Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

الجمعة 29 يناير 2010

لماذا ألغى إدريس السنوسي الأحزاب في ليبيا بعد الإستقلال!؟

- وهل يمكن تصور حياة سياسية سليمه ونشطة بدون أحزاب!؟ -


سليم نصر الرقعـي

إلغاء الملك إدريس – رحمه الله – للأحزاب إنما جاء – من وجهة نظري - نتاج فكرة خاطئة وخبره سيئة عن الأحزاب السياسية بشكل عام وقصور في فهم دورها المهم والحيوي في الحياة السياسية .. وهذه الفكرة الخاطئة والخبرة السيئة عن الأحزاب العربية تكونت لدى السيد إدريس السنوسي في مصر حينما كان يقيم فيها أثناء حقبة الإحتلال الإيطالي .. حيث عاين بنفسه حالة النفور الشعبي من الصراعات الحزبية المصرية وكذلك عاين الفساد السياسي الكبير الحاصل في مصر والذي تورطت فيه بعض الأحزاب الكبيرة وخصوصا ً أحزاب "الباشوات" التقليدية التي كانت ترعى وتحمي النظام الإقطاعي المصري في الريف .. ثم شاهد بعد ذلك كيف أن العسكر بعد إستيلائهم على السلطة في مصر بقيادة "جمال عبد الناصر" – فيما بات يُعرف بثورة 23 يوليو – وبعد اطاحتهم بالملك فاروق - قاموا بإلغاء الحزبية في مصر بكل سهولة ودون إعتراض خطير وسط معمعة وفرحة الناس بالتغيير السياسي الكبير!... حيث أن المزاج الشعبي العربي العام في ذلك الوقت - وربما حتى الآن – لا يتحمس كثيرا ً ولا يميل للتعددية الحزبية والسياسية وينفر منها لعدة عوامل وأسباب تحتاج إلى دراسة نفسية وإجتماعية! .. فالوضع العربي العام والمزاج الشعبي العام كان – وربما لايزال - ضد الحزبية أو بالأحرى ضد التعددية الحزبية وينفر منها ويرى عيوبها ولا يدرك مزاياها! .. وبلا شط أن السلطات الحاكمة وكذلك الأحزاب العربية المعارضة ساهمت بقدر كبير في تشويه سمعة "التعددية الحزبية" في العالم العربي وبالتالي في تنفير الجماهير من هذه الحزبية وهذه التعددية مع أن الإستعمال الخاطئ للأدوات كمن إستعمل سكينا ً في قتل أخيه لا يعود بالنقض على صلاحية هذه الأداة في ذاتها وأنها ذات فوائد ومنافع متعددة للناس! .. ولكن الناس تحب التعميم وإصدار الإحكام الكلية العامة والإجمالية الصارمة ولا تميل للتحليل والتفصيل فربما تكره "السكاكين" وترى أنها تشجع الناس على القتل !! .. وهكذا حال الناس في مجتمعاتنا العربية من "الحزبية" بل إن المزاج العربي الشعبي العام قد يقبل فكرة "الحزب الواحد" و"الرجل الواحد" لكنه ينفر من التعددية الحزبية والسياسية ولا يستطيع نفسيا ً إستيعابها لذلك لا يقيم وزنا ً للديموقراطية ولا يفهم فوائدها ولا ما الداعي إليها مع أن الناس دائما ً هم أول ضحايا الديكتاتورية والإستبداد وما يترتب عنها من شيوع النفاق والظلم والفساد في البلاد! .. بل لا يزال "الحلم بوجود حاكم واحد مفرد فريد يسيطر على الأمور ويحقق الأمن والعدل بشكل صارم" هو ما يسيطر على المخيال الشعبي العربي ويوجهه من اللاشعور منذ عصور مديدة! .. وربما تعزز هذه الحالة وهذا الميل وهذا الحلم عقيدة الإنتظار التي تقوم على فكرة قدوم "المهدي" أو "المسيح المنتظر"! .. ذلك الرجل والإمام القوي والفذ والخارق للعادة الذي سيملأ الأرض عدلا ً كما ملئت جورا ً !!!.

