Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم نصر الرقعـي


سليم نصر الرقعي

السبت 28 مارس 2009

لماذا هاجرت؟.. لماذا غادرت بلادي وبلاد أجدادي!؟

هذه قصتي!؟

- قصة تطوري الفكري ومعارضتي للنظام وخروجي من البلد! -

سليم نصر الرقعـي

سألني أخ كريم عن سر هذه الطاقة المتدفقة في الكتابة وبهذا الزخم – على حد تعبيره - وعن سر هذا الصبر على الكتابة المستمرة شبه اليومية منذ ما يزيد عن الـ 7 سنوات بلا كلل ولا ملل حتى اليوم ! .. وكان جوابي أن الدافع الأساسي على الإستمرارية هو (العقيدة) أي عقيدتي السياسية والمرتبطة – في عقلي وضميري - بعقيدتي الدينية وتصوري للحياة الدنيا ودور الإنسان فيها ومهمته الأساسية التي أنزله الله للأرض لأجلها ! .. ثم يأتي بعد هذه العقيدة عامل آخر مساعد وهو (الطاقة النفسية المكبوتة) التي تراكمت عبر 10 سنوات تقريبا ً من القمع والكبت ومن الحرمان التعسفي من حق التعبير عن الرأي السياسي بكل حرية وأمان في جماهيرية القذافي الشمولية الفاشلة ! .. فكأن هذه الطاقة النفسية المتراكمة بفعل القمع الفوقي البوليسي والمنع السياسي طويل الأمد تخزنت عبر السنين كل تلك الفترة ثم إنفجرت فور الحصول على إمكانية الكلام والتعبير عنها في صفحة (ليبيا وطننا) عام 2001 مع ما يصاحب هذا التعبير من مرارة وغضب نتيجة سنوات الإضطهاد والحرمان من حق التعبير والإضطرار- بالتالي - إلى مغادرة الوطن الحبيب وأهله الطيبين وأرض الأجداد والأباء والأحباب والأصحاب! .. وكان هذا البيت من الشعر الشعبي للتعبير عن هذا العامل النفسي المساعد على الإستمرارية :

