Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

الخميس 27 مايو 2010

الجهمي كان يدعو إلى ديموقراطية محكومة بالعلم والإيمان!

تأملات في مناجاة "بعد صلاة الفجر" لفتحي الجهمي
في ذكرى رحيله!

سليم نصر الرقعـي

رحم الله البطل الشهيد "فتحي الجهمي" – شهيد كلمة الحق وحرية الرأي - فلقد واجه أفعى الطغيان الشمولي في عقر جحرها بكل شجاعة وإيمان وصدع بكلمة حق عند سلطان جائر في وقت كان لا يمكن لأحد ٍ من داخل ليبيا أن ينبس ببنت شفة أو يجرؤ على التعبير علنية عن معارضته للوضع القائم! .. ولكن "الجهمي" – حفيد عمر المختار - فعلها بكل شجاعة وإيمان ! .. ففضلا ً عن مراسلاته العديدة للعقيد القذافي منذ عام 1991 التي يطالب فيها بالعدالة والحريات ومحاربة الفساد فقد قصد عام 2002 مؤتمر الشعبي الأساسي "المنشية" بطرابلس وطالب بإلغاء الكتاب الأخضر ودعا إلى فتح باب الحريات وإقامة نظام ديموقراطي تعددي! .. فتم إلقاء القبض عليه والزج به في غياهب السجن .. ولكنه مع كل الإعتداءات والإنتهاكات بل وكل المغريات التي تعرض لها خلال محنته كلها ضرب لنا وللأجيال الحاضرة والقادمة مثلا ً أعلى في الصمود على المبدأ مهما كلف الثمن ! .. وهنا تكمن عظمة "الجهمي"!.

والمهندس فتحي الجهمي مواطن ليبي عادي ومثقف وطني بسيط ولكنه شديد الوعي حي الضمير عزيز النفس وليس من أولئك الذين يجيدون فن الحذلقه البلاغية الرنانة والزحلقه الفلسفية الطنانة بل كان صرخة صادقة للضمير الليبي الحر الذي مل من الإذلال والطغيان فكانت صرخته في ذلك الوقت هي الصرخة التي عبرت عن هذا الضمير الحر الأصيل !.

لقد كتب فتحي الجهمي – فضلا ً عن رسائله للعقيد القذافي (*) - بعض "الخواطر والمقالات" التي كان يكتبها من حين إلى حين بشكل عفوي وإرتجالي ويعبر فيها عن مشاعره وأشجانه وعن خواطره وإيمانه وهو يعاني في وحدته وغربته داخل الوطن المسلوب ووسط الجموع الخائفة والمرتعبة والمشغولة بهمومها الحيوانية والأنانية اليومية ووسط جموع المثقفين الساكتين أو المنافقين! .. ومن هذه "الخواطر والأشجان" وجدت إحداها تحت عنوان "بعد صلاة الفجر!" وهي ذات جزئين إثنين .. الجزء الأول جعله "الجهمي" بمثابة مناجاة وشكوى موجهة لله تعالى – بعد صلاة الفجر - يبث فيها له سبحانه وتعالى شجنه وحزنه ويشتكي شيوع الظلم والخنوع والفساد في البلاد! .. والجزء الآخر من هذه "الخاطرة والمقالة" جعله "الجهمي" بمثابة خطاب عفوي موجه للعقيد معمر القذافي وللحكام العرب يؤكد فيه عن عدم إيمانه بقيادة القذافي للبلد ولا بأفكاره وكتابه ألأخضر!.. كما يعبر في هذا الجزء الأخير عن إيمانه التام بحتمية إنتهاء ليل الديكتاتورية الطويل والذليل وبحتمية قدوم صبح الديموقراطية الجميل والأصيل مهما يطول الليل! .. والديموقراطية التي يقصدها "الجهمي" ليست بالتصور الشيوعي ولا العلماني ولا التصور الليبرالي الأنجلوسكسوني بل بالتصور المنضبط بالعلم والإسلام !.. كما ستقرأ في نص مقالته وخاطرته تلك!.

