Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


عـيسى عـبدالقيوم

الجمعة 2 يناير 2009

سيف الإسلام القذافي.. إعتزلَ السياسة أم عَزل بعضها؟!(*)

عـيسى عـبدالقيوم

فى 20 أغسطس الماضي .. وفي أقصى الجنوب الليبي " مدينة سبها " .. إختار السيد" سيف الإسلام القذافي " أن تكون إطلالته للعام (2008) .. وفيها القى كلمة إستغرقت قرابة الساعة .. وسط حشد كبير .. وبإستعدادات وترتيبات وشعارات تختلف عن المعهود فى الإحتفالات التى مثلت الوجه الأخر للدولة الليبية عقودا طويلة .. لم تحمل الكلمة أي مفاجآت جديدة .. ربما غير إعلان " سيف الإسلام " نيته فك الإرتباط بينه وبين محركات الدفع لما بات يعرف بمشروع " ليبيا الغد " .. وبلغة مباشرة وصريحة أعلن ما يمكن فهمه على أنه إعتزال للعمل السياسي .

شكل الخبر يومها مادة دسمة لوسائل الإعلام المختلفة .. وترك حيرة فى الشارع الليبي المحلي .

فشكل الحدث خبراً دسماً كون كل الترجيحات والتخمينات كانت تصب فى خانة وراثة السيد سيف الإسلام للحكم فى ليبيا .. وهذا ما تشير اليه ـ ايضا ـ كل الوقائع على الأرض .. فلم يعد خافيا أن كل مكونات " المطبخ السياسي " الليبي كانت تدور حول محيط دائرة مركزها " سيف الإسلام " .. من القبيلة .. الى التكنوقراط .. الى الأكاديميين .. الى بعض نشطي المهجر .. الى المؤسسات الأهلية القليلة العاملة فى ليبيا .. الى أخطر ورقة فى هذا الملف ـ خارجيا ـ وهي الشراكة الأمريكية / الأوربية حيث إستفرد " سيف الاسلام " بحل كافة معضلاته .. ومرورا بالورقة الأخطر ـ داخليا ـ وهي مباركة العقيد القذافي شخصياً للمسار الذي بات يعرف فى ليبيا بـمشروع " ليبيا الغد " .

فكل هذه المقومات كانت تشير الى تقدم شخص واحد نحو إستلام السلطة المستقبلية فى ليبيا .. وهو السيد " سيف الاسلام " .. من هنا جاء الخبر كما لو أنه " هزة " تساوي 7 درجات على مقياس رختر السياسي .. خاصة اذا ما أضفنا اليه إشتعال قضية التوريث فى الدولة الإقليمية الجاره " مصر " .

وحول خبر إعتزاله دارت عدة تحليلات منها من ذهب الى كونه مناورة .. الى من رجّح وجود صراع داخل أسرة القذافي حول دور سيف الاسلام .. الى من ذهب أبعد وأعتبره بوابة لشرعنة دور سيف الإسلام شعبياً .. وشخصياً أستطيع أن أقرأ الحدث من زاوية مختلفة تشير لوجود رغبة لدى السيد " سيف الاسلام " لإعتزال العمل السياسي ولكن ليس بالمفهوم الواسع للمصطلح .. ففى تقديري سيقتصر إعتزاله على عدم الإنغماس فى الشأن الداخلي المحلي ـ الذي تصفه أكثر التحليلات إعتدالاً " بالكارثي ".. والذي تحتاج تصفية ملفاته الى معجزة .. وبما أن زمن المعجزات قد ولىّ .. فلا يوجد عاقلاً ـ فضلا عن سياسي ـ سيمتطيه وهو سعيد .

وايضا إذا ما علمنا حجم التقاطع بين الملف الداخلي ودوائر متنفذة سيطالها " القضم " فى حال ذهب التنكيش فى الملف أبعد من ذلك ، فلربما إقتربنا أكثر من معرفة لماذا إختار القذافي الإبن أن ينأى بنفسه عنه .. فهو كسياسي برغماتي يريد الشارع .. وكي لا يفقد ثقة الشارع لعله إختار فى هذه المرحلة أن يبقى على مسافة من الشأن اليومي .. كون أغلب الوعود التي طالت هذا المستوى لم ينجز منها إلا القليل .. وعيون رجل الشارع باتت مسلطة على هذا الملف .. وباتت تقيم الحراك السياسي من خلاله .. ومن نافلة القول التذكير بأن " الفشل " فى هذه المناسبات يعمّ .. وهي كلمة أخر من يود سماعها السياسي الطموح .. ومن منظور أخر فما وصف ذات يوم بالقطط السمان لم تستسلم للعبة " أكباش الفداء " بسهولة وكشرت عن ما بقى لها من مخالب قد تخلط بها أوراق المرحلة فى حال وجدت نفسها محشورة فى الزاوية الحرجة .. فبناء على كل ما سبق يمكننا القول ـ بكل إطمئنان ـ بأن سيف الإسلام القذافي لم يعتزل الملف السياسي .. بل عَزل بعض مكوناته .. عزل يمكن أن نصفه بالمرحلي .

