Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

السبت 2 يناير 2010

قصة قصيرة

لا تنبض مرتين

عـيسى عـبدالقيوم

يومها كانت السعادة بلا حدود .. والفرح لا يكف عن التحليق فى سماء الغلام .. كان يهرول عائداً الى البيت تسبقه أحلامه الجميلة كفراشات الربيع .. لقد تجاوز المرحلة الإعدادية بتفوق .. لم يكن مصدر سعادته العارمة نصاعة " الباجيله " وخلوها من الدوائر الحمراء .. لا بل ولا حتى التفوق فى حد ذاته .. لب الحكاية فى أن مدرسة القرية تقف عند هذا الحد .. وكان موعوداً بالإنتقال للعيش فى " المدينة " لإتمام المرحلة الثانوية ومواصلة مسيرته نحو جامعة " قاريونس " ... إن هو نجح .

ها هو يتجاوز القنطرة .. ويستشرف غد المدينة الموعود .

* * *

نظر من شباك غرفته " ببيت الطلبة " .. وقال مخاطباً صديقه المستلقي على السرير المقابل :

ـ الأيام هنا تمر بسرعة البرق .. وتبدو متشابهة جداً .. لم أشأ أن تكون المدينة على هذا النحو الممل ! .

ـ متشابهة ؟!.. هذا ما يبدو لك لأن قلبك لا ينبض يا عزيزي .. قال صاحبه الذي يشاركه الغرفة رقم (8) فى القسم الداخلي وهو يقلب بين أنامله قصاصات معطرة .

ـ قلب ينبض .. (هههه ) القلوب تنبض مرة واحدة .. ولغاية واحدة يا صديقي .

تحرك ببطئ الى أن وقف أمام المرآة متأملاً وجهه فيها .. وأضاف :

ـ أنا أعيش هادئ البال .. قانعاً بحياتي .. مطمئناً آمناً .. لا يكدر صفوي شيء .. أنظر من ثقب الدنيا الى أولئك الذين يسلمون قياد قلوبهم بسلاسة .. ثم يبحثون عن إسترجاعها بشق الأنفس .. أنا يا عزيزي .. أعيش بقلبي ولا أعيش لقلبي .. ويكفني عشقي " لفرزوغة " .

ردد عبارته الأخيرة بشكل ملحون وهو يقهقه .

سحب رفيقه الغطاء على وجهه .. ونظر اليه بعين ساخرة وقال :

ـ طيب معناها تصبح على " فرزوغة " ! .

* * *

الأيام تمر بسرعة البرق ..

هكذا كان يطيب " لرحيل " وصفها والتذمر منها .

وها هي قد تضخمت فصارت شهوراً .. ثم إبتلعت المزيد من شروق الشمس ومغيبها فغدت سنيناً .. وهو على ذات الحال .. ينسج على ذات المنوال .. ويقدس ذات الأعمال .. ويعمل على تعميق فلسفته للحياة بشكل مستمر .. كما لو أنه يخشى إن تنزلق منه على حين غفلة نحو غابة القلوب النازفة .

ينظر الى عيون العشاق الواجمة ..
يستمع الى عباراتهم الشاكية ..
ويقرأ أخبارهم المترعة بالألم ..

ثم يتفقد قلبه ويشكر الله أنه ينبض من أجل ضخ الدماء فى شرايينه كي يبعث الدفء والحيوية فى جسده المسئول عنه ..

ثم يعود ليحمد مرة أخرى على أن حدود مسئوليات قلبه لا تتعدى أخمص قدمه .

كانت ساعة ظهيرة ..
الجو تخنقه قبضة الصيف الصارمة ..
الشمس تضاعف من توقدها ..
والناس تكاد تفر من جلودها ..

تناول الكأس وتجرع ما فيه من ماء بارد .. وإتجه بتثاقل نحو نافذة الغرفة وفتحها بحثاً عن نسمة هواء علها تشعره بأن هذا السعير قابل للتسكين .

لمح " حامد " بوادر القلق البادية على وجه " رحيل " .. فأغلق كتاباً كان يتصفحه وإتجه إليه بالخطاب :

ـ عزيزي ما رأيك فى جولة على صالة الكلية .. فثمة إعداد لموسم المسرح الجامعي .. يعني .. علّنا نفوز هناك ببعض لفحات " المكيف " المباركة .

راقت له الفكرة ..
فإنتعل حذاءه ..
وتأبط صاحبه ..
ويمم وجهه شطر صالة الألعاب الرياضية .

