Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

الأحد 26 سبتمبر 2010

الطريق إلى الديموقراطية في ليبيا !؟

سليم نصر الرقعـي 

بشكل عام في كل التجارب التي حدث فيها الإنتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية كان فيها "السلاح  الفعال" - بعد سلاح الإيمان بالحقوق والرغبة الملحة في حياة أفضل - هو سلاح "التنظيم الشعبوي" المتغلغل سرا ً أو علنا ً في قطاعات الشعب المختلفه .. التنظيم القوي والذكي الذي يقتنص الفرص السانحة ويملك أن يحرك الشارع ويقود الجماهير في حركة التحرر من الإستبداد .. فإذا كان النظام "الديكتاتوري" القائم في أي بلد من تلك البلدان التي جرى فيها التغيير نحو الديموقراطية يسمح بتشكيل الأحزاب والعمل السياسي الحر والمعارض [1] فقد كان لهذه الأحزاب الدور الأساس في الدفع بعجلة التغيير وإلا فكان الخيار هو "التنظيمات السرية"!... التنظيمات السرية التي تستهدف تعبية الشعب وتحريك الشارع وخلق حالة من التحدي السياسي الشعبي للنظام إما لإسقاط هذا النظام الديكتاتوري من خلال الثورة والإنتفاضة الشعبية أو للضغط عليه بشدة وإستمرار وإلحاح بقوة وحراك الشارع للمطالبة بالحريات الأساسية وممارسة الحقوق السياسية ولإجباره على إجراء تغيرات جوهرية وإصلاحات جذريه في بنيته وسلوكه وتقديم تنازلات كبيرة لصالح قضية الديموقراطية!.. فسلاح التنظيم "الشعبوي" سلاح أساسي في معركة التحرر من حكم الطغاة والإستبداد والإستكبار الداخلي تماما ً كما أنه سلاح أساسي في معركة التحرر من الغزاة والإستعمار الخارجي! .. وشعب بلا تنظيمات كجسم بلا عضلات!.. هل للجسم أن يقوم ويتحرك بدون الجهاز العضلي !!!؟؟؟... ولخطورة وضرورة هذا السلاح المهم و"الأداة الأساسية الضرورية" في حركة النضال ضد الطغاة المستبدين وكأداة مهمة في التأثير والتغيير السياسي وتقوية شوكة الشعب وجدنا "ديكتاتور ليبيا" وحاكمها العسكري الأوحد العقيد معمر القذافي يبادر بسرعة وفور الإنقلاب إلى إصدار قانون "تجريم الحزبيه" والذي بموجبه تم تحريم وتجريم أي شكل من أشكال التنظيم السياسي بل وجعل عقوبته الإعدام بل وحرم وجرم أيضا ً أي شكل من أشكال الإضرابات والتظاهرات الشعبية المعارضة للسلطة!.. فهو يعلم علم اليقين أن الشعب بلا التكتلات الحزبية والشعبية المنظمة والمستقلة عن السلطة هو شعب أعزل لا حول ولا قوة له! ..وهو يعلم بأن الشعب بلا التنظيمات كالجسم بلا العضلات وأن الرفض الشعبي بلا تنظيم وقيادة هو رفض أجوف بلا قوة فعالة!. 

