Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الثلاثاء 1 ديسمبر 2009

معجزة عـيد اللحم

عـيسى عـبدالقيوم

كبش العيد .. هو الإسم " الحركي " لذكر الخِراف الذي يقع عليه القدر المنحوس ليكون أضحية ينتهي أجلها مع مغادرة " الفقي " للجامع عقب تفريغه شحنة العيد .. الذي يصفه المُضحي بالسعيد .. أما المُضحى به فأخر من يعلم .. وإمعانا فى تذكيره بأنه هو المستهدف ـ دون غيره ـ فى هذه المناسبة فقد سُميت بـ " عيد اللحم " ! .

كنت أراه أيام زمان مربوطاً أمام المنزل .. أو فوق السطح .. أو فى المنور .. مستكيناً لا حول له ولا قوة ..عاجزاً عن قراءة أسباب الإهتمام المفاجأ به .. ينتظر وجبة الشعير بإمتنان .. ترمقه عيون الأطفال بالشفقة المشوبة بالريبة .. بينما تراه عيون الكبار مجرد " شواية " أو طجين " قلايه " .. أما عيون العجائز فغالبا ما تكون مسلطة على " النطع " أملاً فى أن لا تعبث به سكاكين " السلخ " كثيرا .

هكذا كان " كبش العيد " .. ضحية عابرة بكل معنى الكلمة .. ليس له من الأمر غير الصياح أول الأمر .. والإستسلام للذبح أخره .. وما بين هذا وذاك مشوار من العبث .. يبدأ بوخز عصي " الفروخ " .. لينتهي بوخز سكين " الجزار " .. وسط تربص " القطط " بحصتها الموسمية .

تصوروا لقد حدثت المعجزة .. وتحول هذا الصامت العاجز المستسلم لأمر العالمين و رب العالمين .. الى ناطق رسمي بإسم الأغلبية الصامتة .. التى ربما وجدت في صفاته ما يشبه صفاتها .. فجمعهما " المصير المشترك " .. مع حفظ الألقاب بين الحاشية والماشية .

المثير فى القضية أن ينطق ـ أو يستنطق ـ " كبش العيد " مرافعاً فى أخطر قضايا الساعة فى ليبيا .. أمام عدالة مغمضة العينين .. وإعلام أعشى .. وهذه ليست بنكتة بل حقيقة .. فما قيل على لسان " الكبش " هو جزء من قائمة نواقص الإنسان الليبي (*) .. ولو أخضعنا للتحليل ما ورد على لسان " الكبش " ( من غناوي ونكت ورسائل قصيرة ) فى سياق مرافعته التاريخية .. لوجدناه يطالب الدولة ـ بشكل صريح ـ أن ترفع يدها عن بعض شئونه الخاصة .. فالدولة الشمولية .. والمنطق الأبوي .. شيء بات يثير الغثيان ويبعث على السخرية .. فى زمن إهتمت فيه البشرية بتفتيت السلطات ربما بما يقرب من إهتمامها بتفتيت الذرة !.

فقرار أن يكون هذا اليوم أو ذاك عيداً ليس بالشيء العظيم الذي تتصدع من أجله اللحمة الوطنية أو تقام لأجله المتاريس وترفع درجة إستنفار الأجهزة الأمنية .. " فكبش العيد " يرمي الى ما هو أبعد من ذلك بكثير .. وفهو يثير إستحقاق طال إنتظاره .. ويذكّر بوعود عليها شاهد ومشهود .. ولو شئت أن أضع عنواناً لإحتجاجه التاريخي فلربما كتبت : " أين دولة المؤسسات " ؟!.

فأن تصدر كافة القرارات سواء المتعلق منها بالسياسة أوالثقافة أو الطبخ أو النقد أو السياحة أو الهجرة أو تسعير الدجاج أو الجندية أو الزرادي أو الحرث أو الطلاق أو الطهارة أوالإعدام أو الزواج الجماعي .. أو .. أو .. من تحت سقف واحد شيء لم يعد يطاق .. بل لم تعد تقاليد العصر وثقافته ترحب به .

