Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

السبت 3 اكتوبر 2009

رباية الذايح .. تغفو ولا تموت

عـيسى عـبدالقيوم

عزيزي محمد عقيلة .. قرأت مقالتك (1) عن مديتنا الرائعة بنغازي عبر صحيفتها " قورينا ".. فإنكمش مجازي .. وأحاط الدجاج الأسود ببقايا صفوي .. ووجدتني كمن بُشـّر بالأنثى فى عصر جاهلي .. فلأول مرة رغبت فى أن لا أصدق ما تقول .. ووددت أن أصرخ من على منارة " سي خريبيش " .. وفى وسط " ميدان البلدية " .. وأن أطوف أزقة سيدي حسين والبركة والكيش .. وانا أردد : لا تصدقوا محمد عقيلة .. فبنغازي قد تغفو .. لكنها لا تموت .. وإذا كانت " عشتار" تمنح الحب ولا تعرف الفناء .. فبنغازي قبل أن تتجسد مدينة كانت القدّاس الذي بارك خطى "عشتار " (2) .

ولكنني أعلم أنك عاشق ـ مثلي ـ غير أن أمّنا " القاسية جداً " تمسكت بك .. فيما ركلتني فتلقفتني أمّ أخرى رطنت فى أذني فأسلمت لها القياد ( الى حين ) .. وللعاشقين فيما يعشقون مذاهب .. ولعلي سمعت مثل كلامك هذا على شكل نبوءة منذ عقدٍ تقريباً .. فأشحت بوجهي عنه كما لو أنه حديث الإفك .. ولكن ها أنت ـ وأنت من أل البيت ـ تدق نواقيسا ما كنا نرغب فى سماع أجراسها.

وفى الوقت الذي أسعدني أن أسمع أن طرابلس قد تحولت الى رباية الذوايح هي الأخرى .. ولا عجب .. فهي العاصمة الكبرى لبلادنا .. وهذا السلوك من شيم العواصم .. حيث ييمم الناس وجوههم شطرها من أجل البحث عن فرص عيش أفضل .. وللفرجة والتسكع وتوسيع الخواطر .. وربما للتحصيل العلمي والتقشويش الثقافي .. بل وحتى للبزنس وتقليب العيش .. فلا ضير أن تنتقل حسنة " ترباي الذايح " الى طرابلس .. ولكن ليت ذلك يحدث دون خراب بنغازي .. فلن يضيق الوطن بثديين للرضاعة الحلال .. فيما سيشكل قطع أحدهما ندبة فى صدر الجميلة ! .

فكل وصف تاه بين سطورك ـ صديقي ـ عن رباية الذايح .. كان سهماً يطيش ليسقط قطعة من فسيفساء عالمي الضيّق الذي صنعته لمدينتي كي لا تغادرني .. وكل نشاز أصاب تقاليدها ووضعت سبابتك عليه .. كنت كمن يضع المخيط فى عيني الشاخصة تجاه الجنوب .. لم أشأ أن أقرأ أن المدينة التى كُتبت فيها شهادة ميلاد الوطن الحديث ( = وثيقة الإستقلال / البيان الأول ) (3) تنعى فى صفحة " ساقط قيد " .

فالمدن لا تموت بموت جدرانها .. ولكن بموت قيمها وهجر تقاليدها .

أنا إنسان مدني .. وأقدس ثقافة المدينة ( المكان ) .. فهي الوريث الحضاري لثقافة القبيلة .. فمن حق من جمعهم المكان أن ينتصروا له بشتى السبل .. ومن الصحي بمكان أن تشتعل المنافسة بين الأماكن ( المدن ) .. فأبناء كل مكان من الطبيعي أن يجمعهم عشقه .. ويوحد تشتت أنسابهم وتعدد مشاربهم همّه .. والفائز الأكبر فى هكذا منافسة مدنية / ثقافية / إجتماعية / إقتصادية / بيئية / فنية رائعة هو الوطن كله .. وقد سألنا القرى التى كنا فيها فما شهدت بأكثر من هذا .

وفى الوقت الذي أرفع القبعة لشباب طرابلس على ما ذكره " العمامي " من إهتمامهم بمدينتهم والسعى لإستعادة لقبها الضائع "عروس البحر المتوسط " ( أو المسروق من قبل وزارة السياحة المصرية لصالح مدينة الإسكندرية ) (4) .. أتوجه بالنداء لأبناء بنغازي أن لا تتركوا " العاصية " تموت وحيدة .. أمنحوها بعضاً من دمائكم وسوف تنهض .. لقد قاومت الطاعون والجدري وزحف السبخ وطغيان المياه المالحة .. قاومت القبلي والعجاج وسخط " وادي القطارة " .. وبقيت هناك تمد الوطن ثقافة وعلماً ورجالاً .. لا كلّت ولا ملّت ولا أكلت بثدييها .. فلاتجعلوها تستسلم للموت التافه فهي أكبر منه بكثير .. فقد سخرت منه عندما داهمها رفقة " قرسياني " .. ولم تأبه له يوم جاء مع القاذفات الأمريكية .. فلا تفجعوها بموتة لا تليق بها .. فـ" كوة الملح " (5) التي إقتاتت حروف النيهوم .. وتوحدت مع أهازيج الشلطامي .. ورقصت على ترانيم الشعّالية .. وغنّت مع السيد بومدين .. ليس من السهل أن نقبل بموتها كما يموت منبوذو " كلكتة " (6) وسط أوساخهم .