* * *

(1) مناجاة الجهمي لله تعالي بعد صلاة الفجر:

بسم الله الرحمن الرحيم
((رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نسِينَا أَوْ أَخطَأْنَا .. رَبنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا.. رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) صدق الله العظيم أتوجه إليك – يا إلهي - بعد صلاة الفجر والصبح ودعائي بالرحمه والصلاح والهداية وأن تمنحني الصبر والسلوان .. لقد كتبت عدة رسائل إلى معمر القذافي بعد أن أكملت العمر الستون ولم أيئس من كتاباتي فلعل فرجك قريبا ً. ياربي الظلم عم والفساد طغى على كل شئ .. والخلق أصبحوا يعبدون معمر القذافي ونسوا أن لقائهم بك سيكون قريبا ً يا أرحم الراحمين .
لقد أفسدت الذمم .. وقدموا زوجاتهم قربانا ً له !! .. وأفسدوا طبيعتك اليانعه .. وكان الفساد كأنه معزوفة موسيقية تشد الآذان والطرب ! .
ماتت الرجال! .. ولم يعد إنسان قادرا ً على أن يجابه الحقيقه! .. فكلهم صد وجحد رفاقه .. وكلهم صنعوا سلوكا ً إجتماعيا ً فـُرض علينا .. وأصبح الشعراء الأفاقون هم ذوي الحظوة! .. والملحدون والمنافقون هم كتاب عصرهم .. بأي وسيلة نكافح؟ .. وشارون عليه لعنة الله يهد ويقتل ونحن سكارى في نومنا ! .. والأطفال والثكالى يُحصرون لأن حكامنا على بكرة أبيهم ودون إستثناء زرعوا فينا الخوف والإرهاب! .. لكني لست يائسا ً من رحمتك فالإنتفاضة بدأت والإنسان المهزوم بدأ يفيق ... ولن تلهيني تجربة المؤتمرات الشعبيه والمرائون الذين سيطروا على الثقافة والحس الوطني .. لن أكون عميلا ً للنصارى واليهود ولن أكون ثوريا ً وتقدميا ً بعد الكتاب الأخضر ... لقد بلغ السيل الزبى ! ... لن أعيش مهزوما ً متى دمت حيا ً .. سأرفع المعارضه وصوتي لن يموت أبدا ..... إلهي أنت أعلم بسريرتي .. أكره الطغيان واعشق الحريه .. واللصوص والخبثاء والأعيان الجدد ومن علقوا المشانق هم معرفون وهم أنذال لا ضمير لهم ولا أخلاق ولا يُوصفون بالرجال .. فالرجال دائما أقوياء بالله تعالى .

(2) خطاب الجهمي للعقيد القذافي بعد صلاة الصبح :

إليك يا معمر القذافي بعد صلاة الصبح : لن أكون أحد مريديك ولا عاشقا ً لفلسفتك ولا من الداعيين لفكر الكتاب الأخضر .. وليس لدي ما يـُؤرقني في نومي إلا أن يغفر الله لي ذنوبي .. والموت آت لا محاله .. والمرآؤون حبهم هو المال وعبادة السلطان فهم عباد كل سلطان !.
معارضوك الذين أراهم في الشارع ليس لديهم إلا الصلاة والدعاء على كل ظالم!.. هي الوحيده التي أراها في المواطن الذي فقد شرفه ولم يعد أمامه إلا السلبيه !... ولن تستطيع أمة أن ترتقي بمثل هذا الجيل ! .. لقد وجد شارون وغيره - عليهم لعنة الله - هذه الأرضية ولكنهم في حيرة من الأطفال والشباب والنساء الذين يضحون بكل غال ورخيص في سبيل حريتهم وكرامتهم !.
رفقا ً بنا يا حكامنا ! .. الصبح آت ِ ليس بمنطق الملحدين ولا الشيوعين ولا العلمانيين ولا بمنطق التطرف ! .. ولكن بالعلم والشورى والديموقراطيه .. ليست ديموقراطية الأنجلوسكسون ولكن ستصنع بإرادة الواحد القاهر !!.
ليس لدي ما أضيف .. سأظل أكتب إلى أن تنتهي حياتي !
اللهم إني قد بلغت فاشهد !