عشر سنين وكامي جروحي
وكاتم بَوحي
مخنوق وناكل في روحي
عشر سنين !؟

فحتى عام 1983 - وكان عمري يومها 20 عام تقريبا - يمكن تصنيفي كموالي للنظام وكان معروفا ً عني أنني أحب متابعة كل خطابات (الأخ العقيد!؟) وكنت من المعجبين به جدا ً كإعجابي بعبد الناصر منذ صغري وكنت – لسذاجتي – أرى أنه رمز الوطنية وكنت أصدقه في كل ما يقول ! .. بل وصل إعجابي به إلى حد أنني كنت في المرحلة الأعدادية - وكان عمري يومها 16 سنة تقريبا ً - علقت صورته في غرفة نومي حتى أن بعض الأقرباء أو الأصدقاء حينما كانوا يدخلون لغرفتي يشهقون حينما يشاهدون صورة (الري؟) معلقة هناك قائلين في سخرية وإستنكار : ( أعوذ بالله !!!.. تي شنو هذا ؟؟) ثم يلومنني ساخرين : ( كيف تنام وصورة الشيطان في دارك !!؟) وكنت يومها - ولسذاجتي - أستنكر هذا القول وأدافع عن (الأخ العقيد) بل كنت أتشاجر مع أحد أقربائي بسبب أنه كان يحب (السادات) وأنا كنت أحب (الأخ العقيد) !! .. هل تصدقون !!؟ .. ولكن هذه هي الحقيقة ! ..... ثم بدأت ألاحظ يوما ً بعد يوم الواقع من حولي يسوء والناس تشكو ولكن بصوت خافت خفيض والخوف يملأ قلوبهم والإرهاب يعقد ألسنتهم ! .. فكل من رفع صوته بالتأفف أو الإحتجاج يومها طار وإختفى عن الأنظار !!! .. ثم بدأتُ يومها أتأثر بكتب (مصطفى محمود) الفكرية بعد أن كنت أدمنت الإطلاع على كتبه الأدبية وقصصه الغريبه وكتبه الفلسفية والدينية ومعالجاته الساخرة لمشكلات ومراسلات الحب والعقد النفسية منذ أيام المدرسة الإعدادية كإدماني على برنامجه المميز (العلم والإيمان) الذي كانت تبثه قناة النظام يومها من على شاشتها وسط كل ذلك الكم الهائل من الغثاء والغناء والعواء الثوري المزعج والممجوج ! .. وتأثرت كذلك بكتبه في نقد الماركسية والإشتراكية .... ثم كانت رحلة ذهابي للحج رفقة والدتي عام 1983 حيث إلتقيت برجال من (جبهة الإنقاذ) - أظن أن السيد علي بو زعكوك كان من بينهم ! - وكذلك عزت أو أنور المقريف على ما أذكر - حيث كانوا يومها يوزعون وسط الحجاج الليبيين (!!؟؟) منشورات مسموعة ومقروءة ضد النظام وكان إستماعي لبعض تلك الأشرطة شكل يومها صدمة كبيرة بالنسبة لي خصوصا ً وأنها تتحدث عن الجرائم والإنتهاكات التي وقعت في ليبيا بتحريض من القذافي نفسه !! ... وبدأ يومها يتشكل لدي وعي سياسي جديد حول (الأخ العقيد) وحول الوضع السياسي في ليبيا! .. ماهي حقيقته وما هي طبيعته؟ .. وكنت يومها - أي أثناء الحج - قررت أن أحمل معي أحد هذه (الأشرطة المسموعة) من تسجيلات إذاعة (صوت الشعب الليبي) حيث قمت بتهريبه في إحدى ألعاب الأطفال (سيارة أطفال) بعد أن أخذت قالب الشريط الداخلي وتخلصت من الغطاء الخارجي ووضعت القالب في جوف اللعبة ! .. ومر الشريط بالفعل عبر اللعبة من التفتيش والرقابة في المطار وكذلك قمت بتمرير مجموعة أخرى من أشرطة (الشيخ كشك) رحمه الله بالطريقة ذاتها حيث كان الإستماع يومها للشيخ كشك مثلا ً كاف لإثبات تهمة (الخوان المسلمين!؟) عليك والذهاب بك - بالتالي - إلى أمك الهاويه وما أدراك ما هي ؟! .. وفي البلد قمت بطبع عدة نسخ من هذه الأشرطة ووزعتها على بعض المعارف والأصدقاء وكذلك على بعض زملائي الطلبة في (جامعة النجم الساطع) بالبريقة بعد إلتحاقي بها في ذلك العام ! .... ثم جاءت أحداث باب العزيزية عام 1984 وشكلت في ذاتها وتبعاتها (صدمة) هزت النظام والمجتمع الليبي ككل كما هو معروف وخلقت وعيا ً جديدا ً لدى الناس وكذلك الحال بالنسبة لي ! .. وفي الجامعة – النجم الساطع – حيث كنت أدرس يومها حدثت مشاحنات ومناقشات حادة يومها بيننا وبين بعض أعضاء اللجنة الثورية (المسلحين!؟) على خلفية (أحداث مايو) و(مشانق رمضان) وتعرضت المثابة لحريق متعمد – لا أعلم حتى اليوم من قام به !؟ - ولكنني وبعد هذه الواقعة وبضغوطات من بعض الأقرباء غادرت الجامعة للعمل في محطة تحلية المياه بالزويتينة في تخصصي الأساسي الذي تخرجت به من معهد الكهرباء ببنغازي كمشغـّـل وفني تشغيل في محطات الطاقة والتحلية ( وكنت من أوائل الخريجين وصاحب الترتيب الرابع على مستوى ليبيا) .. وكان إستئنافي للعمل في محطة الزويتينة لإنتاج الماء والكهرباء على أساس أنني سأعمل هناك لمدة ستة أشهر ثم يتم بعثي للخارج لإستكمال دراستي في جامعة ألمانية لدراسة الهندسة الكهربائية هناك ولكن ساءت العلاقة مع ألمانيا ومع الغرب يومها بشكل عام بسبب الأعمال الارهابية التي مارسها وتورط فيها أعوان القذافي من اللجان الثورية في الخارج ووصلت إلى حد إطلاق النار على المعارضين هناك وقتلهم ومن ثم تم إلغاء البعثة !.... وفي تلك الفترة وقعت في يدي مجموعة من كتب المفكر المصري الإسلامي (الليبرالي) (خالد محمد خالد) - القريب من دوائر الناصريين - ومع أن مرجعيته إسلامية إلا أنه كان يؤمن بالديموقراطية والحزبية والتعددية - بخلاف الناصريين - وأعجبت بأسلوبه وأفكاره التي يطرحها في كتبه ومنها كتاب ( من هنا نبدأ !) .. ذلك الكتاب الذي أثار يوم نشره في مصر في الخمسينيات ضجة ومعارضة كبيرة لدى الإسلاميين (الأصوليين) و(التقليديين) وكذلك تأثرت بكتابه كتابه القيم ( هذا أو الطوفان !) ومجموعة كتب أخرى يربط فيها هذا المفكر الإسلامي الديموقراطي (الليبرالي) الإسلام بالديموقراطية وحرية وحقوق الإنسان وهو ما ترك أثره البالغ في فكري السياسي وخطي الإسلامي العام في وقت مبكر من نشأتي السياسية حتى اليوم مع أنني مررت في عملية مطالعاتي الفكرية بمعظم محطات الفكر الإسلامي وتأثرت بكل منها بصورة ما وإلى حد ما كالسلفية والقطبية وفكر الإخوان وفكر الجهاد والتبليغ وغيرها إلا أن هذا (الخط الفكري الإسلامي المتحرر) للمفكر خالد محمد خالد وكذلك للدكتور مصطفى محمود من قبله كان هو الإتجاه الأول والأساسي والعميق في فكري السياسي الإسلامي والديموقراطي ثم تأكد هذا الخط - بعد ذلك وتعمق - مع قراءاتي لفكر محمد عمارة وفهمي هويدي وسليم العوا ...... بعد ذلك وسعت دائرة إطلاعي فإطلعت على بعض كتب (عصمت سيف الدولة) عن (الطريق للثورة العربية) والديموقراطية والإشتراكية وإكتشفت تأثر القذافي بهذا الكاتب القريب من الناصريين لحد كبير خصوصا ً في فكرة الديموقراطية الشعبية المباشرة أو ما أطلق عليه هذا المفكر المصري مصطلح (الجدل الإجتماعي الشعبي) !! .. وإطلعت أيضا ً على كتب عامة في أصول علم الإجتماع والإقتصاد والنفس والأخلاق والفلسفة مع شئ من الدراسات الإسلامية الشرعية وكتب أخرى تتحدث عن الإشتراكية والديموقراطية ودرستُ بنفسي الكتاب الأخضر بكل فصوله وشروحه وشروحات تلاميذ القذافي كأحمد إبراهيم ورجب بودبوس وغيرهم بعقلية محايدة ومنفتحة لا معارضة ولا حاقدة في ذلك الوقت .... وفي عام 1985 تبلور لدى موقف فكري وسياسي معارض للقذافي ومعارض لنظامه وفكره بشكل نهائي وقاطع - وعن بينة وتدبر دقيق وتفكر عميق - إزداد وترسخ مع متابعتي لإذاعة صوت الشعب الليبي لجبهة الإنقاذ على الرغم من صعوبة لتقاط البث يومها بسبب التشويش المتعمد الذي تقوم به سلطات القذافي ...... وفي محطة الزويتينة - حيث كنت أعمل يومها - زار المحطة مدير معهد الكهرباء ببنغازي وحينما وجدني هناك فرح بلقائي ثم أخبرني أنه تم إضافة (القسم العالي) لمعهد الكهرباء المتوسط بالقوراشة وحثني على الإلتحاق بالمعهد العالي ولتشجيعي على ذلك أخبرني بأنه سيتم إلحاقي بالفصل الثاني مباشرة في المعهد العالي بإعتباري من خريجي المعهد المتوسط وأوائل الطلبة .. فذهبت إلى بنغازي وإلتحقت بالمعهد العالي وفي (السمستر) الثاني بشكل مباشر كما أخبرني السيد مدير المعهد ........ في عام 1988 عدت إلى إجدابيا وهناك وجدت الصحوة الإسلامية كانت على أشدها وإلتقيت الكثير من الأصدقاء القدامى الذين كانت تربطني بهم علاقة أخوة وجوار وصداقة وحوار متبادل حيث أصبح صالون بيتنا (مربوعتي) شبه النادي الفكري الحواري الذي يقصده - بشكل شبه يومي - الكثير من الأصدقاء والمعارف والشباب - خصوصا ً من الإسلاميين بكل توجهاتهم - للتحاور والنقاش - مع طاسة الشاي الأخضر - حول الكثير من القضايا العامة .. ثم حدثت المصادمات الشهيرة عام 1989 في إجدابيا وبنغازي ومصراتة .. وسادت في إجدابيا حالة من التوجس والترقب والخوف خصوصا ً وأن الكثير من المعتقلين هم من أصدقائي وجيراني ففضلت الإعتزال في البيت والإنهماك في مطالعة الكتب الإسلامية وغير الإسلامية .... في عام 1990 تركت إجدابيا وإنتقلت لبنغازي نهائيا ً .. وفي بنغازي إبتعدت عن المتابعات السياسية بل وعن الكتب السياسية وإتجهت إتجاها ً أدبيا ً من حيث الإطلاع أو الكتابة وإطلعت على مدارس الأدب الغربي بشكل عام وإشتركت في مكتبة بنغازي العامة القديمة التي بقرب سوق الحوت وأدمنت على إستعارة الكتب منها والتردد عليها .. ثم وفي عام 1993 إلتحقت بالخدمة الوطنية لمدة عامين – أي في الوقت الذي وقعت فيه محاولة أكتوبر الإنقلابية - وخضت بنفسي يومها تجربة الحياة العسكرية بمتاعبها ومصاعبها وبمواقفها الطريفة لمدة عامين ذقت فيها بشكل مباشر طعم العبودية وكيف تصبح مملوكا ً لغيرك ! .. وتعرفت فيها عن كثب وبشكل عملي على (طرق السيطرة العسكرية الديكاتورية) على البشر ! .. تلك الطرق التي إستعملها العقيد القذافي ضد الشعب الليبي لإحكام سيطرته عليهم !!!؟ وتعلمت كيف تتم السيطرة على الإنسان – هذا المخلوق الذي كرمه الله - بحيث يصبح مجرد (رقم) أو (خرقه) و(ألة) لايملك من أمره شيئا ً إلا طاعة أوامر آمريه والعصا لمن عصى !! .. وكيف يمكن لضابط واحد متعجرف ومخمور أن يتحكم في قطيع بشري كبير من الجنود والمستجدين ! .. فيوبخهم ويعذبهم و(يمرمرط كرامتهم) بالأرض ليل نهار وهم مستسلمون له بلا أدنى مقاومة اللهم إلا بعض الجنود القلائل الذين يتمردون - وهو أمر نادر جدا ً - ويرفضون الإذلال والمهانة ثم عليهم - بعد ذلك - أن يدفعوا الثمن باهضا ً من حريتهم وسلامتهم وكرامتهم !!! .. وفي عام 1995 أكملت الخدمة (الوطنية) العسكرية الإجبارية .. ووقعت الأحداث الدموية المروعة في بنغازي .. وقد تأثرت كثيرا ً بما حصل يومها مع أنني لا أتفق فكريا ً وسياسيا ً - ومن حيث المبدأ والفكر والأسلوب - مع الخط الفكري والعملي والحركي الذي يتبناه (الإسلاميون الأصوليون) الذين قاموا بذلك التمرد المسلح ضد النظام .. حيث أصبحتْ بنغازي كلها يومذاك شبه ثكنة عسكرية أو ساحة حرب ! ... لكنني - وللحقيقة والتاريخ – نظرت يومها لثورتهم تلك كرد إجتماعي طبيعي وشرعي ضد الظلم والطغيان المتجسد في حكم وشخص العقيد معمر القذافي! .. فهؤلاء الشباب الليبيون بثورتهم الغاضبة والمسلحة تلك كانوا يعبرون - في الحقيقة - عن الغضب الإجتماعي المكبوت وعن الملل العام من الطغيان والحرمان والإضطهاد والإستبداد الذي يمثله نظام معمر القذافي تماما ً كحال ثورة الشباب الأخيرة في بنغازي في 17 فبراير 2006 سواء بسواء .. حيث لايمكن قصها وعزلها عن جذورها ومولداتها الإجتماعية والسياسية ! .. فالعامل الإجتماعي المتأثر بالقهر السياسي والحرمان الإقتصادي في الحقيقة هو من كان وراء خلق مبررات الثورة الشبابية ! .. فهؤلاء الشباب هم أبناء بيئتهم وإلا لماذا لا يقوم الشباب الإماراتي أو الكويتي أو القطري مثلا ً بمثل ما يقوم به الشباب الليبي من ثورات مسلحة وغاضبة وبشكل دوري !!!؟؟ .. ثم لا يجب أن ننسى هنا الإسلوب التهكمي الساخر والمستهتر الذي تناول به العقيد القذافي بعض القضايا الدينية الحساسة في ذلك الوقت بالنسبة للمتدينين ومنها قضية الأحاديث النبوية وتاريخ الخلافة الإسلامية ومكانة الصحابة وفقهاء الشريعة والحج والحجاب واللحية !! .. فقد تناولها العقيد القذافي يومها - وكما تابعت بنفسي وفي محاضرات ألقاها علينا القذافي ونحن طلاب بشكل مباشر أو عبر الدوائر المغلقة - بطريقة سفيهة ومستهترة وساخرة ومستفزة أثارت المشاعر الدينية لدى لا الإسلاميين وحسب بل لدى عموم الليبيين ! .. فهي - إذن - ثورات إجتماعية تلقائية أداتها الشباب الليبي (المتدين) ضد الظلم والحرمان والقهر والطغيان وضد تطاول السلطة واستفزازها لمشاعر الناس وإنتهاك بعض حقوقهم وحرمانهم من الحقوق الأخرى ! .. هذا التطاول والحرمان المتجسد في شخص معمر القذافي ونظامه وأجهزته البوليسية المختلفة ! .. فهي إذن - في أصلها - محاولات للتعبير عن الغضب العارم والرفض العام كما أنها محاولات محكومة بالعواطف أكثر من الفهم العميق والدقيق للأوضاع للخلاص من هذا النظام اللاوطني اللاشرعي اللامعقول ! .. هذه هي حقيقتها وهذه هي طبيعتها بمنظور علمي موضوعي إجتماعي .. لذلك والحق يقال تعاطفت وطنيا ً ودينيا ً مع أولئك الشباب الثائر والغاضب.. ويوم خرجت من البلد ألفت قصائد شعبية تشيد بهم وبتضحياتهم وسجلناها يومها في سوريا عام 1996 على شريط مسموع بعنوان (أدبيات مجاهدة من ليبيا) بصوتي - سأقوم بنشره لاحقا ً - ثم حاولنا تسريبه إلى البلد لتشجيع هذه الثورة المسلحة ضد النظام مع أنني ضد قتل الأبرياء وقتل رجال الشرطة والجيش من حيث المبدأ وأعجبني في (حركة الشهداء) ببنغازي أنها كانت توجه نارها في أضيق الحدود حيث إستهدفت فقط رؤوس الطغيان والفجور في بنغازي على طريقة (تنظيم جند الله) 1986 الذي قام بتصفية الطاغية (مصباح الورفلي) الذي كان قد طغى يومها في بنغازي بالفعل أي طغيان وسام أهلها المذلة والهوان - كما عايشت بنفسي تلك الأجواء – حيث كانت بنغازي تضج من ظلمه وعدوانه وتطاوله على الناس لذلك إستقبل الشارع في بنغازي خبر مقتله يوم العيد بسرور وإرتياح !!! .. لماذا ؟ .. لأنه طغى وتجبر في الأرض وعامل الناس بكبر وإحتقار !! .. هذه هي الحقيقة ولابد من ذكرها للتاريخ .. فالرجل لم يـُقتل مظلوما ً قطعا ً بل دفع ثمن طغيانه وإنتهاكه لحقوق الناس في بنغازي بعد أن تجاوز كل الحدود المعقولة ! .. وكذلك الحال بالنسبة (للشيبية) و(المقروس) وغيرهما من جلاوزة وزبانية القذافي وأدوات النظام الذين كانوا يتعاملون مع من يقع تحت يدهم بقسوة مفرطة ويمارسون التعذيب مع الإحتقار والإهانة !! .. فالظلم والعنف والتعذيب والإهانة والقهر يولد الغضب والعنف بالمقابل .. هذه حقيقة طبيعة وحتمية .......... لقد عايشت كل تلك الأحداث المأسوية والدموية التي كان السبب الأساسي في حدوثها الظلم والقهر والطغيان وعدم إحترام حقوق الإنسان فكان ما كان والله المستعان ! . وقبل ذلك أي قبل مغادرتي للبلد أواخر عام 1995 وخلال هذا العام نفسه كنت قد إطلعت على (كتابين مهميين) كان لأحدهما أثر بالغ في بث (الروح الوطنية) في كياني من جديد وهو كتاب (وثائق ومذكرات جمعية عمر المختار) للمرحوم (بشير المغيربي) الذي زودني يومها بصورة إيجابية للوضع الحقوقي والسياسي في العهد الملكي مقارنة بالوضع الشمولي المغلق في ليبيا معمر القذافي وأدركت يومها حجم الخسارة التي حلت بنا !! .. والكتاب الآخر زودني برؤية تحليلية عميقة عن طبيعة النظم الشمولية ذات التوجهات الإشتراكية والشعارات الطوباوية ومنها نظام العقيد القذافي وهو كتاب (نهاية التاريخ) لفوكوياما ! .