ثم وبالنسبة لإدريس السنوسي – وبوصفه مسلما ًمتدينا ً – وكذلك الحال بالنسبة للمتدينين الذين يأخذون القرآن الكريم على ظاهره الحرفي – فقد عزز من حالة النفور لديهم من الحزبية وعزز من نظرتهم السلبية للتعددية الحزبية ورود لفظ " الأحزاب" في الأيات القرأنية في موضع الذم وتفريق الدين مثل قوله تعالى : ( كل حزب بما لديهم فرحون) أو كما جاء وصفهم في "سورة الأحزاب" بإعتبارهم أعداء النبي!! .. فبلا شك أن عقلية ونفسية " المتدين" ستتأثر سلبا ً بهذه العبارات القرآنية وتسقطها بالتالي بضلالها ومعانيها السلبية والمعادية للدين ووحدة المسلمين على مفهوم الأحزاب السياسية – بالمعنى المعاصر الحديث – لا لشئ إلا بسبب تشابه الألفاظ هنا !!! .. مع أن الأحزاب بالمعنى السياسي المتعارف عليه ليس هو المعنى الديني المقصود في القرآن الكريم والذي يعني الطوائف والفرق الدينية المتفرقة في الدين والتي يكفر بعضها بعضا ً بل ويقاتل بعضهم بعضا ً كما حدث مع اليهود والنصاري ثم لاحقا ً مع المسلمين كما هو حاصل الآن بين "السنة" و"الشيعة" في عدة بلدان إسلامية ! .. فالأحزاب في القرآن غير الأحزاب في العلوم السياسية .. إذ أن الأحزاب في القرآن هي الفرق الدينية بينما الأحزاب في عالم السياسة هي الفرق والنوادي السياسية .

ولا أدري من هو أول عربي قام بترجمة عبارة (Party) والتي تأتي في الإنجليزية بمعنى "الفريق" أو "الطرف" أو "الجزء" أو "الجناح" السياسي إلى عبارة "حزب" القرآنية وما يرتبط بها من معان غير مستحبة وظلال دينية في القرآن الكريم !!؟؟ .. فلو أطلق على الأحزاب منذ البداية عبارة "الجمعيات السياسية" لما حدث هذا اللبس! .. ولكن بالتأكيد فإن تعريبها إلى لفظ "الأحزاب" أدى إلى تلك الإسقاطات الدينية المنفرة من الحزبية في نفوس المتدينين وعموم شعوبنا متدينة!! .. كما أن هذا التطابق الحرفي والإسمي ساهم في إستغلال السلاطين والإتجاهات الرافضة للحزبية لهذه الأيات لتجريم وتحريم الحزبية بدعوى دينية وأحيانا ً بدعوى الخوف على الوحدة الوطنية!.. وهذا الإلتباس الإصطلاحي من جهة فضلا ً عن الفكرة الخاطئة والخبرة السيئة عن الأحزاب المصرية إبان حكم "فاروق" فضلا ً عن إلغاء "عبد الناصر" – البطل القومي المحبوب في ليبيا في ذلك الوقت – للحزبيه بكل يسر ودون إعتراض شعبي كبير .. كل هذه العوامل ساهمت في تشجيع إتخاذ قرار إلغاء الحزبية في ليبيا في عهد "إدريس السنوسي" .