المشكلة الأخرى في ليبيا بل وفي كل المجتمعات العربية اليوم أمام "البديل الديموقراطي" تكمن في قلة المؤمنين بالديموقراطية إيمانا ً حقيقيا ً وجادا ًكبديل سياسي للنظم الديكتاتورية والعائلية والعشائرية القائمة وتكمن كذلك في ظاهرة معاداة الديموقراطية والنفور منها بل وجهل الشعوب العربية لأهمية الديموقراطية لحياتهم وحياة أولادهم ومصلحة بلادهم !.. والإنسان في الغالب عدو لما يجهل فكيف إذا أصبح أسيرا ً للجهل المركب وللتخويف المستمر من كفر وشر وفسق وعهر الديموقراطية وربطها في ذهنه بالكفر والإباحيه وتدمير الوحدة الوطنية (!!!) وشعوبنا شعوب متدينة ولا أتصور حدوث تغيير سياسي أو حضاري حقيقي وإيجابي في مجتمعاتنا بدون المرور من "بوابة الدين" وخصوصا ً في المجتمع الليبي !.. لذلك فأمام أنصار "الديموقراطية " في ليبيا مهمة كبيرة وتحدي أكبر!..وهذه المهمة وهذا التحدي يتمثلان في إقناع جماهير الناس بل - وقبلهم إقناع النخب المثقفة والمتعلمة والمسيسة - بأهمية الديموقراطية وضرورتها للتقدم والرقي الحضاري وإقناعهم بعدم تناقض الديموقراطية كأداة وأسلوب للحكم مع الإسلام كعقيدة وشريعة [2] وهي مهمة بالغة الصعوبة في هذا الزمان وذلك بسبب سيطرة الإتجاه الديني "السلفي"و"التقليدي" على ظاهرة التدين الشعبي ولهذا نجد الكثير من الحكومات والنظم العربية الديكتاتورية تستغل النفور "السلفي" [3] من الديموقراطية لتنفير الناس منها بل وتنفيرهم من المعارضة السياسية بل ومن العمل السياسي برمته (!!) بدعوى أن الديموقراطية "بدعة" إبتدعها الكفار وما أنزل الله بها من سلطان وأنها مخالفة للتعاليم الدينيه او أنها تهدد الوحدة الوطنيه للمجتمع وبالتالي يتم التركيز على حكاية وأسطوانة إطاعة "ولي الأمر" وإن ظلمك وأخذ مالك وجلد ظهرك وإلتزام الصبر حتى يفرج الله حتى لو نصب لكم المشانق وسط حرم المدارس والجامعات وقتل أولادكم بالمئات وسفك دمائكم وبدد ثروتكم وساقكم سوق البعير أو الحمير!!!. 

ومن ثم فأمام الديموقراطيين الجادين في العالم العربي وفي ليبيا هذه المهمة الصعبة وهذا التحدي الكبير وهذا يقتضي صياغة "مشروع فكري سياسي ديموقراطي" معزز بالتعاليم الدينية الإسلامية ثم الدعاية له والترويج له وسط النخب ووسط عموم الشعب .. أما إذا كان هذا المشروع السياسي والحضاري المقدم للجماهير والناس وللشعب في بلادنا مشروعا ً علمانيا ً أو معاديا ً للدين فسيفشل حتما 100%  أقولها بلا تردد وعن يقين تام فإياكم والحرث في البحر فهو ديدن الجهلاء والطوباويين!.. وهذه المهمة هي مهمة إجتهادية فكرية تثقيفيه تعريفيه بالدرجة الأولى تنصب على تعريف الناس بفضائل الديموقراطية ومثالب ومصائب الديكتاتورية وإقناعهم أن الديموقراطية بكل عيوبها ونقائصها خير ألف مره من الديكتاتورية وشرورها وأثارها الخطيرة على كرامة وشخصية الشعوب! .. وإفهامهم أن الديموقراطية لا تتناقض مع الدين الإسلامي ويمكن أن تقوم في ظل حاكمية الشرع الحنيف .. وإعلامهم أن الديكتاتورية كما يمكن أن تقوم في ظل نظام حكم علماني لا ديني أو ملحد يمكن أن تحدث في ظل نظام ديني يحكم الناس بإسم الإسلام!..ومن هنا فأمام الديموقراطيين الليبيين الجادين مهمتين أساسيتين للوصول إلى الديموقراطيه :  

