Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Tuesday, 2 May, 2006

 

الـدوامـة(*)

( الجزء الأول )

عـيسى عـبدالقيوم


الـدوامــة
(1)

لمحها ذات مساء جالسة بمحاذاة شاطئ البحر .. فتوسم فيها تباشير النصف الآخر . لم يطق رفع عيناه عنها .. ربما لخلو وجهها من الأخطاء .

لاحظت هي ذلك .. وكأي أنثى تمنعت عن النداء . كان يشعر بالحاجة إليها .. لذا تقدم ، ولم يعر إنتباهاً لبقايا دمعة كانت تلفض أنفاسها على خدها المستدير .

قدّم نفسه قائلا : أنا مواطن . فرسمت هي علامة إستفهام كبيرة على رمال الشاطئ الزاحفة على الرصيف .

خشي أن تتجاوزه خواطره .. فغفل عن تحيتها .. وأمطرها بوابل من الأسئلة :

ـ هل جربتي الحب ؟!.
فرسمت حقنة .

ـ أوتعرفينا طعم القبلة ؟! .
فرسمت خبزاً .

ـ هل شاهدتي دبلة خطوبة ؟!.
فرسمت قيداً .

ـ كيف ترين عش الزوجية ؟!.
فرسمت ضريحاً .

ـ إبنة من أنت ؟! .
رسمت : ب ن غ ا ز ي .. ثم قامت فصعدت حافلة مكتوب على جنبها الأيسر " جمعية الأمل للصم والبكم" .. كانت قد توقفت للتو .

رحلت " هي " بهدوء .
فنهض " هو " وجلس فى مكانها الذى لازال يحتفظ بحرارته .. ورسم دوامة .

*   *   *

الـدوامــة
(2)

كانت كما لو أنها تتجدد بتجدد خيوط الفجر .. فكل يوم لديها قصة عن المستقبل تختلف عن قصة الأمس .. ومع كل غروب كانت تفتخر بأنها أضافت الى أحلامها حلماً أخر .


كانت تعبر المسافة ما بين البيت والمدرسة بخطوات رشيقة .. وتلقى تحية الصباح على الجميع .. وتنشر حيويتها فى المحيط .. مثلما تنشر درنة أريج الياسمين .. وكثيراً ما كان يصفها شباب " الزنقة " بالفراشة .. ويتهامسون بأن روايات عبير كُتبت لأجلها .

" تكمن قوتها فى عدم خوفها من بكرة .. وثقتها فى الله " .. هكذا قال أحدهم ! .

تكتب مثل غادة .. وتغني كفيروز .
وغالباً ما كان الحياء يمنعها من الرقص أمام الجيران .
غير أنها كانت ترقص فى غرفتها خلسة .

تضحك عندما لايسعفها الكلام .. ولاتغضب من عبارات الغزل .. فقط كانت تعبث بضفائرها أثناء سماعها .. ثم تغلق باب الدار بهدوء .. وأخيراً تعودت على ترديد عبارات تشبه تلك التى يرددها الكبار .

فى أوقات فراغها كانت تعشق رسم زهرة القرنفل .. وترسل كروتها الزاهية الى مستشفى الأطفال بالمجّان .. ودون أن تشعر بالحاجة لمناسبة .. أو لوضع توقيع المُرسِل.

كانت تحلم مثلنا جميعا .. غير أنها كانت تتميز بوضع أحلامها فى خانة ذات تاريخ محدد .

بدأ عدّاد السنين كما لو أنه إنقلت من عقاله .. وتسارعت أيامه كأنها قطار الثامنة .. يسابق ليلها نهارها يطلبه حثيثاً .. وتستدرج ثوانيها ساعاتها .. وما بين مغيب كل شمس وشروقها كانت ثمة أشياء تتبدل بهدوء .. ودون أن تترك أي أثر.. سوى ذلك الذى يهاجم سواد الشعر .

أكثرت عقارب الساعة من الدوران ..
وبدأت الشمس كما لوأنها تستعجل الغروب .

فجأة .. صاح بائع الحلوى .. وشيخ الزاوية .. وقابلة الحي .. فى وقت واحد :
عبير .. عبير .. عبير(**).
فلم يجبهم أحد .

فقد صمتت عبير منذ مدة .
إحتجبت عن النور .. ولم يعد يصدر عنها إلا همهمات .
وأصحبت تقضي نهارها منتصبة أمام " مفكرة العام " .
وكلما إنقضى يوم رسمت تحته دوامة .

*   *   *

الـدوامــة
(3)

ـ مما تشكو ؟! .

ـ لم أحدد طبيعة ألمي بعد ؟! .

ـ إذاً لماذا أتيت ؟! .

ـ لأن الألم يزداد ؟! .

أزاح الطبيب نظارته من على عينيه ..

وإستسلم للدوامة .

*   *   *

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________________________________

(*) فقط " الدوامة " رقم واحد.. سبق لي نشرها فى مجلة الحقيقة العدد (14) .
(**) عبير شابة ليبية جسدت الدوامة التى عاشها ـ ويعيشها ـ جيلنا.. كتبت ذات مرة تقول [ .. كلمة حلم أصبحت حالة من المرض المزمن الذى أعانى منه .. والذى أخاف أن يراه الآخرون .. ] .
إليها .. والى كل شباب هذا الجيل أهدي هذه الكلمات .. وكلي أمل بغدٍ أفضل يخفف عنهم وطأة السنين العجاف .. فلن نعيش ما لم يكن هناك أمل .. ولن نعمل ما لم يكن هناك حلم .. ولن نصل ما لم نصبر على عقبات الطريق .. فرغم الألم والظلم والمرارة التى نشعر بها ( والتى على وشك أن يتساوى فيها القريب والبعيد ) لابد أن نفسح مجالا للتسامح .. فلا يمكن أن نشعر بالطمأنينة .. ولا بضوء فى نهاية النفق ونحن نعيش أجواء الظلمة والسادية والرغبة فى الانتقام من كل شيء حولنا .. فقد كتبت ذات مرة أقول " أن من ظلِم .. وشعر بمرارة الظلم .. يجب أن يتعلم ليس أن ينتقم .. بل يتعلم أن لا يظلم ".. فيا رب أعني على أن أجسّد ما قلته يوما .. ولهذا سأخاطب الجميع .. من غضَب .. ومن رضِي .. وأقول : لن أحجز للكراهية والظلم مكانا فى نفسي .. وسأعتبر كل ما أسمعه أو أقرأه جزءاً من طبيعة الحياة .. وأظن بأننا ـ رغم إختلافنا ـ نتفق على أن مستقبل أبنائنا يستحق أكثر مما نشاهده .. سادتي الكرام : ليس لدي أعداء .. ولا أرغب فى ذلك .. ولكنني أرغب ـ وبقوة ـ فى حوارات جادة من أجل المستقبل .. ولن تزعجني نتائجها مهما كانت مختلفة مع إجتهاداتي .. لكون إنتصارنا جميعا يتجسد فى إنطلاقها .. فمن أرادها فهذه هي كيفية الوصول اليّ : يوسف محمود .
TEL: 07815068952.
E.mail: yumuhu65@yahoo.com
ــ اللوحة أعلاه .. للفنان / عادل جربوع .. نقلا عن موقع " عين ليبيا " .. تجدها تحت هذا الرابط :
http://www.libyaeye.net/index1.htm


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home