Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

الخميس 25 فبراير 2010

"الميلود" وذكريات الطفولة!؟

سليم نصر الرقعـي

على أيامنا – في هذه المناسبة الإجتماعية الشعبية – أي في ذكرى المولد النبوي (عيد ميلاد النبي) أو (عيد الميلود) كما نطلق عليه في لهجتنا الليبية الشعبيه البدوية - يخرج الأطفال بقناديلهم المضيئة للشارع وهم ينشدون في إبتهاج وهياج : (هذا قنديل وقنديل ** يشعل في ظلمات الليل) وأناشيد أخرى على هذا المنوال .. والقناديل على أيامنا كانت على نوعين .. نوع ورقي يُضاء بشمعه وهو عرضة للإحتراق بسهولة إذا تعرض للإهتزاز الشديد والنوع الآخر معدني أو مصنوع من "البلاستك" ويُضاء بمصباح وبطاريات كهربائية .. وبعض الأطفال من العائلات الفقيرة لا يتوفر لهم ثمن القناديل الصناعية الجاهزة فيصنع لهم ذووهم قناديل ورقية بأيديهم أو يعطونهم "شمعة" والسلام! .. بينما بعض الأولاد الكبار كانوا يفضلون حمل مصابيح البطارية العادية أي الكشافات اليدوية "البيله" .. حيث تسير تظاهرة الأطفال عبر الشارع في الليل وهم يحملون قناديلهم في أيديهم وهم يصيحون في فرح وسرور : (هذا قنديل الرسول! .. هذا قنديل الرسول!) حتى تنتهي هذه التظاهرة الطفولية بسلام ويعود الأطفال إلى بيوتهم ! .. ثم في صباح اليوم التالي يحين موعد أكل (عصيدة الميلود) الحلوة واللذيذة المصنوعة بعجين الدقيق الأبيض "الفارينه" والتي يـُصب فوقها - على أيامنا- (السمن والرب) المصنوعيين محليا ً .. هذه العصيدة التي باتت تـُصنع في هذه الأيام بالزبدة والعسل وأحيانا ً بالزبدة والسكر الناعم (!!!) بل وقيل لي أن بعض الليبيين باتوا يتناولها بواسطة الملاعق لا بواسطة الأصابع كما جرت العاده!!!.. وأخشى ما أخشاه أن تصبح "العصيدة" خلال هذه الأيام - أو فيما بعد – تـُباع جاهزة في الأسواق محفوظة ومثلجة في الثلاجات في أكياس حافظة حيث تشتريها ربة البيت من السوق ثم تسخنها بواسطة "الميكرويف" وإنتهى الأمر! .. بلا عجن ولا تعب ولا تعصيد ولا هم يحزنون !! ... هذا إذا بقيت حاجة إسمها "عصيدة" أصلا ً !! .. مع أن "العصيد" أو "العصيدة" هي أقدم أكلة في التاريخ وقد عرفتها كل الشعوب قاطبة بما فيها الشعوب الأوروبية!!.

وأتذكر أن والدتي - رحمها الله - حدثتنا في طفولتنا كيف كان الناس في مدينتها "بنغازي" يحتفلون بذكرى ميلاد النبي (الميلود) على زمانهم حيث كانوا يصنعون شعلة ضخمة بالقماش وببقايا "الشولات" المشبعة بالدهون .. يجهزونها من الصباح الباكر ثم يتركونها وسط الحارة ليتم بعد ذلك إيقادها في الليل فتشتعل بلهب عظيم يُبهر الأبصار ويثير هياج الأطفال الصغار فيأخذون لفرط إبتهاجهم وهياجهم يلفون ويتقافزون حول هذه الشعلة النارية الضخمة في فرح وسرور وهم يصرخون وينشدون (هذا قنديل وقتديل .. هذا قنديل وقنديل!) .. وتتذكر والدتي - رحمها الله - بحزن وألم ذلك الحادث الأليم في إحدى الإحتفالات بذكرى "الميلود" حينما كانت طفلة صغيره حيث إحترق بنار تلك الشعلة الضخمة شقيقها "إسماعيل" (خالي) وكذلك طفل صغير آخر من الحاره – رحمهما الله - بنار ولهب تلك الشعلة الضخمة ورأتهما والدتي "الطفلة الصغيرة" وهما يحترقان بالنار حيث أخذ المسكينان يركضان ركض عشواء من شدة الألم وهما يصطرخان بشكل مرعب رهيب وحينما هب رجال الحارة لإنقاذهما كان الأوان قد فات ومن مات قد مات وقـُضي الأمر وإنا لله وإنا إليه راجعون! .. فكانت هذه الحادثة المؤلمة يومها فاجعة كبيرة عكرت صفو ليلة "الميلود" في ذلك العام وأحرقت كبد عائلة أمي وأحزنت جيرانهم!! .