ولكن للتاريخ وللحقيقة نقول أن إدريس السنوسي كان قد ألغى "التعددية الحزبية" بقرار وإجراء سياسي فقط وليس بقانون دستوري يحرم ويجرم تشكيل الأحزاب إلى الأبد كما فعل خلفه العقيد معمر القذافي فيما بعد فيما عُرف بقانون تجريم الحزبية – سيئ الذكر – الصادر عام 1972 والذي جعل من عقوبة تشكيل الأحزاب السياسية بل حتى مجرد الإنضمام لحزب أو تشكيل سياسي جريمة عقوبتها الموت!!! .. ولهذا فإن المطالبة بعودة الأحزاب كان ممكنا ً في ذلك الوقت خصوصا ً في ظل المواد الدستورية التي تؤكد على حرية تكوين الجمعيات المدنية ولكن القوى الوطنية لم تقدم على هكذا خطوة مع أن المعارضة كانت حاضرة يومها في الشارع والبرلمان والصحافة الحرة والمستقلة ! .. وهذا ما أكده الأستاذ "فاضل المسعودي" في لقاء له مع "مجلة الحقيقة" - أي توفر "الإمكانية الدستورية" وعدم المطالبة بها - كما أن هذا ما بينه المرحوم "حسين مازق" أمام محكمة الشعب العسكرية عندما ناقشه بعض الضباط الإنقلابيين الذين كانوا يقيمون بمهمة "القضاء!!" عن حقيقة الوضع السياسي في العهد الملكي وهل كان يعبر عن الإرادة الشعبية فأكد السيد "مازق" على أن سياسات الحكومات في ذلك الوقت كانت تستلهم "الإرادة الشعبية" ثم إعترف بأن هناك نقصا ً كان يعتري النظام السياسي البرلماني الليبي وهو عدم وجود ما أسماه "المؤسسات السياسية" وكان يقصد "الأحزاب" وأكد على وجود مناقشات حول هذا الموضوع في أروقة الحكم !!.

وفي الختام ومع أنني لست حزبيا ً ولست عضوا ً في أي حزب سياسي ولا أي تنظيم سياسي أو غير سياسي ولا أعتقد أنني أصلح للعمل الحزبي أو السياسي أصلا ً إلا إنني من خلال إطلاعاتي وتأملاتي لأحوال النظم السياسية ولحقائق الواقع السياسي كما هو لا كما في الإفتراضات النظريه أو كما في الآوهام الطوباوية وصلت إلى قناعة تامة وجازمة مفادها بأنه لا يمكن تصور حياة ديموقراطية سليمة ذات كفاءة وفاعلية في تحقيق حرية وإرادة جمهور الأمة ولا يمكن تخيل حياة سياسية حرة للمواطنين ووضع وطني عام فاعل ونشط إلا بوجود تنظيمات ونوادي وجمعيات وفرق سياسية مختلفة ومتنافسة تنور وتحرك الرأي الشعبي العام وتقدم للأمة الخيارات المختلفة لتختار من بينها ما يعتقد جمهور الأمة صحته وجديته بكل حرية وأمان بل ولتحمي هذه "الجمعيات والتنظيمات السياسية المستقلة عن السلطة" الشعب من تغول الدولة وأجهزتها المنظمة والبوليسية .. فالشعب بدون التنظيمات السياسية هو شعب أعزل أمام الدولة والحكومة وأمام قيادة هذه الدولة فهو بدون التنظيمات السياسية كالجسم بدون العضلات! .. عبارة عن نسيج لحمي وعظمي حي ولكنه غير قابل للوقوف ولا الحركة ولا البطش ولا الدفاع عن نفسه!! .. إلا أن نجاح مثل هذه الآليات الديموقراطية – ونحن هنا نتحدث عن الأحزاب والتنظيمات والحركات السياسية – يتوقف على عدة شروط من أجل أن تؤتي ثمارها الفعلية وتحقق الغايات المرجوة منها وأهم هذه الشروط شرطان أساسيان وهما :

(1) توفر الحرية السياسية بالفعل لا بمجرد التشريع القانوني ولا الشعارات .
(2) توفر النخبة السياسية الوطنية الراشدة والناضجة التي تحتكم في خلافاتها ومنافساتها للعقل والضمير والمنطق والدستور وتغلب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية وترفض إنتهاج النهج الغوغائي والدعائي المزيف والخادع للجماهير.

سليم الرقعي
_________________________

(*) إقرأ أيضا ً : هل الحريات في ظل الإحتلال أفضل منها في ظل الإستقلال!؟
http://www.libya-watanona.com/adab/elragi/sr240110a.htm



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home