والشئ الذي أختتم به كلامي هنا هو أنني خلال رحلتي الفكرية وخلال مطالعاتي المتنوعة للكتب المختلفة بشغف وبروح الباحث عن الحق والحقيقة خلال تلك السنوات كلها كنت لا أقرأ كمتلقي فقط يأخذ ما يتلقاه عن تلك الكتب التي يقرأها بعلاته أو يتعامل معها على أنها مسلمات نهائية غير قابلة للنقاش بلا فحص ولاتمحيص ولاتفكر وتدبر ! .. بل كنت أقرأ بتدبر وتحقيق وبروح البحث عن الحق والحقيقة وأحيانا ً بعقلية المتشكك (!!؟؟) وكنت أدخل في محاورة ومناقشة فكرية مع هذه الكتب وما فيها من أطروحات وأراء ولذلك جعلت لكل كتاب أقرأه (كراسة مناقشات) بما فيها الكتاب الأخضر نفسه !.... وتراكمت كتاباتي ومناقشاتي وكراساتي حتى أصبحت لدي حقيبتين كاملتين من (الكراريس والقراطيس) التي تعكس مناقشاتي لتلك الكتب المختلفة التي قرأتها وملاحظاتي عليها فضلا ً عن تأملاتي و مقالاتي المستقلة وتصوراتي للنظام السياسي المثالي والبديل ! ... بل وكنت قد كتبت تصورا ً لجمعية أهلية إسلامية تربوية - على نمط الحركة الكشفية - تعني بالتربية الأخلاقية بالدرجة الأولى للنشأ وأطلقت عليها جمعية أو حركة (الأمانة) ولكنني أدركت يومها أن تنفيذ هذه الفكرة مستحيل في ظل نظام شمولي أحادي (بابوي) سلطوي كنظام العقيد معمر القذافي ! ... وسأذكر في وقت لاحق قصتي مع (فرقة السكوني) للمسرح التي كنت عضوا ً مؤسسا ً فيها والتي أسسها الشهيد (طاهر الشريف الغول المغربي) – رحمه الله - في إجدابيا عام 1979 والتي - في حقيقتها - لم تكن مجرد فرقة للمسرح فقط بل كانت – بالإضافة لهذا الفن – جمعية تربوية ولحماية الأطفال والفتيان من الإنحراف والضياع .. هذه الفرقة التي إنتهى أمرها بإغلاقها من قبل اللجان الثورية مما جعل مؤسسها المربي الفاضل (طاهر الشريف) يلتحق بجماعة الجهاد وليلقى مصرعه بعد ذلك في مذبحة بوسليم عام 1996 !! .

