Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الثلاثاء 2 مارس 2010

المسئولية الإجتماعية.. ركن لايزال مُعتِماً

عـيسى عـبدالقيوم

( إن حرية اللامبالاة هي أدنى أنواع الحرية ) ديكارت

بالرغم من أن النبي الكريم محمد () هو القائل { ليس المؤمن بالطعّان ، ولا اللعّان ، ولا فاحش ، ولا بذيء} (1).. إلا أن البشرية التى لم تسمع بهذا التوجيه الأخلاقي هي التى إندفعت بقوة نحو تشكيل الذوق العام .. وترسيم حدود الخطاب بما يحفظ حقوق الأخر .. وتهذيب قوالب نقل ونشر وتسويق الكلام .. بل والنهوض بمعجم المفردات من أجل الحفاظ على مشاعر المجموعة .. الى درجة لم يعد مقبولاً (عندهم ) إستخدام لفظ " معاقين " مثلاً .. وأستبدل بمصطلح " ذوي الإحتياجات الخاصة " .. ولك أن تتأمل المعاني الإنسانية النبيلة التى يحملها مثل هذا التبديل .

من هنا جاءت حيرتي .. لماذا تبدو حالتنا الليبية عصية عن مسايرة الأمم ؟!! .. لماذا فشلنا فى تطوير مفرداتنا كي تتلائم وإنسانيتنا ؟!!.. وفى إنتاج طرق إشتباك تتوائم وحاجتنا الملحة للحوار من أجل إدارة حالة الإختناق الملوِثة للبيئة التى تحاصرنا ؟!! .. خاصة ونحن لا نفتر عن تذكير العالمين بأننا أصحاب دين يكرّم الإنسان .. وأصحاب سيرة وسنة تهذب النفوس !! .. وأصحاب تقاليد بدوية مستلهَمة من أخلاق الفرسان نابذة لأخلاق الصعاليك !!.. لماذا يبدو كل هذا عاجزاً عن إحداث تحول ما ؟!.. ولماذا لم ننجح فى تقاسم التقاليد المدنية مع العالم الذي نزعم أننا شركاء فيه .. ونفهمه ربما أكثر من نفسه ؟!! (2).

أكتب اليوم مستفسرا عن إمكانية تعاطينا مع جهود العالم من أجل تطوير سلوك الجنس البشري .. وربما من المخجل قليلا أن يكونوا قد طرحوا هذا الموضوع منذ أكثر من (63) عاما ونطرحه نحن اليوم .. ولكن لابأس .. فكما يقال " أن تأتي متأخراً .. خير من أن لا تأتي أبدا " .

أستفسر اليوم عن إمكانية مناقشة أحد أبرز النظريات الإعلامية .. ألا وهي نظرية " المسئولية الإجتماعية " .. فبعد نظرية السلطة (Authoritian) .. ونظرية الليببرالية (Libertarian) .. والنظرية الشيوعية (Communist) .. ونظرية المشاركة الديمقراطية (Participant Democratic) .. جاءت نظرية المسؤولية الإجتمـاعية (Social Responsibility) .. والتى برزت في العقد الثاني من القرن الماضي فى الولايات المتحدة الأمريكية .. وتبلورت بعد الحرب الثانية من خلال تقرير نشر عام 1947 بواسطة لجنة " هوتشينـز " بعنوان " صحافة حرة مسئولة " .. واستهدفت وضع ضوابط أخلاقية للصحافة .. والتوفيق بين حرية الصحافة والمسؤولية الإجتماعية في المجتمعات .. ويمكن مراجعة المتعلق بموضوعة مقالة اليوم فى دراسة شهيرة بعنوان " حرية الصحافة : إطار المبادئ " .. كتبها " وليم هوكنج " عضو لجنة امريكية كلفت ـ فى تلك الحقبة ـ بدراسة ما سمي لاحقا " بنظرية المسئولية الإجتماعية " (3) .