واليوم يحتفل الأطفال والمراهقين والشباب في ليبيا بذكرى المولد النبوي "الميلود" بطريقتهم الخاصة وربما المختلفة عن ما كان عليه الحال في أيامنا .. فهم اليوم يحتفلون بهذه المناسبة عن طريق الألعاب والمفرقعات النارية الخطرة (خط ولوح) التي تؤدي في كل عام إلى إصابة الكثير من الأطفال بإصابات خطيرة فتعكر صفو عوائلهم وتفسد فرحة العيد!!.... فحال جيلي – إذن – أفضل بكثير ممن سبقونا ممن كانوا يصنعون تلك "الشعلة النارية الضخمة والخطيرة" وممن جاءوا من بعدنا ممن يطلقون الصواريخ والألعاب الناريه !! .. إذ أن في عهدنا لم تحدث أيام الميلود مثل هذه المصائب والكوارث على ما أذكر!.

ومن الذكريات الجميلة التي علقت في ذهني من أيام طفولتي هو أن صالة "سينما الجلاء" بمدينتي "إجدابيا" عرضت أيام "الميلود" شريطا ً سينمائيا ً للممثل الكوميدي الشهير "إسماعيل ياسين" يدور حول المناسبة نفسها حيث يجد "إسماعيل ياسين" في طريقة عودته من العمل طفلا ً فقيرا ً حزينا ً له قنديل عتيق لا يعمل فيرق لحاله ويأخذ منه القنديل القديم البالي الصدئ المتسخ ويشتري له واحدا ً جديدا ً على الرغم من حالة صاحبنا المالية الضعيفة فيبتهج ذلك الطفل الفقير وينطلق فرحانا ً بقنديله الجديد مع سائر الأطفال في الحارة .. وحينما يعود صاحبنا "إسماعيل ياسين" لبيته يضع ذلك القنديل القديم على الطاولة ثم ينشغل بأمور أخرى وعندما يفرغ منها يجلس على كرسي بجوار تلك الطاولة ويمد يده للقنديل القديم المتسخ ويأخذ في تنظيفه من الغبار وهنا تحدث المفاجأة !!! .. فما أن يبدأ صاحبنا في مسح هذا القنديل وفي تنظيفه من الغبار حتى يطلع له من القنديل "مارد من الجن" ويقول له بصوت رهيب ومخيف : " شبيك لبيك .. خدامك بين يديك .. أطلب وأنا تحت أمرك يا سيدي !!!" .. ومن هنا تبدأ أحداث ذلك الفيلم الفكاهي بمواقفه الطريفة المضحكة .. فكل عام وأنتم بخير .. أو "مبروك كبيرتكم" كما درج قومي في مدينتي "إجدابيا" في تهنئة بعضهم بعضا ً على أيامنا بهذه المناسبة .. ونسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم محبة النبي الأعظم وإتباع سنته والنهل من منهل أخلاقه الكريمه بإعتباره المثل الأعلى والقدوة الحسنة سواء في العبودية الخالصة لله أو في الأخلاق الإنسانية الرفيعة.

أخوكم المحب : سليم الرقعي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home