المهندس / فتحي الحوشي يونس لملوم الجهمي
صباح الأحد الموافق : 13/3/ 2001
بعد صلاة الصبح وصلاة الفجر

* * *

ملاحظات وتأملات أخيرة في كلمات وخواطر الجهمي

في الجزء الأول من هذه الخاطرة والمقالة التي كتبها بشكل عفوي وإرتجالي الشهيد "الجهمي" نلاحظ تركيزه في مناجاته وشكواه على توصيف الواقع الليبي المصاب بداء السلبية والنفاق والخنوع والفساد العام الناتج عن الديكتاتورية الشمولية وعبادة الطاغية! .. ولكن "الجهمي" مع قتامة هذا الواقع المر والوضع الفاسد وخنوع الجموع لا يستسلم !! بل يصر على إكمال رسالته النضالية حتى النهاية ومهما كان الثمن فيقول : (لن أعيش مهزوما ً متى دمت حيا ً .. سأرفع المعارضه وصوتي لن يموت أبدا .... وسأظل أكتب إلى أن تنتهي حياتي)!!! .. وتحس وأنت تقرأ هذه الكلمات العظيمة بمدى عمق الإيمان وقوة الإرادة والتحدي والأصالة لدى هذا الرجل المؤمن الليبي الحر الأصيل الذي لم يعط الدنية في دينه ووطنه وعقيدته وكرامته قيد أنمله!! .. إذ أن فتحي الجهمي كان رجل إيمان وإرادة وممارسة وكفاح وصمود على المبدأ لا رجل فلسفة وتنظير مثل أولئك المثقفين والمتثيقفين الذين يعيشون في "ابراج عاجية" أو يداهنون الطغاة أو يحتقرون الناس ويمارسون الأستاذية "المدعاة" عليهم بكل كبر وغرور!! . وفي الجزء الثاني وبعد أن يعلن "الجهمي" كفره الصريح بالطاغية معمر القذافي وبكتابه الأغبر المشؤوم يضع إصبعه على سر هزيمة الأمة العربية والإسلامية أمام عصابة الصهاينة المعدودة!! .. فسر الهزيمة – في منظور الجهمي – هو فقدان المواطن العربي لكرامته وشرفه وحريته داخل وطنه وفي بلده بسبب الإستبداد السياسي والقمع البوليسي الذي يمارسه الحكام والقادة العرب وبالتالي شيوع ثقافة الخوف والنفاق والسلبية والجبن في المجتمعات العربية!.. هذه "الثقافة" التي شكلت "الأرضية" الخصبة لبقاء الإحتلال الصهيوني وإستمرار طغيان وتنمر الصهاينة وغرورهم وفجورهم حتى اليوم !!.. وهذا - والله - هو التوصيف الصحيح والعميق لمكمن الداء بالفعل في هذه الأمة التي تحولت بسبب الديكتاتوريه وغياب الحريه إلى قطيع بشري خائف وسلبي ومسلوب الوعي والإرادة إلا فئة قليلة جدا ً تقاوم ثقافة الخوف والنفاق والذلة والسلبية وتدفع الثمن غاليا ً من سلامتها وأمنها وحياتها في سبيل الكرامة والحريه ومنهم هذا البطل الليبي الأصيل .. المهندس فتحي الجهمي !.

ثم يختتم "الجهمي" كلماته في مناجاته "بعد صلاة الفجر" بتذكير وتحذير هؤلاء الحكام الطغاة وتبشير المستضعفين بأن الصبح قادم لا محالة مهما طالت حلكة الظلام .. صبح الديموقراطية المحكومة بالعلم والإيمان الصحيح المعتدل .. لا الملغومة بمنطق الملحدين وبقيم الشيوعيين ولا قيم العلمانيين ولا قيم الليبراليين (الإنجلوسكسونيين) ولا حتى تصورات المتطرفين الإسلاميين فيقول :

((الصبح آت ِ ليس بمنطق الملحدين ولا الشيوعين ولا العلمانيين ولا بمنطق التطرف! .. ولكن بالعلم والشورى والديموقراطيه .. ليست ديموقراطية الأنجلوسكسون ولكن ستصنع بإرادة الواحد القاهر)) !!.

سليم نصر الرقعي
_________________________

(*) إطلع هنا على: قصة الجهمي على ضوء رسائله للقذافي

(**) تحية وطنية خاصة للأستاذ إبراهيم إغنيوة الذي بدافع الوفاء والتقدير لتضحيات الجهمي لم تغادر صورة هذا ألأخير صفحته الرئيسية منذ عدة سنوات! .. فلا يقدر قيمة وتضحيات الكبار إلا من كان كبيرا .

(***) إستمع هنا إلى : رسالة صوتيه إلى سيدي فتحي الجهمي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home