ومن خلال الرؤية الجديدة قدّم " كريس مونتجري" عبر كتابه " مسئولية لرفع المعايير" زاوية أخرى للمسئولية تقول بأنه إذا قامت الصحافة بإعلام الناس والمحافظة على خصوصيتهم ومراعاة قيمهم فهذه نصف المسئولية .. ولكن النصف الأخر هو بيان مسئولية الجماهير تجاه المادة المذاعة التى هي بدورها تجاه أنفسهم .. إذا يجب على الجمهور ألا يتعامل مع ما يقدم من خلال الصحافة والتلفزيون على أنه وجبة كتلك التى يشتريها من السوبر ماركت .

وفى ذات السياق أورد " دينس ماكويل " عدة مبادئ أساسية لنظرية " المسئولية الإجتماعية ".. منها أن تقبل وسائل الإعلام تنفيذ التزامات معينة تجاه المجتمع .. أن تمر تلك الإلتزامات من خلال المعايير المهنية مثل الحقيقة والدقة والموضوعية والتوازن .. وأن تتجنب نشر ما يؤدي الى الفوضى الإجتماعية ..أو العنف أو توجيه الإهانات الى الأقليات وغيره .. وأن تكفل الصحافة للمجتمع حقاً اصيلا يتمحور حول الإلتزام بمعايير رفيعة أثناء أدائها لوظيفتها (4) .

على أي حال وكي لا تتحول المقالة الى مبحث علمي .. أعود والعود أحمد الى صلب الموضوع .. فقد كنت قد قرأت الكثير من محاولات تفسير ظاهرة فقدان التوازن فى الخطاب وإنعدام الإحساس بالمسئولية تجاه الأخرين فى الحالة الليبية .. فالبعض ينحو على السياسة التى تظل البلاد بالمسئولية !.. والبعض يشير الى حالات الفقر !.. وثالث الى الوضع التعليمي !.. وأخر يرجح أنه ذو صلة بإنعدام التدين الصحيح !. ..وخامس يوعزه لنقص الوعي لدى منافذ نشر الوعي ( الإعلام الحكومي )... الخ .

دون مواربة .. ودون تفاصيل قد تبعدنا عن المستهدف (البحث عن تشكيل وعي بالمسئولية الإجتماعية) .. دعونا نبتعد للحظة عن أطروحات النظرية الثورية ونرحل الى المهجر .. ونتساءل : لماذا نجد ذات الخطيئة متوفرة عند ساسة يفترض أنهم دمقراطيون .. فكراً وتجربة ؟! .. ولو إبتعدنا عن ضحايا سياسات الدولة الإقتصادية .. وإتجهنا الى المهجر أين تتوفر فرص العيش الرغيد والمستقر .. وإبتعدنا عن ضحايا سياساتها التعليمية .. ورصدنا من يفترض أنهم قد تحصلوا على فرص تعليم فى جامعات أوربا وامريكا .. لوجدنا ذات السؤال يتكرر .. لماذا نجد ذات الخلل متوفر حتى بعيداً عن البيئة والمحيط المتهمين بإنتاج العاهة ؟!!.

وأيضا لو إبتعدنا عمّن يفترض أنهم ضحايا الفهم الخاطئ أو القاصر أو حتى المخالف للدين .. وإتجهنا الى من يقدم نفسه على انه متبع للدين الصحيح حذو القذة بالقذة .. لماذا نجد كل هذه الغلظة والقسوة والفضاضة ؟!.. وعلى ذات المنوال يمكنك أن تنسج .. فإذا ما تركنا خط سير الصحافة الحكومة .. وإتجهنا شمالاً أين تستوطن المواقع الألكترونية الليبية المهاجرة ـ ودائما دون تعميم ـ سنجد ما يثير الدهشة من سياسة الدفع بإتجاه التخلي عن مستويات تمثل المسئولية الإجتماعية ذات الصلة بالخطاب .. والتى نصت عليها المواثيق الدولية .. كالمادة (12) من " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان " التى تقول [.. لا يعرّض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته ، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات..] .

