض مرتبطة بجملة من المعطيات .. فكيف يعقل أن يكون من تقاليد النضال المسلح وجود نقاط إلتماس .. وأن يُجرّم ذلك فى نضال يقال بأنه سلمي سياسي ؟! .

فلا عملية سياسية ، ولا نضال سلمي ، ولا حلول للأزمات الكبيرة والمعقدة بدون إشتباك إيجابي .. ومن يحدثكم عن نضال " سياسي سلمي " بمنطق الثأر وعقلية بني عبس .. فليسمي ما يمارسه بما شاء إلا أنه عمل سياسي .. وبما أنه حديث صريح .. فلن أجد حرجاً فى الهمس بأن هناك خشية من أن التفكير فى حل الأزمة بمنطق وطرق سياسية بات يشكل قلقاً لدى البعض ( على طرفي المعادلة ) .. ممن تحولت لديهم الأزمة الى جزء من تركيبتهم النفسية .. وتداخلت على نحو ما مع نمط عيشهم .

وإن كان ثمة من كلمة أخيرة حول الطرح السياسي .. فهي عن فهم طبيعة العمل السياسي السلمي .. فالبعض يفهمه فى سياق الصفقة المريحة مع الأنظمة الحاكمة .. أي أن توضع الأيدي فى قصعة واحدة .. وتقتسم الكعكة .. ولذا تجد البعض يتساءل ماذا سينتج الحوار السياسي ؟!..( وهنا نلاحظ أن المطلوب نتائج وإستحقاقات مسبقة ) .. وأنا أجزم بأن عرض هكذا تساؤلات وجعلِها بمثابة الأدلة يعود لسوء فهم طبيعة العمل السياسي السلمي الذى لا يقل مغالبة عن غيره .. وربما تؤدي ممارسته بصورة حقيقية بصاحبه الى السجن أو الى القبر .. فتبني العمل السياسي السلمي ينبغي أن يُشرح على أنه لا يعني الإستسلام لإرادة الخصم .. ولا التسليم بأختياراته .. إنما هو خيار من خيارات إنتزاع الحقوق .. ولكن بصورة سلمية .. وربما حتى توافقية .. وأن له وسائله وألياته وخطابه .. فمن وافق على تبنيه فعليه أن يأخذه كاملا .. أو ليتركه حتى تنضج ظروفه .. أما العبث به تارة من أجل تحقيق مكاسب تكتيكية .. وتارة من أجل مجاراة موجة عالمية .. فتأكدوا أيها الأصدقاء أنه سيفقده مصداقيته ويحيله الى خانة الكروت المحروقة ! .

إختيارات مؤلمة ولكنها ضرورية :

من خلال تتبعي لمسيرة وسلوك العمل السياسي فى الحالة الليبية .. دائماً ما كانت تتراءى أمامي النقاط التالية كنقاط مرتبكة بالنظر الى التقهقر الذى تعانيه على مستويي " الفكر والقيادة " .. وفى تصوري فإن تقدم العمل السياسي مرتبط ـ على نحو ما ـ بمقدار ما ينجز على صعيد هذه النقاط :

أولا : التنازلات المؤلمة : ودائما أذكـّر بأني لا أتحدث عن تفاصيل حل أزمة ما .. بل أتحدث عن مبادئ أعتقد أنها من صلب العمل السياسي .. فكما أن للعمل السياسي مخالب وأنياب .. فلا بد أن يتوقع السياسي المحترف أن يصل ذات يوم أيضا الى نقطة " تقديم تنازلات " .. قد يشترط البعض عدم تصادمها مع ما يعتبره ثوابت .. ولكني أعود فأكرر المقصود هو ذات المبدأ .. فبمقدار ما تتضح رؤية المبدأ لدى القواعد بمقدار ما يتسع هامش المناورة أمام السياسي.. وقد أذهب هنا أيضا الى سيرة النبي (ص) .. فيوم توقيع إتفاقية الحديبية شكل مفصلا فى تاريخ الدعوة الإسلامية .. فقد كان ظاهر الإتفاقية يومئذ يبدو مؤلماًً .. حتى أن بعض الصحابة لم يخفي غضبه من بنودها .. إلا أن تتمة الدرس كانت مفيدة لمرونة إحتاجها الصحابة فيما بعد .. بل وإستخدموها بشكل كبير فى مرحلة الدولة .

ثانيا : قبول فكرة تعدد الإجتهادات : وبكل وضوح فإن مصيبة إغلاق خندق المعارضة على فكرة واحدة .. يتم الترويج لها وتسويقها على أنها الخيار الأمثل أو الأصلح .. وربطها بمسلسل الوطنية والخيانة .. والنفخ فيها لتشكل الصورة الذهنية لمدلول مصطلح المعارضة .. شيء مَرضي ومقلق أتمنى أن نتخلص منه .. فوجود أكثر من إجتهاد سياسي منفتح فى خندق المعارضة سيعود عليه بالعافية .. فطالما أن صاحب الإجتهاد ينطلق من نقطة أن شكل نظام الحكم المعمول به غير مقبول لديه لإعتبارات موضوعية .. ويسعى لتطويره أو إصلاحه أو تغييره .. فلا مجال لرفضه أو إعتباره لا ينتمي لخندق المعارضة .. هذا إذا أردنا أن نصل الى نقطة جسر الهوة بين الداخل والخارج .. والوصول الى تصور وطني لحل الأزمة .. تصور قائم على أرضية حوارية .. تتمسك بالعقلانية والموضوعية .. وترفض نظرية المؤامرة .. ولا تستثني أحد .

