Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عـبدالقيوم

الجمعة 1 أغسطس 2008

فواتير العـشرية السوداء

عـيسى عـبدالقيوم

تحدث السيد سيف الإسلام القذافي فى 24/7/2008م أمام جمع من الليبيين تحت شعار " الحقيقة من أجل ليبيا للجميع " .. وكشف عن بعض الملفات .. ثم جاءت ندوة الفضائية " الليبية " لتضيف حلقة أخرى .. ثم إنطلق الموقع الجديد " نداء القذافي " ليفتح ملفات صوتية ومرئية وورقية كشفت المزيد والمزيد .. مما يعني أننا أمام حدث سياسي مدروس تريده الدولة كمدخل لمصالحة وطنية وبداية حقبة جديدة .. فهل سيفي بالغرض أمام ضخامة فواتير العشرية السوداء ؟!!.

فى تقديري الشخصي .. ووفق ما نعلمه جميعاً عن تركيبة الحالة الليبية وتناقضتها.. لن يجدي أن نقف أمام الأحداث لنقايسها بمفردات الأجندة المثالية ..أو لنعدد مثالب ونواقص مشاهدها .. لسبب بسيط وهو كون عودة المشهد الى نقطة البداية لن يزيد الأمور إلا تعقيدا .. وهو ليس من مصلحة أحد على أي طرف من معادلة الخصومة كان .. وأتصور أن جعل التحدي فى القدرة على التنفيذ وتقديم ضمانات لعدم تكرار ما حدث هو أفضل مئة مرة من تكرار توصيف واقع لم تعد حتى الدولة تنكر أو تتنكر لحدوثه .. فقد قلت ذات يوم أن التعقيد الذي لحق بالحالة الليبية سيجعلها عصية على الحلول النموذجية .. ولا مناص من تفتيت الأزمة كي تقبل من كافة الأطراف .. وكي تمر من مسامات ضيقة باتت تجسد أحد خصائص الحالة الليبية .. كون الجميع يعلم بأن لا أحد سيقبل تقديمه ككبش فداء " وحيد " لتصفية فواتير عشرية حالكة .

ولعل الشيء العملي .. غير توصيف الماضي .. هو الحديث عن المستقبل .. وهنا لا مناص من القبول بفرضية أن ما يجري قد يشكل نقطة بداية .. سمها ناقصة .. سمها مثلومة .. سمها صغيرة سمها مبسطة .. لا يهم كثيرا .. كون كل ما سيقال سيقع فى دائرة الوصف الذى بات شبه محل إتفاق بين الداخل والخارج .. وسياسياً لا يعوّل على القدرة على التوصيف فى حل الأزمات .. وهنا ربما سيأتي تذكر عبارة " التنازلات المؤلمة " التى سبق لي وأن أشرت إليها ذات يوم فى سياق الحديث عن حلحلة الأزمات الكبيرة .. فلا توجد أزمة حلت بدون تقديم تنازلات مؤلمة من كافة الأطراف .. من قضية جنوب افريقيا .. الى قضية البوسنة .. مرورا بقضية إيرلندا .. وحتى قضية فلسطين .. وهو مبدأ سياسي برغماتي لا يعني بتاتاً إنهيار القيم بقدر ما يعني تفهم المعطيات .. وتقدير حجم القوة الدافعة .. وحسابات المزاج الدولي .. ورصد متطلبات المصلحة الوطنية العليا الخ .. ولعل النظام قد سبق هنا .. وقدم تنازلات تتعارض وعقيدته السياسية .. وتمس قائمة ما كان يعتبره الى زمن قريب من الثوابت .. فتحرك من مكانه بزاوية يكابر كل من يزعم عدم رؤيتها .. ويتفهم أمر كل من يتخوف منها أو من مستهدفاتها على خلفية تجارب سابقة لم توفق فى تحريك الماء الراكد .

إذن فهناك بوادر تبدّل فى قواعد اللعبة السياسية على نحو ما .. وهناك إعادة رسم للمرحلة من قبل الدولة تمخض عنه رضوخها لمنطق يقترب من فكرة إعاة الإنتاج .. قد نتفق على أن العملية ليست نموذجية .. وقد نتفق على أن كمية الثقة غير كافية لهضم عملية بهذا الحجم .. وقد نتفق على أن الأزمة كبيرة ومتشعبة ومؤلمة وتحتاج لطرح أعمق ومشاركة أوسع .. ولكن فى النهاية سنصل الى السؤال السياسي : هل يمكن أن تحقِق مصلحةٍ ما للوطن والمواطن ؟!.. وهنا قد نختلف أيضا حول حجم المصلحة .. ولا ضير فى ذلك .. لذا فأنا اتحدث عن المصلحة فى إطارها الواسع .. أي بما يشمل تمهيد الطريق أمام تحقيق مصالح أكبر وأعمق .. ولعل طرح الموضوع من هذه الزاوية سيجعل فكرة التداول حول القضية المطروحة وتحليلها يقع ضمن نطاق ممارسة السياسة حيث لا تجريم ولا تخوين ولا مزايدات .. بل أراء تقبل أو ترفض وفق معايير تدافع الإجتهادات البشرية .. أما إذا ما فتح النقاش من جهة ( مع أو ضد ) وتم تحويل المفردات السياسية الى رماح تنصب على أسنتها أجندات خاصة .. فسنعود الى المربع الأول أين يطيب الركل والشتم والإقصاء .. وتنشط أسواق الديماغوجية من عقالها .