فهل العقول التى صاغت هذه الفقرة يمكن أن تـُـتهم بالعمل ضد نشر حرية التعبير .. أم لحمايتها ؟!.. وهل دور المثقف هو قراءة مثل هذه النصوص فقط ؟!.. وهل وجد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للتلويح به فى المحافل السياسية ورفعه كقميص عثمان فقط ؟!.. ومجددا سنعود لذات السؤال .. لماذا تتكرر ذات العيوب ( = تدني مستوى الخطاب وغياب روح المسئولية الإجتماعية ) حتى فى ظل غياب من يفترض ـ بحسب التشخيص الشعبي ـ أنهم السبب الوحيد للعاهات التى تعاني منها الحالة الليبية ؟!!.

الم أقل لكم إن أمرنا محير .. ودون تلعثم .. فقد بت أخشى أن لا يكون سبب ذلك سياسي بحت .. ينتهي مع نجاح مهمة الإصلاح أو التغيير فى ليبيا .. ولا مع دسترة الحياة أو تثويرها .. بل لم أعد واثقاً من أن بذرة المشكل موجودة فى هرم السلطة فقط .. وفى داخل ليبيا فقط .. وأن الأمر ربما مرتبط بقصة أكبر وأعمق من مجرد إختلاف حول شكل أداة الحكم أو نمط إدارة الدولة .. ربما هي قصة الثقافة بمفهومها الواسع .. وربما هي قصة ضمور الجانب البشري فينا على حساب رهبانية شريرة .. ربما للقصة صلة بخلافنا حول مفهوم الحضارة .. ولن أتطرق الى إمكانية أن يكون " للجينات " صلة كي لا أعقـّد الموضوع عليكم وعلى نفسي .

دعونا نعترف بأن لدينا مشاكل كثيرة .. فما حدث من تغييرات وتبديلات فى العشرية الأخيرة ربما أربك البعض .. وبات يحتاج الى إعادة فرز وتصنيف .. من مناقشة آليات ووسائل وأجندات.. الى إطلاق البحث فى عدة مصطلحات لا تبدو محل إتفاق .. وصولاً الى ملف الدين والتدين .. مرورا بثنائية الوطن والمهجر وما طرأ عليها من تبدل سيفرض تغيرات كثيرة .. وغيرها .

ودعوني أضيف نقطة نظام أرجو أن تعمل على لملمة الموضوع وحصره فى جانبه المستهدف لقضية " الخطاب والمسئولية الإجتماعية ".. فإنني أؤكد على أن من حق كل شخص أن يطرح وجهة نظره التى يراها .. وله أن يتعرض لأفكار الغير .. فى الزمان الذي يختار .. وفى المكان الذي يروق له .. فهذه أمور لا يمكن أن أتورط فى جعلها محل جدل .. خاصة وأنني آمنت وأرتضيت تبني فكرة الإعلام الحر المستقل .. وعليه فإنني أشاطر الكثير من الأصدقاء تخوفهم فى أن المساس بها ( بشكل غير مِهني ) قد يؤدي الى المساس بقدسية حرية الرأي .. بل وأضيف من عندي أن علينا ايضا تحمل جزء من الأثار الجانبية (السلبية) المترتبة على محاولاتنا إستنبات فكرة حرية التعبير فى صحراءنا (5) .. فكل هذا أمسى لدي من المسلمات التى لا أجادل فيها وأقبلها على الجملة .. كي لا أقول أقبلها على علاتها !.