(1) مهمة فكرية ودعوية تتعلق بأسلمة الديموقراطية فكريا ًوصياغة مشروع فكري ديموقراطي يتوافق مع مقاصد وأحكام وقيم ومقاصد الإسلام وإقناع جماهير الناس بأن الديموقراطية كطريقة للحكم لا تتناقض مع الإسلام بل هي من العدل الذي جاء به الإسلام ويدعو إليه وهي من الشورى التي هي من أهم خصائص الحياة الإسلامية المطلوبة وهي تتوافق مع روح "الخلافة الإسلامية" من حيث كون "الخليفة" هو خادم الأمة الأجير عندها وأن من حق الأمة مساءلته ومعارضته إذا جار وسفه في إنفاق مالها وبدد ثروتها .. فكأن "الديموقراطية" بهذا المعنى بضاعتنا وقد ردت إلينا بعد قرون من تحسينها وتطويرها وتقنينها حسب مقتضيات العصر وخبرات البشر!.. وهذه المهمة الفكرية والتعريفية تقتضي الرد على كل الشبهات التي يروج لها خصوم الديموقراطية والرد على كل الإعتراضات التي يقدمها بعض الإسلاميين (السلفيين أو القطبيين) على الديموقراطية بشكل عام وكذلك الرد على الإعتراضات التي تروج لها بعض النظم العربية ومثقفو السلطة من أجل تنفير الجماهير من الديموقراطية بشكل عام أو من الديموقراطية النيابية والحزبية بشكل خاص!.. وبيان خلل وخطر ما يُسمى بالديموقراطيات الشعبية "الفاشلة" التي لا تصلح لشئ إلا كغطاء فضفاض وخادع للحكم الفردي الشمولي البغيض المتسربل بجلباب حكم الجماهير!!!. 

(2) مهمة سياسية حركية تنظيمية تتعلق بتنظيم صفوف الديموقراطيين الليبيين لمقاومة الإستبداد السياسي القائم والمتجسد حاليا ً في حكم العقيد القذافي – أو من يخلفه إذا تنحى أو هلك - بشكل منظم حركي فعال مخطط له والعمل بقوة النخب وعموم الشعب لتحريك الشارع والضغط على النظام القائم من أجل إفتكاك الحريات وإنتزاع الحقوق وإحداث التغيير المطلوب بشقيه السلبي المتمثل في إزالة الديكتاتورية والإيجابي المتمثل في إقامة البديل الديموقراطي التعددي الذي يسع كل الوان الطيف السياسي الليبي والذي يُمكـّن الشعب من إختيار قيادته السياسية نفسه بنفسه مع ضمان حق الإعتراض على أراء وإجتهادات القيادة وتقويمها بل ومساءلتها ومحاسبتها إذا إرتكبت الأخطاء الفاحشة والفادحة بل وربما عزلها وتنحيتها وفق إجراءات دستورية برلمانية إذا إقتضى الأمر!. 

وهاتان المهمتان (الفكريه والسياسيه) ملقتان على عاتق النخبة المثقفة والسياسية الليبية التي تقر أولا ً بمرجعية الإسلام كمرجع تشريعي وثقافي وحضاري للشعب الليبي وتؤمن ثانيا ً بالديموقراطية كأفضل الممكن والموجود وكنظام سياسي يليق بالبشر المكرمين وبالشعوب الكريمه..هذه النخبة "المثقفة" و"السياسية" التي يجب أن ترتقي في أسلوب فكرها ووعيها وخطابها إلى مستوى هذه المهام التاريخية العظام وتترك وراء ظهرها أساليب تناطح الجديان ونعيق الغربان ومهاترات العجائز العاطلات عن العمل!. 

لابد – إذن - أولا ً من توفر "سلاح المشروع الفكري الديموقراطي البديل" المتوافق مع عقيدة وشريعة المجتمع الليبي وكذلك لابد ثانيا ً من توفر "سلاح التنظيم الحركي الشعبي الديموقراطي" الذي يحمل هم هذا "المشروع الفكري السياسي" لإقناع النخب والجماهير بأن الديموقراطية كطريقة للحكم هي "البديل" للدكتاتورية القائمة أو القادمة!..... لابد من توفر هذين الأمرين لإزالة الديكتاتورية القائمة ولزراعة وتوطين الديموقراطية في بلادنا في ظل ثوابت وقطعيات عقيدتنا وشريعتنا الإسلامية...... وبدون إنجاز هاتين المهمتين فلا ديموقراطيه!.. وستظل الديكتاتورية هي الأمر السائد إلى ماشاء الله!.. والله تعالى يساعد الذين يساعدون أنفسهم ولا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .. فمن زرع حصد ومن جد وجد .. وهذا هو الطريق!.. فهل من مجيب !؟.