بنغازي تستحق الحياة لأنها منحت ـ لعقود طويلة ـ الحياة للوطن بكافة أطيافه .. بنغازي ـ يا أهل ليبيا قاطبة ـ لمن لا يعرفها ـ مثل بئر على قارعة طريق صحراوي .. من يصلها تروي عطشه دون الحاجة لسابق معرفة أو نسب .. وتمنحه بركاتها وصفحة فى كتيب العائلة ولا تبالي .. فليس من شيم الوفاء .. ولا من قيم النبلاء .. أن تتحول الى مكب نفايات .. وأن تعيّر ـ على حين غفلة من الزمن ـ بعقوق أولادها .

صحيح أن بنغازي كثيرة الغضب .. وعندما تغضب يأتي غضبها قاسياً أحياناً .. لكنه غضب للوطن .. وهي أيضا كثيرة الفرح .. وعندما تفرح تنسى نفسها وتغني لكل الوطن .. فيا ويح وطن لم يعرف بنغازي بعد .. ويظن بها الظنون .

لن أتسول الحياة والنهضة لبنغازي من أبناءها .. ولا حُجة فى ترديد كونها محرومة عن عمد .. ففى أشد الأيام جوعاً و" عازة " ( أبان عهود السابقة ) كان عرب بنغازي يعتنون بنظافة وزينة شوارع مدينتهم غير المعبدة .. وبيوتهم الطينية .. وأثوابهم البسيطة .

كان لا يعيّرهم الفقر ويعرفون جيدا أن " الوسخ " يعيّرهم .. كانوا لا يخجلون من رقادة الريح .. ولكن أحدهم يدس رأسه فى التراب إن قيل أن إبنه يقبل " الخليفة " (7) ( فما بالك الرشوة ) .. كانوا لا يأكلون الزقوم ولا يشهدون الزور ولا يقطعون الرحم .. كانوا يُـنهكون فى طلب قوت يومهم ومع هذا تزخر حياتهم بتباشير الفرح .. يحوّلون مناسباتهم الى أوقات جميلة بأقل المتاح .. ولأن الفرح كان يسكنهم وينبت فى مدينتهم مثل " النجيلة " فقد كانوا يختلقون المناسبات كي يتبرجوا به على العالمين .

لن أتسولكم يا أبناء البلدة الطيبة .. ولكن أرجو أن لا تتركوها تموت مختنقة وهي التى منحتكم هواء " العيطة الأولى " فى المستشفى " الكبير " و" بردوشموا" .. ومن نمت له منكم أكتاف .. علق عليها نياشينه .. أو ملأ بها أكمام بدلته الفاخرة .. أو تعاضد بها فى مواعيد الرز واللحم .. فليذكر فضلها .. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟!.

بنغازي ليست مكاتب وعقارات وسمسرة .. بنغازي ليست فسقاً وفجوراً وخروجاً عن القانون .. بنعازي ليست سواطير وطبولاً منسلخة عن ذوق الرفيع .. بنغازي صنعها بسطاء الناس كي تبقى دستوراً للوطنية .. وأيقونة للمحبة .. ونبراساً للعيش المشترك .. وفزعة فى ساعة شدة .. فلا تقبلوا أن تهجرها تقاليد " عربها ".. علموها للوافد والمقيم قبل أولادكم .. حولوها الى أغنية ولوحة ولحن .. كي لا تصابوا بلعنة " كاركوز بازاما " .. ولا توجعوا خديجة الجهمي فى قبرها.

هذه جامعاتكم ونواديكم ومسارحكم وصحفكم ومساجدكم ومدارسكم وشواطئكم ومؤسساتكم فشمروا كي تعود عقيلة " سي خريبيش " (8) الى سابق عهدها لتنافس من أجل غدٍ أجمل لليبيا وأهلها .

... ولاتصدقوا كل ما يقوله " العمامي ".. فهو عاشق يناكف معشوقته .. ويتدلل عليها .. وستصحوا ذات صباح وتمنحه القبلة الموجعة .. عقاباً له على تركها تنام حتى " القايلة " .

والسلام .

عيسى عبدالقيوم
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال فى صحيفة قورينا العدد (541) ـ 1 أكتوبر2009م .
1ـ مقالة الاستاذ محمد عقيلة العمامي " رباية الذايح .. سابقا " تجدها على موقع صحيفة قورينا تحت هذا الرابط :
http://www.quryna.com/detail.php?a_idx=2174
2ـ عشتار من ألهة العراق الإسطورية .
3ـ يحفظ التاريخ الحديث أن الملك إدريس قرأ وثيقة الاستقلال وإنطلقة العهد الملكي (1952) من على شرفة قصر المنارة ببنغازي .. وقرأ معمر القذافي البيان الأول (1969) يعلن تدشين العهد الجمهوري من على منبر إذاعة بنغازي.
4ـ سبق منذ سنين أن لفت الإنتباه الى ضرورة إستعادة للقب طرابلس المسروق.. فى مقالة " ستبقين للمتوسط عروساً " ... تحت هذا الرابط : http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea03103a.htm
5ـ " كوة الملح " أحد أسماء بنغازي القديمة .
6ـ " كلكتة " مدينة هندية .. يزعم بأنها أقذر مدينة فى العالم ! .
7ـ " الخليفة " = التعويض عن التالف فى حوادث القضاء والقدر .
8ـ " سيدي خريبيش " ولي صالح مدفون بجوار المنارة القديمة .. جاء ذكره فى كتب تاريخ القرن السادس عشر .. ويقال بأن سيدي غازي الولي الصالح الذي إشتقت مدينة بنغازي إسمها من إسمه مدفون هو الأخر فى مقبرة سيدي خريبيش .. الذي تنسب اليه سلالة عائلة " نجم " .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home