كانت المسافة الفاصلة بين الغرفة والصالة كافية لجعله يصيح :

ـ " لقد وصلنا الجنة " .

فما إن ولج باب الصالة حتى أحس ببرودة الجو تلامس جسده الملتهب .. وتخترق صدره الذي كاد سعير الغرفة أن يحيله الى فرن متقد .

تنحى وصديقه جانباً .. وإنطلقا فى أحاديث متشعبة .

كانت عينه ترقب مجموعة مختلطة من الطلبة والطالبات تؤدي " بروفات " عن مسرحية تزمع الجامعة المشاركة بها فى المهرجان الوطني .

شدته أغنية كانت المجموعة تؤديها بشكل جماعي .. فإقترب .

كانت تقف وسط المجموعة .. سمراء .. متوسطة الطول .. ذات شعر قصير .. وعيون مستديرة .. تتفجر حيوية .. وتشع أنوثة .

عند لحظة ما فقد إتصاله بمصدر الأغنية تماماً .. وتحول تركيزه الى شيء ما هناك ... حدث هذا لبرهة قبل أن يعود الى إستيعاب ما يجري حوله .

عاد الى الغرفة ..

هذه المرة وجد نفسه أمام حسابات غير تلك التى كانت تمنحه طمأنينة الناسك .. وبراءة الأطفال .

لقد صار لديه سؤالاً جديداً لم يتردد فى طرحه على صديقه بمجرد ما أن شعشع نور صباح إنتظر إنبلاج فجره بلهفة لم يعتدها .

ـ حامد .. هل ثمة " بروفات " فى صالة الجامعة اليوم ايضا ؟!.

ـ لا أدري .. عموماً جدولي مزحوم هذا اليوم .. فحتى لو وجدت " بروفات " فلن أستطيع الذهاب الى هناك .. قال وهو يجفف شعره أمام المرآة .

ـ أعتقد أنه من الجيد لهم أن يستمروا فى " البروفات " من أجل إنجاز المسرحية بشكل مرضٍ .. اليس كذلك ؟!.. تساءل " رحيل " وهو يرقب الشارع من وراء الزجاج .

ـ عزيزي أنا لست مخرجاً ولا منتجاً .. وفى أحسن الأحوال سأحجز مقعداً فى مؤخرة المسرح من أجل التصفيق فى البداية والنهاية .. وأملي أن تفوز جامعتنا فهذا سيكون تذكاراً رائعاً لدفعتنا .

وأضاف " حامد " وهو يهم بمغادرة الغرفة :

ـ رغم أني لست متفائلا كفاية يا سي رحيل .

ـ ستنجح .. هل تراهن على ذلك ؟! .. قال " رحيل " بحماسة مبالغ فيها .

ـ أراهن .

* * *

وأيضا تمر الأيام .. والجديد أن " رحيل " بدأ يتخفف من وصف عبورها " بالبرق " الخاطف .

داوم على حضور البروفات ..
ومعها إرتفعت معدلات حالة إنفصاله عن المشهد العام ..
والرحيل بعيدا عن المكان والزمان .

أخيراً ..
صافحها ..
لم تتردد فى مصافحته ..
ربما لأنها إعتادت وجوده الداعم للمجموعة .

تعاقبت الأيام ..
وتغيرت طقوس النوم ..
وتبدلت طرق الذهاب والعودة الى الكلية ..
ومعها قل حديثه عن أوجاع الأخرين المستجلبة عن سبق إصرار وترصد .. كما كان يصفها مستظرفاً الحالة .

لقد بدأ يشك فى أن مسئولية قلبه تقف عند حدود ضخ الدماء فى جسده المنتهي بأخمص قدمه .. لقد صار قلبه ينبض كما لو أنه يضخ فى جسد مجاور أيضا .

ووجد لسانه يستعير مُجلِبات الألم ..
وبدأت مخيلته تفقد صور " فرزوغة " ..
لتستحضر صورا من بروفات الصالة الرياضية .

أخير ..
وبعد مكابرة ..
فقد طمأنينته ..
لقد إنحرفت قاطرته قليلا عن خط سيرها المعهود ..
لقد أحبها ..
أو بحسبان حساباته لقد تورط فى توسيع رقعة مسئولية قلبه ..
وهي فكرة كانت تظاهي" التهلكة " فى مذهبه القديم .

وكي لا يتنازل عن نظريته وما دندن حوله طويلاً .. بدأ يصف حبه بأنه واحد لا شريك له .. ولا تجري عليه صفات الحب البشري المتاح على قارعة الطريق الى مدرجات الجامعة .