فهل عقمت هذه البلدة أن تلد كوادر تغطي كل فن من الفنون .. أو كل حيز من الأشغال ؟!!.. هل قصرت عقول وهمة أبناءها عن المشاركة فى تسيير أعمالها .. وحمل عبء جزء من إنشغالاتها ؟!!.. الى متى سنعامل على أننا خدم أو عابري سبيل فى وطن نتساوى فى حمل صفة الإنتساب اليه ؟!.. أتصور أن هذا بعض ما أراد كبش العيد الإستفسار عنه .. أو الإحتجاج عليه !!.

سادتي الكرتم :

لقد ضحى " كبش العيد " الليبي فى هذا العام مرتين :

ـ مرة عندما قبل أن يكون الفداء لسنة دينية متوارثة .

ـ وأخرى عندما قبل التصدى لتلاوة إحتجاج شديد اللهجة .

و أتصور أن رسالته قد وصلت الى من يهمه الأمر .. ولو كانت له وصية قبل الموت فلربما أوصى بأن لا نقبل الدية .. ولا نأخذ بالتقية .. ونرفض دولة الراعي والرعية .

فما قاله فخامة " الكبش " نيابة عنا هو حقيقة رغباتنا .. وجزء من إنشغالاتنا .. هو أحد مقومات خروجنا من عنق الزجاجة .. هو بيت القصيد .. هو مربط الفرس .. لو كانوا يعقلون ! .

نعم .. دون تلعثم .. وبعيدا عن تزلف بات مفسدة للحوار .. نريد دولة المؤسسات التى تتوزع فيها مستويات صناعة القرار بشكل أفقي .. نرغب فى أن نغادر حقبة دولة " الباب العالي " .. نرغب فى أن نتحول من دولة الرعية الى دولة المواطنة .. من حكم الراعي الى حكم المؤسسة .

فهل هذا كثير على شعب صبر قرابة الأربعة قرون حتى نطق بمطالبه ذو القرنين !!.

ـ نريد تراتبية حكومية معرّفة دستورياً .. تعمل وفق مبدأ الفصل بين السلطات .
ـ نريد شخصيات مسئولة معرّفة بأسمائها وحيثياتها .. ومنتخبة من قبل الشعب .
ـ نريد مؤسسات أهلية محددة الصلاحيات القانونية وعلى مسافة من جسد الدولة .

نريد كل ذلك من أجل أن يستطيع المواطن أن يحاسب العابث أو يكافئ المجتهد .. أما أن تترك الأمور سايبه وحايسه .. فيُعلن العيد قبل فجر العيد !!.. والشعب لا يعلم من الجهة التى لها صلاحية فعل ذلك .. كي تكافأ أو تعاقب .. أو كي تنحصر المسئولية ويغلق باب الإجتهاد الشعبي الذي قد يحيل البلد الى فوضى .. فوجود المؤسسة الدستورية يجعل كل السهام موجهة الى نقطة واحدة .. أما غيابها فمن شأنه أن يجعل لكل سهم هدفه الخاص به .. وعندها لا تحدثني عن عودة الكراهية .. أو الكفر بالوطنية .. وعن كولسة " الأجندات الخاصة " ودبيبها فى الحديقة الخلفية لفيشطة الإصلاح .

على أي حال ... رحم الله ـ الصامت الناطق ـ فخامة " كبش العيد " الذي رحل دون أن يعرف موقف الأغلبية الصامتة التي تطوع لتلاوة بيانها .. ودون أن يتلقى رداً على بيانه التاريخي .

وأمل أن لا يعتبر كلام " كبش العيد " شيئاً عابراً .. او هزلياً .. فهو كلام مسئول ويحتاج الى وقفة .. لكننا سنعود مجدداً لنقول : وقفة مع من .. وأين ؟!.

وكل عام وانتم بخير .

والسلام .

عيسى عبدالقيوم
Yumuhu65@yahoo.com
________________________________________________

* أطلق الشارع الليبي عديد الأشعار .. والنكت .. والرسائل القصيرة للتعبير عن وجهة نظره حيال ما حدث من تضارب فى تحديد يوم عيد الأضحى لهذا العام .. جاء اغلبها على لسان " كبش العيد " .. بعضها جُمِع تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/letters/v2009a/v27nov9u.htm


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home