أما الحيرة التى خلفها فى الشارع الليبي المتابع أو المنغمس فى حراك السنين الأخيرة .. وما نتج عنه من إشاعة أجواء ناتجة عن شعارات جذابة مثل " التحول من الثورة الى الدولة " .. " والمصالحة الوطنية الشاملة " .. وإطلاق مسودة دستور وطني .. ومسودة قانون جديد للصحافة .. ومسودة قانون تنظيم مؤسسات المجتمع المدني .. فكل هذه الخطوات ضخت كميات من الأمل .. وأدت الى إنبثاق وترويج فكرة تجاوز الماضي من أجل المستقبل .. ولكون قوة دفع كل تلك البرامج والمشاريع لم تنبع من وعي الشارع الليبي بها .. أو من تبشير مؤسسات مدنية مستقلة .. بل كانت مرتبطة بشكل وثيق بشخص سيف الإسلام .. ومن مكانته " كإبن للعقيد القذافي " .. لذا فقد جاء تصريحه بإعتزال السياسة ليلقي بظلال قاتمة على المشروع برمته .. فما لا يستطيع القذافي الإبن إنجازه فلا يمكن ـ مهما قيل ـ أن ينجزه مثقف أو سياسي عادي فى ظل القواعد الصارمة والقاسية التى تحكم اللعبة السياسية الليبية .. من هنا بدأت تنكمش فكرة وجود إصلاح حقيقي فى ليبيا .. وبات الحديث عن إحتمالية وجوده لكسب المزيد من الوقت وللهروب من إستحقاقات مرحلة ما بعد 11 سبتمبر .. الأكثر رواجا فى كواليس الحراك السياسي الليبي .. وبين أكثر شخوصه تفاؤلاً .

وأخيرا جاءت زيارة السيد سيف الاسلام القذافي الى " واشنطن " (17 نوفمبر2008 ).. وإنغماسه فى عمل سياسي كبير .. إبتدأ بمقابلة السيد " ديفيد وليش " مساعد وزيرة الخارجية .. و السيد " ستيفن هادلي " مستشار الأمن القومي .. مرورا بمقابلة السيدة " رايس " وزيرة الخارجية .. وحتى تكليفه بتسليم رسالة شخصية من العقيد القذافي الى الرئيس الأمريكي ( المغادر) " جورج دبليو بوش" .. ربما جاء هذا الحدث فى الوقت المناسب ليشرح بوضوح ماذا قصد سيف الإسلام من إعتزال السياسة .. أو من زاوية أبعد ما هي المساحة التى إعتزلها سيف الإسلام تحديداً .. وربما لفترة غير طويلة .

فى تقديري .. وبالنظر الى قائمة النواقص الكبيرة التى تفتقدها الحالة الليبية .. والوضع الحساس لحالة التحول التى تعيشها .. فإن تصريح السيد " سيف الاسلام " ربما اربك الشارع الليبي المرتبك أصلا .. وكان بالإمكان فى حال وجود نية صادقة وإرادة سياسية حقيقية للتحول .. المضي بضع خطوات أخرى قبل إطلاق هكذا تصريح .. حيث أقر سيف الإسلام ـ فى ذات الخطاب ـ بعدم وجود الأسس المساعدة على عملية التحول الآمن والجاد .. وهي : " الإعلام الحر .. ومؤسسات المجتمع المدني .. والقضاء المستقل " .. وهو ما يمكن أن نسميه " بالثالوث الضامن " .. من هنا فالمغادرة فى ظل غياب هذا الثالوث ستقرأ من جميع الإتجاهات والزوايا بطريقة سلبية .. وإذا ما رأى أي مراقب للشأن السياسي الليبي بأنها خطوة تكتيكية غير موفقة .. فسأجد نفسي أوافقه الرأي ! .

أما الملف الخارجي فلن يتأثر بتصريح الإعتزال كونه يعلم بطريقة واضحة أنه غير معني به .. وأن مشروع الشراكة مع الغرب مستمر .. وربما ستسرّع وتيرته الأزمة الإقتصادية التى تجتاح العالم .. وسيبقى التحول الذي يمس الملف الخارجي قادم لامحالة .. وسيطال ـ على نحو ما ـ شكل الدولة وعقيدتها السياسية والإقتصادية .. فقط سيسجل غياب المواطن الليبي .. الذي سيقتصر دوره على مظاهرات التأييد .. وإنتظار العطايا .. ما لم يحدث تغير جذري فى المناخ والعقول .. وأهم ملامحه ولادة مستديرة ليبية شعارها " الشراكة فى الوطن " لا تعرف الإقصاء .. وتستهدف إنجاح عملية التحول بأقل تكاليف .. عندها فقط قد أضطر لكتابة مقالة ليس فيها مما كتبته أعلاه حرفاً واحداً .. وهذا فى تصوري ما تأمله الغالبية الصامته .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com
________________________________________________

* سبق لي نشر هذا المقال في "تقرير مركز دراسة الإسلام والديمقراطية" ـ واشنطن.. السنة الثالثة، العدد الثامن، ديسمبر 2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home