وعليه قد يكون من المفيد الحديث عن المستقبل .. وهنا قد نقف ـ فى سياق الحدث ـ عند عدة نفاط هامة :

الأولى : أن معنى المصالحة الوطنية أن لا يبقى معها ملفاً قابعاً فى طرف معتم .. أو بعيداً عن طاولة الجدل الوطني .. فالتواطؤ على إبعاد ملف أي إنتهاك قد يجلب معه شبهة الرشوة السياسية .. والتواطؤ على تهميش أو إقصاء أي ملف سيعني أننا أمام مذبحة للمنطق القيمي على حساب منطق الكسب .. وهذه أم الخطايا السياسية .

الثانية : طالما أن خلاصة ما عرض من معلومات يشير الى وجود أخطاء منهجية وتفسيرات تعسفية للائحة العقوبات .. وإنحرافات عقائدية تتصل بايديولوجية الدولة .. فوفق مبدأ " ما بني على باطل فهو باطل " يفترض أن كافة الأحكام السياسية والتصنيفات التى أنتجتها حركة اللجان الثورية أو الأمن سيطالها بالضرورة البطلان .. ولا يمكن قبول تبرير فعل الدولة دون إعتبار فعلها تبريرا لردة فعل الطرف الأخر .. كي لا نقع فى سيئة إزدواجية المعايير .. أو شبهة تصفية الحسابات على حساب تصفية الأزمات .

الثالثة : ينبغي فى تقديري .. ومن أجل مشهد سياسي مقبول .. ربط قصة قبول أورفض فكرة المصالحة الوطنية بتحقق جملة من الإصلاحات على الأرض كإلغاء القوانين المقيدة للحريات .. مثل قانون الشرف سيء الصيت.. وتحقيق العدالة فى جملة من القضايا العالقة كالشروع فى إطلاق كافة سجناء الرأي وتعويضهم .. وإعادة يتوزيع الثروة بشكل عادل وعلمي .. وإعادة تدوير وتفعيل فكرة المنابر السياسية من أجل مناقشة ملفات عالقة ومشاريع ومسودات تهم الشارع الليبي كمسودة الدستور .. ومسودة قانون الصحافة .. ومسودة قانون مؤسسات المجتمع المدني ... الخ . ولا تربط قصة الرفض والقبول بالنوايا كونها عنصراً غير منضبط فى تقييم أي حراك سياسي .. ولا يمكن حسابها أو قياس زواياها .. فليكن الملموس والمشاهد على الأرض هو الفيصل لإنضباطه ولإمكانية مراقبته .. ولتترك النوايا لمن عنده علمها وله حق المحاسبة عليها .

فى تقديري بالرغم من قسوة وشراسة تجربة الماضي .. وبالرغم من نضوب وعاء الثقة بين مؤسسات الدولة ونخبها ومواطنيها فى الداخل ـ فضلا عن الخارج ـ .. ورغم تعثر أغلب المشاريع التى أقترحت فى الفترات القريبة الماضية .. فإن قبول مبدأ الحديث عن التفاصيل هو ما يحتمه المنطق السياسي .. وتعليق رفض أوقبول فكرة المصالحة الوطنية على سلة مطالب أجدى الف مرة من تعليقها على شمّاعة إعادة التوصيف .. فكل القضايا التى نتابع فصولها تشير الى أناس فى حالة خصومة وفى ذات الوقت هم فى حالة إشتباك إيجابي .. وهذا لا يعني بتاتاً أن يتنازل المرء عن مطالبه أو حقوقه فى وطنه .. فأنا لازلت أومن بشعار " الشراكة فى الوطن " فمنه أنطلق فى البحث ـ رفقة الناس ـ عن مصلحة بلدي .. فالكرة الأن فى كافة الملاعب وليس فى ملعب طرف على حساب طرف .. فهي فى ملعب الدولة من أجل إنجاز وعودها وإثبات أنها جادة ولا كولسه فيما نرى .. وهي فى ملعب المهجر من أجل إثبات أنه لا يشترط غير مصلحة الوطن والمواطن وأنها ما تجعله يرضى أو يسخط .. وهي فى ملعب المواطن كي يتعلم الدرس بأن نيل الحقوق يتطلب قليل من الوعي وكثير من النضال .

أمل أن نرى فى النصف الثاني من هذا العام (2008) ما يجعل لكل ما شاهدنا وسمعنا قيمة .. فما لمسته من خلال مناقشات جادة أن الناس لا ترفض المصالحة .. ولا ترفض تجاوز الماضي .. ولكنها تتساءل هل ما قيل ويقال حقيقة ذات إستحقاقات من أجل مستقبل البلد .. أم هو داخل ضمن حسابات سياسية ضيقة ؟!!.. أتصور أنه سؤال مشروع وعلى الدولة أن تثبت العكس .. وأن لا تنظر لتخوفات الناس على أنها سلبية ليبية .. لأنها حينئذ ستخسر الرهان .. بل يجب أن تنظر الى ذلك على أنه جزء من ترٍكة الماضي وأثار سياسات أنتجتها وساقت الناس الى أتونها .. من هنا يجب عليها أن تبرهن على أن ما يُعرض هو حلقة فى مشوار طويل جاد ومسئول .. وليست من أساطير الأولين .. ولا أضغاث أحلام المتأخرين .. ووقاكم الله شر منزلة بين المنزلتين .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
مدونة جورنال ليبيا : http://essak.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home