عموما ً وكما أخبرتكم فقد دونت الكثير من مناقشاتي وتعليقاتي ومقالاتي في كراسات كثيرة وعديدة كانت مخزنة تحت سريري تربض هناك في كهفها المعتم في إنتظار طلوع الشمس ! .. لكنني وفي خضم أحداث عام 1995 إضطررت إلى التخلص من معظم كتاباتي وكراساتي تلك - للأسف الشديد - عن طريق حرقها وإعدامها بالنار (!!!) كسائر أشعاري ومحاولاتي الأدبية القديمة خوفا ً من (المداهمات الأمنية) التي كانت منتشرة يومها بشكل كبير في البلد وكانت تتم بطريقة همجية ووحشية كما إعترف بعض أطراف النظام وسيف الإسلام فيما بعد ! .. حيث لو أن هذه الكراسات والمقالات كانت قد وقعت في يد رجال الأمن يومها لكانت (حجتي) يومها بالجمعة (!!!؟؟) كما يقولون في المثل الشعبي بكل تأكيد ! .. ولأختفيت يومها مع جملة مع من إختفوا في معتقلات نظام (أصبح الصبح فإذا السجن والسجان باق ٍ) !! .. ولذلك - وقد إضطررت - لإسباب أمنية - أن أتخلص من أولاد عقلي وبنات أفكاري ومقالاتي وكرساتي بحرقهم بالنار أمام عيني ! - وما صحب هذا الأمر من حسرة ومرارة وغصة في القلب باقية أثارها حتى هذه اللحظة التي أخط فيها هذه السطور ! - وصلت يومها إلى قناعة تامة وجازمة - وبشكل نهائي وقاطع - بأنني كمثقف وكاتب وصاحب رأي لا يمكنني - بحال من الأحوال - في وضع ديكتاتوري أحادي إرهابي ومغلق كذاك الذي وجدت نفسي فيه يومها عام (1995) أن أعبر - بكل حرية وأمان - عن حقيقة أفكاري أو أنشر مقالاتي وأرائي - وربما طوال ما تبقي لي من عمر! - وخصوصا ً تلك الأراء المنتقدة للكتاب الأخضر ولتصرفات القيادة الثورية المتعجرفة أو التي أعتبرها ضارة بمصلحة الوطن ولا تلبي تطلعات الليبيين الحقيقية ! .. فعندما يضطر الكاتب إلى أن يعدم ويحرق بيده (بنات أفكاره) وحُشاشة عقله وقلبه - وأمام عينيه - يكون عندها قد وصل إلى حافة الموت !!! .. فكيف يمكن لكاتب أن يعيش وأن يتنفس في مثل هذه البيئة الخانقة التعسفية وفي ظل غياب الحريه ووسط كل هذه المحرمات السياسية ؟؟؟ .. كيف يمكن – بالله عليكم - لصاحب رأي أن يعبر عن ما يعتقده في قلبه وعقله وحبل المشنقة يتدلى أمامه ليل نهار وزبانية المعتقلات وزوار الليل يحيطون به من كل جانب !!؟؟ .. كيف؟؟؟؟؟ .. كيف لكاتب وصاحب رأي أن يطيق مثل هذه الحياة المرعبة وأدلة إدانته موجودة تحت سريره مع سبق الإصرار والترصد !!!!؟؟ .. فالوضع بالنسبة لي يومها لم يعد يُحتمل وكان جحيما ً لا يُطاق على الإطلاق ! .. لذلك قررت أن أفر بعقيدتي السياسية وأخرج للبحث عن متنفس لها ولأفكاري وأرائي السياسية وغيرها من أراء إجتماعية وإنسانية ودينية في أرض الله الواسعة ! .. لذا قررت أن أغادر وأهاجر من ضيق الجماهيرية إلى سعة الله وسعة الحريه ! .. وقد حاول بعض أقربائي ممن علم بنيتي بالرحيل عن طريق والدتي رحمها الله أن يقنعني بالعدول عن هذا القرار لإعتقاده أن السبب الأساسي في رغبتي في الخروج هو إقتصادي بحت لأنني تخرجت من الخدمة العسكرية التي إلتحقت بها متأخرا ً ثم لم أتمكن من العودة لعملي السابق في قطاع الكهرباء كما أنني تأخرت في الزواج كحال الكثير من أبناء جيلي في المجتمع الجماهيري النموذجي الحر السعيد (!!!؟؟) مجتمع الكفاية والعدل والبرجعاجيه !! .. ولذلك بعث ذاك القريب يعدني ويقسم لي أنه في خلال ثلاثة أشهر فقط سيدبر لي مسكنا ً وعملا ً بل ويساعدني في الزواج !! ... وكنت أثق في أنه قادر على إنجاز وعده بالفعل ولكن - في الحقيقة - لم يكن السبب الإقتصادي هو الدافع الحقيقي لرغبتي في الهجرة بل السبب السياسي بالدرجة الأولى وخصوصا ً يأسي من إمكانية توفر حرية التعبير في ليبيا في ظل حكم القذافي ! .. هذا والله هو الدافع الحقيقي والأساسي والأول في هجرتي .. فأنا خرجت من بلدي لأتكلم بكل حرية وأمان ولا سلطان فوقي سوى سلطان الضمير والإيمان ! ... ولو كان الدافع الإقتصادي هو الدافع الأساسي لكنت بقيت يومها هناك ولتحسنت أحوالي قطعا ً بعد ذلك العرض السخي الذي عرضه علي قريبي ذاك بارك الله فيه وأحسن إليه لأعتقاده أن هذا هو السبب الأساسي في رغبتي في مغادرة البلد !! .. ثم إذا كان السبب الإقتصادي هو الدافع الأساسي والرئيسي في هجرتي وفي خروجي من البلد فهاهي أحوالي الإقتصادية اليوم جيدة وأنا متزوج وعندي ولد وأتمتع بضمانات إجتماعية عالية بإعتباري مواطنا ً بريطانيا ً والحمد لله رب العالمين فلماذا لم أصمت مع جموع الصامتين الذين أستقروا في ديار الغرب وفي النعيم الغربي الملموس !!؟؟ .. لماذا لازلت أتكلم وأكتب وأعارض وأعرض نفسي لكل هذه المعاناة والمشكلات والهاجس الأمني ولكل هذا الصداع اليومي المستمر !!؟؟ .. فالمعارضة ليست (تسالي) بل هي مهنة المتاعب والمخاطر خصوصا ً في مواجهة نظام كنظام العقيد القذافي ! .. أليس لو أردت الرفاهية والإستمتاع بوقتي كان من الأفضل لي ولعائلتي أن أطلق هذا الصداع اليومي والهم اليومي بالثلاث !!؟ .. خصوصا ً وأنه (عمل تطوعي صرف) لا أتلقى عليه (أجر مادي) من أحد سوى من رب العالمين !؟ .. أما كان من الأفضل و(الأريح) لي أن أتخلى عن هذا العمل التطوعي وأتفرغ للإستمتاع بوقتي مع عائلتي في النعيم البريطاني العظيم ثم أسعى إلى تحسين علاقاتي وتصفية وضعي مع النظام ولأستمتع بالتالي بزيارة أهلي وقومي ووطني من حين إلى حين مع جملة الزائرين !؟ .. أي أفوز بالحسنيين !! .. مزايا الحياة في الغرب وزيارة الأهل والأحباب في الوطن !!؟ .... أما كان من الأفضل لي و(الأريح) - بالحسابات الدنيوية والمادية الصرفة - أن أهتم بشأني الخاص وأن أدع الخلق للخالق خصوصا ً وأنني رجل أعاني من مرض السكري وإرتفاع ضغط الدم ومشكلات صحية أخرى ! .. وربما عندها أكون معذورا ً لو تركت الإهتمام بالشأن العام لغيري !! .. فالسبب السياسي والحقوقي والفكري والعقدي – إذن – هو الدافع الأساسي في خروجي من البلد كما أنه هو الدافع والمحرك الرئيسي في كتاباتي المعارضة لهذا النظام والمستمرة منذ بدأت أكتب - أي منذ أكثر من 7 سنوات - حتى الآن والتي لم ولن تنقطع بإذن الله حتى أموت أو يكف هذا النظام أذاه عن الشعب الليبي ويستمع لصوت المنطق والعقل وإلى كلمة الحق والعدل فيعيد للناس حقوقهم المادية والإنسانية والسياسية وعلى رأسها (حق التعبير) عن الأراء السياسية المخالفة للفكر والرأي الرسمي وفكر معمر القذافي وحق إنتقاد ومعارضة قيادة الدولة أيا ً كان شاغلها !! .... ولذلك - أي لإنعدام هذا الحق الإنساني والسياسي المشروع - حق التعبير وحق المعارضة - مع حالة الرعب والقمع التي كانت تسيطر على الأوضاع آنذاك - أي وقت خروجي عام 1995 - قررت يومها الهجرة في بلاد الله الواسعة طلبا ً للحرية والأمان معا ً ..... ثم - وقبيل أن أغادر بلدي مضطرا ً - عز على نفسي أن أغادر بلادي وبلاد أجدادي هكذا بهدوء دون أن أندد بهذا الوضع المزري المشين بل ودون أن أدعو الناس للثورة ضده ! .... لذلك وقبل أن أغادر البلد قررت أن أسجل شهادتي وإدانتي لهذه الأوضاع العامة بشكل عام وللوضع السياسي بوجه خاص بل وإدانتي للعقيد القذافي شخصيا ً وسياسيا ً بوجه أخص بإعتباره (المسؤول الأول والسبب الرئيسي) عن هذه الكارثة الوطنية التي حلت بليبيا والليبيين !!!؟؟ ... فقمت بتسجيل منشور وبيان بصوتي بعنوان (صرخة العدل والحريه)(*) وطبعت منه مايزيد عن 120 نسخة ووزعتها في جامعة قاريونس ببنغازي بطريقة سرية وذكية وكذلك على بعض مكاتب المحاماة ثم أخذت حقيبتي وغادرت البلد متوجها ً لمصر ومنها للسودان ومنها للأردن ومنها لسوريا ! .. وكان والله بودي البقاء في أرض العرب لا في ديار الغرب ولكن قدر الله وما شاء فعل ! .. فلأنني تعرضت - كغيري من الليبيين - لمطاردة أجهزة مخابرات القذافي هناك - أي في الدول العربية - وكذلك لملاحقة أجهزة مخابرات تلك البلدان العربية التي حللنا فيها ونزلنا بها طلبا ً للأمان بل وتعرضت شخصيا ً للتحقيق في الأردن والتهديد بالتسليم إذا لم أغادرها في غضون شهر ! .. فكان القرار عندها - ومن باب الإضطرار - وبعد المكوث عامين في أرض العرب - هو اللجوء إلى بلدان الغرب الديموقراطية حيث يمكن للإنسان عندهم أن يعبر عن عقيدته السياسية أو الدينية بكل حرية وأمان ! .. فكان ما كان وإستقر بي الحال في بريطانيا وبالتالي حصولي على حق الإقامة وحق الجنسية وحق المواطنة كحال ملايين المهاجرين من جميع أصقاع الدنيا في هذا البلد الديموقراطي العريق والكريم .. والله خير حافظ وهو خير معين ..... وللحكاية صلة إن شاء الله تعالى ..........

أخوكم المحب : سليم الرقعي
كاتب ليبي يكتب من المنفى الإضطراري
elragihe2009@yahoo.co.uk

_________________________________

(*) للإستماع للوجه الثاني من شريط ومنشور (صرخة العدل والحرية)
إضغط هنا http://www.libya-watanona.com/misc/aa21102a.ram


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home