ولكن أليس كل ما سبق يحتاج الى حوارات ؟!... والى طاولة مستديرة ؟!.. والى إحتكاك مباشر ؟!.. وبالتبع ألا تحتاج الحوارات والمستديرة والإحتكاك الى لغة ومفردات وسلوك ؟!! .. وللأسف الشديد عن الأخيرة كنت أبدي قلقي وأحدثكم من مدينة "مانشستر " وليس من قرية " الفعكات " .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
Yumuhu65@yahoo.com

_________________________

(1)حديث شريف .. وهو من رواية " مسلم ".. وقبله سنجد الكثير من التوجيه القرآني للمسلمين بضرورة البعد عن التفحش أو حتى غليظ القول فى الخطاب .. كما فى قوله { فقولا له قولا لينا } .. وأشار القرآن الى الأثار الإجتماعية المترتبة على ذلك بقوله { ولا تستوي الحسنة ولا السيِّئة ، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه ولي حميم } .. والسؤل ليس عن الجهل بموقع الآيات والأحاديث .. السؤال عن الفشل فى تحويلها الى سلوك يومي ؟!!.. اوليس التوجيه النبوي يشير الى أن ( الدين المعاملة ) .. فى صياغة حصر وقصر .. كما لو أن لا دين بلا معاملة .. والسؤال تكرر : مع وجود كل هذا وزيادة .. لماذا تنتصر عاداتنا القبيحة ..ولماذا نسيء الى الحرية عندما تمنح لنا ونترك دون جلاد ؟!.
(2)وفيما يتعلق بوعكة الخطاب بالنسبة للدولة الليبية .. فأخر تجلياته ما جاء على لسان السيد سيف الإسلام حول الأزمة السويسرية .. انقله بتمامه كي لا أتهم بالتعسف فى تشخيص الحالة .. وهو تصريح أدلى به بعد نشر هذه المقالة (بشكل مطول ) فى مدونتي .. لذا لم أضمنه المقالة .. فبحسب مجلة " التايمز" نقلا عن الجزيرة نت ((.. كان سيف الإسلام حادا في انتقاده للمسؤولين الليبيين الذين يبعثون برسائل مختلطة للغرب، فهم يعلنون أنهم حلفاء وشركاء جدد لأوروبا والولايات المتحدة، ولكنهم يرفضون القيم الغربية.. فجزء من المشكلة، والكلام لسيف الإسلام، يتحمله الجانب الليبي، لأن الأمر لا يقتصر على إلقاء اللوم على الآخرين .. ويضيف " نحن لسنا جادين بما يكفي ، نحن نبعث برسائل مختلطة للغرب "..)) إنتهى النقل .. ليبقى موضوعنا حول أزمة إستعمال الخطاب مفتوحاً.
(3) بتصرف من كتاب " حرية الصحافة " ـ المحامي / أحمد ممدوح البريدي ـ إشراف د. صابر فلحوط ـ نائب رئيس أتحاد الصحفيين العرب .
(4) بتصرف من كتاب " التشريعات الإعلامية " ـ أ.د / ليلى عبد المجيد .. أستاذ الصحافة ووكيل كلية الإعلام جامعة القاهرة .
(5) (همسة ) أبدي تعاطفي الشديد مع كل من تثير فيهم كلماتي المتواضعة مشاعر الكراهية تلك .. وبكل أسف لن أتمكن من الإستفادة من كلامهم طالما خجلوا من وضع أسمائهم تحته..فقط اتمنى عليهم أن يتوقفوا عن ختم رسائلهم المتخمة بالكراهية بالصلاة على النبي (ص) .. أو بالآيات القرآنية . أو الأدعية .. لان ذلك سيسئ للإسلام الذي يقدمونه .. أما ذواتهم فقد علموا مسبقا أن ما يكتبونه مخجلاً فصانوها منه بحجب أسمائهم .. فيا ويح قوم يضعون كلام الله فى الأماكن التى يخجلون من وضع أسمائهم فيها !!.. ورغم عتمة الصورة سأظل أدعو الى تجربة طريق التسامح .. فالكراهية فيروس مجنون إن لم يجد من يفترس ستفترس صاحبه .. ومن يرى غير ذلك فلا نملك حياله غير الشعور بالشفقة .. وشأنه وما فرّغ نفسه له .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home