وأنه لا يقاس .. ولا يوزن .. ولا يحويه مكان ولا زمان .. و لا يأتي بعوارض كسائر " الحب " الذي يتعاطه البشر الذين تتشابه عواطفهم مع عواطفه شكلا .. ويصر على إختلافها مضموناً !.

كانت تبادله ما يتعدى حدود العادة .. ويتجاوز أعراف عابري السبيل .. وهو يرى ذلك كفلق الصبح .. لم يعد يشك فى أن سلامها المصحوب بإماءة من رأسها عربون وصال له دون العالمين.

لقد وجد فى أعماقه ما جعله يقرر بأنه يحبها ..
دون كلام ..
دون رسائل ..
دون رنين هواتف ..
دون توأمة الأجساد ..
وأيضا دون ليل .. وشموع .. ودموع .

لقد رسم طريقاً ثالثاً لقلبه .

أخر سجال بينه وبين " حامد " إستمر لساعتين .. صمد فيه بفضل تمسكه بأن القلب المتصل بقلب أخر فى الحقيقة هو ذات القلب .. فلا توصف الحالة على أنها إتصال بين قلبين .. بل هي صورة لقلب يدور حول نفسه ليظهر جانبه الأخر للناس .

كان إذا إحتدم النقاش يصيح :

ـ القلب الذي يحب يوصد أمام تكرار الرغبة بشكل لا يقبل الفصال .. فلا مجال لتقبل فكرة تكرار الحالة ولو بشكل مازح .. فالقلوب العاشقة تنصهر لتستحيل الى عنصر ثالث فى وسم واحد .

ـ هل هي توافقك على ذلك.. أم هي كسائر الناس ؟!.. سؤال ألقاه "حامد" ورحل .

ـ هي تشبهم فقط ... ردد " رحيل " العبارة بينه وبين نفسه .

* * *

ومرت الأيام ..

وجاء يوم عرض المسرحية التى أسهمت " بروفاتها " فى خلط أوراقه .

جلس فى مقعد وسط المسرح واضعاً فى جيب سترته وردة حمراء قرر أن يقدمها لها مع عبارة واضحة صريحة تضع نهاية لصمته وخجله .

عبارة تؤسس لبداية حياة رصف فلسفتها عبر أيام وليالي طوال كي لا تبدو شبيهة بالأشياء المشاعة لأبناء السبيل .

فهو لا يشك بأنهما كيان متحد لا يشبه الأخرين .. وأن الحب هنا غير قابل للقسمة .. ولا يخضع لفلسفة التجربة .. لقد قرر أن ينتصر للطريق الثالث .. ويثبت لنفسه ولصديقه صواب تقديراته .. وليكسب الرهان الكبير الذي وضعه .. أو ضعته الأقدار .. فى مواجهته .

فتح الستار ..

وبدأ العرض .

ومع تقدم فصول المسرحية بدأ يترنح .

فتراكم المشاهد كان يشي بأن حبيبته لها حبيب أخر هناك على خشبة المسرح .

كانت تمنحه كل شيء تقريباً .
لقد رددت معه كلام فى الحب .
ولم تتردد فى منحه يدها .
أهدته باقة ورد كاملة ..
وألصقت قصاصة من إحدى رسائله على جسدها بقوة .

هذا ما كان يجري أمامه على خشبة المسرح فى المساحة الفاصلة بين النور والعتمة .

وعندما همّ بطل المسرحية ليضمها الى صدره فى المشهد الأخير ..

إنتفض " رحيل " صارخاً بأعلى صوته :

ـ لا تفعلي لقد أقسمت بأن القلوب المتصلة لا تفعل .

ضاعت صرخته عندما ضج المسرح بالتصفيق .. ووقف الجمهور لتحية المشهد الساخن فيما خذلته قدماه فظل جالساً .. فلم يعد يرى حبيبته وسط غابة الأيادي .. وعاصفة الصفير .

كان إستمرار التصفيق وزيادة حدته يشير الى بلوغ المشهد الأخير ذروته .

أكملت مخيتله المشهد المتفجر .

وقف باحثاً عن بقايا ثقة كان يزعمها .

سقطت الوردة بمحاذاة حذاءه تماماً .

أضيئت المصابيح التى تشير الى أبواب الخروج .

لقد إنتهت المسرحية .

صاح " حامد " :

ـ كانت مسرحية رائعة .. لقد كسبت الرهان يا " رحيل ".

أجاب بصوت مهزوم .. وهو يعطي ظهره للجميع :

ـ لقد كانا رهانين .. لقد كانا رهانين يا صديقي .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home