ثالثا : الإرتكاز على البعد القيمي فى تطوير خندق المعارضة : فمن الأمور التى أتصور أنها أفقدت خندق المعارضة حيويته ومرونته هو تأسيس بنيته التعبوية على " منطق الثأر" .. مما جعل كافة تحركاته تأتي على شكل ردود أفعال لإختيارات النظام .. والمطلوب إصلاحه من أجل التطوير.. أن تتخلص المعارضة من منطق الثأر لصالح المنطق السياسي البراغماتي .. فتدعو وتشجع الناس على البحث والتطوير من منطلقات ذاتية .. فتدعوهم الى تبني خلق التسامح حتى وإن لم يتسامح النظام .. وتشجعهم على ترسيخ مبدأ الحوار حتى لو أغلق النظام الليبي أبوابه .. وتصفق لهم عندما يستجيبون لمصلحة الوطن العليا ولو لم يستجب لها النظام .. فلا يسأل بعضهم بعضا لما فعلت كذا والنظام يفعل كذا .. بل يكون المعيار هو الممارسة الصحيحة المنطلقة من القيمة.. والمستهدِفة لخلق تقاليد سياسية راقية وحضارية لمعارضة نرجو أن تترسخ مفهومها الإيجابي ذات يوم داخل الوطن لممارسة مهمة الرقابة لمن سيكون فى سدة الحكم كائناً من كان .. باعتبار أن فكرة ومفهوم المعارضة قيمة فى حد ذاتها .

الخاتمة :

أخلص الى القول بأن بعض الحل .. صديقي العزيز مفتاح الطيار .. يكمن فى هذه المرحلة على الأقل.. ووفق ما هو موجود من معطيات على الطاولة .. فى التحول الى العمل السياسي السلمي .. على أن تستهدف الفكرة كقيمة .. وأن يكون جريئاً .. فقصة " ما يطلبه المستمعون " آن لها أن تتوقف قليلا .. ودعني أقول لك بصراحة بأن فكرة التحول الى العمل السياسي بصورته التى يعرفها الناس كعود الثقاب ( لا يستخدم إلا مرة واحدة ) .. فإستخدامها فى غير محلها أو بطريقة مكررة يعني بقاء الأمر على ما هو عليه .. فأمامكم قضية معقدة .. ومتشابكة .. والمطلوب منكم كسياسيين أن تجدوا لها مخرجاً لا أن تتوقفوا عند حدود توصيفها .. فأمامكم نظام يعاني كما تعانون .. أشكمته ممارسات عمرها عشرات السنين .. وفرضت عليه لعبة توزيع خيوط القرار للإستفراد بالحكم تبعات بات هو نفسه يعاني منها .. ودولة متأزمة تحتاج الى مقومات الدولة من أجل النهوض .. ومتغيرات محلية وأقليمية ودولية حادة .. و أمامكم شعب تعداده خمسة ملايين نسمة .. وقوة نامية رافضة للوضعية التى عليها الدولة .. منها من ينتمي الى منظومة النظام .. ومنها من يقف على مسافة منه .. وأمامكم حراك ثقافي وإجتماعي وأكاديمي وإعلامي أصبحت له أجندته .. فلا تتصوروا أن بإمكان أي مخلوق فى العالم أن يجعل كل هذه الفسيفساء شيئاً واحداً .. فقط نظرية المؤامرة هي التى تستطيع أن تثبت أنه لا حراك فى ليبيا وأن ما نشاهده مسرحية كبرى .. أما المنطق الإجتماعي / الإقتصادي .. وحتى الديني يشير الى وجود تباين .. بل ويتحدث عن وجود تدافع إن لم يكن بين اشخاص فهو بين أفكار .. باتت قواعد إدارته تتغير نحو المقبول .

عموماً كنت أود أن أقدم هذه الورقة لمؤتمر أو ورشة عمل تضم المعنيين بالشأن السياسي فى المهجر .. ولكن من هنا حتى يُفتتح فضاء النقد الذاتي المغلق سأعتبر المواقع الألكترونية الليبية بمثابة طاولة حوار إفتراضية .. وعن نفسي أرحب بما تفضلت به ـ استاذ مفتاح ـ من مقدمات .. وأقدر أنك تسير فى الإتجاه الصحيح .. وأن أراك تعمل وتخطي خير عندي من أن أراك تراوح مكانك .. هذا ما جال فى خاطري تحدثت به بصراحة كبيرة آمل أن تجد صداها عندك .. وأن يفهمها المتربصون فى سياقها .. وسياقها هو النقاش الفكري الشفاف .. فأنا لست من هواة طرح البرامج التنفيذية على أطر قائمة لست جزءً منها .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
yumuhu65@yahoo.com

( القسم الثاني سيتعلق بالطرح الإسلامي وعلاقته بحلم الدولة الحديثة )

________________________

(*) لإستكمال ما يمكن فهمه على أنه نقص ..أو تعميم .. أو إجمال فى هذه الورقة يمكن مراجعة ما يالي :

(1) مقالة " السياسة والثقافة تواصل أم تنافر " ( جزئين ) .. تجدها تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea27056a.htm

(2) مقالة " مؤسسات المجتمع المدني " ( جزئين ) .. تجدها تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea16115a.htm

(3) أنظر مقالة " قيم مطلوبة لذاتها " .. تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea10026a.htm

(4) أنظر مقالة " الأحزاب السياسية بين الاطلاق والاغلاق " ( ثلاثة أجزاء ) تجدها تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea25125a.htm


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home