سليم نصر الرقعي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قد يستغرب البعض من قولنا "إذا كان النظام الديكتاتوري القائم يسمح بتشكيل أحزاب والعمل السياسي الحر والمعارض"  فيقولون : كيف يكون نظاما ً ديكتاتوريا ً النظام الذي يسمح بتشكيل أحزاب ووجود معارضة!!!؟ .. والجواب هو : أنه في مرحلة ما من مراحل عمر النظم الديكتاتورية قد يضطر النظام – غصبا ً عنه – تحت تأثير حركة الشارع ونشاط المعارضين وكذلك الضغوطات الدوليه إلى السماح بوجود أحزاب معارضة كما هو حاصل في بعض الدول العربية اليوم مثل مصر والمغرب والأردن وغيرها ولكن مع إضطراره للقبول بهذا الأمر تحت الضغوطات المحلية والدولية يظل يعطل عملية قيام حياة ديموقراطية سليمة تؤدي إلى إنتخابات شعبية صحيحة ونزيهة وإلى تداول سلمي للسلطة وفق إرادة الجمهور!.

[2] إطلع هنا على مقالتي "نحو ديموقراطيتنا الإسلامية"!؟

[3] أنا لا أضع "السلفييين" في سلة واحدة فهم واقعيا ً اليوم إنقسموا إلى عدة إتجاهات "سلفية" متعددة كل منها ربما يدعي أنه هو السلفي الحقيقي وربما الوحيد بل ويبدع بعضها بعضا َ! .. فمثلا ً في أمور التعامل مع الديموقراطية ومع الحكام ومع النشاط السياسي بشكل عام تختلف وتتنوع أراء "السلفيين" فمن السلفية المكفرة للحكام المقاتلة لهم مرورا ً بالسلفيين المشاركين في العمل السياسي والبرلماني وصولا ً إلى السلفية التابعة للحكام الموادعة لهم والمدافعة عنهم بإعتبارهم "أولياء أمر المسلمين" الواجب طاعتهم في كل حال وعلى كل حال مهما فسقوا وجاروا وظلموا وعدم معارضتهم أو الخروج عليهم وإلا فأنت من المبتدعة والخوارج!!.. والسلفية – عموما ً - ليست شرا ً كلها ولا هي بخير كلها فكل الأمم السابقة والحاضرة وكل الملل والديانات فيها قدر من السلفية الأثرية والتقليدية..والسلفية الإسلامية بشكل عام لها ضرورة وفوائد مع كل مالها من عيوب ومثالب!.. فهي تقوم على حراسة "النصوص" المقدسة وحراسة تراث "السلف الصالح" وحفظ أخبارهم وأثارهم من الضياع وهذا "التراث" جزء من فكر وتراث الأمة فلا يجوز إضاعته.. كما أنها تحافظ على حمى "النصوص" المقدسة من محاولات التلاعب بها أو تفسيرها بشكل متعسف وغريب يخالف جذريا ً أو بشكل فاحش ظاهرها!.. وقد تطرقت لهذه الفوائد وكذلك لعيوب ومضار الإتجاه السلفي والتقليدي في مقالات لي وسأعيد التطرق لهذا الموضوع إن شاء الله في بحث عن "السلفية بين الأمس واليوم"!.. إنظر مثلا ً: مقالتي -   عن أية سلفية تتحدثون !؟ ومقالتي - بفهم السلف أم بمنهج السلف !؟


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home