Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


Salim Naser al-Ragi

الخميس 23 يوليو 2009

ماذا يحصل لو طبقنا النظرية كما هي بحذافيرها!؟

- إنتقادات لمنطلقات فكرة ونظرية السلطة الشعبية -

سليم نصر الرقعـي

نحن جميعاً - وكذلك كل عقلاء وكل زعماء العالم - نعلم – علم اليقين - من الذي يحكم ليبيا اليوم ؟ بل ونعلم أيضا ً من يحكم ليبيا منذ عام 1969 مرورا ً بعام 1977 وصولا ً لهذا العام 2009 ! .. والعملية لا تحتاج إلى ذكاء خارق للعادة ولا علم ولا ذره ولا شهادات دكتوراة حقيقية او حتى فخرية لإكتشاف ومعرفة هذه الحقيقة !.. فحتى المواطن الليبي العادي الأمي يعرف من هو ومن يكون ؟ .. فكلنا نعلم أن العقيد معمر القذافي – شخصيا ً - هو من كان – ولا يزال – يحكم ليبيا ! .. هل في هذه الحقيقة شك يا عقلاء ليبيا !؟ .. أليس العقيد معمر القذافي – شخصيا ً - هو من يحكم البلاد ويقود دفة سفينة دولتنا الوطنية بفعل الأمر الواقع وتحت ستار (الشرعية الثورية الأبدية الخالدة) وشعار (الثورة مستمرة)؟ .. أليست هذه هي حقيقة الواقع يا عباد الله؟.

إن بعض الموالين للعقيد معمر القذافي من الثوريين العقائديين(*) – وقليل ما هم ! – أي الذين يوالونه على أساس العقيدة السياسية وصلوا إلى قناعة تامة وجازمة إلى أن (فكرة سلطة الشعب) ليست قائمة بالفعل اليوم وأن الشعار لم يتحقق في الواقع وأن هناك فجوة كبيرة وشاسعة ومفجعة بين النظرية والتطبيق وهم يعترفون بهذا الواقع المنظور المر ولكنهم - ولأن (النظرية) عزيزة عليهم – يصرون على أن (الخلل الأساسي) ليس في (النظريه) قطعا ً (!!) ولا في (صاحب النظريه) ولكن الخلل الأساسي - كما يقولون - في (التطبيق) وفي (الشعب الليبي المتخلف) .. هذا الشعب الذي لم يستطع أن يرتقي – بسبب تخلفه الحضاري والأخلاقي - إلى مستوى (النظرية الجماهيرية البديعة !) ومستوى (القائد الأممي الملهم الفريد)!! .. والعجيب أن هذا التفسير او التبرير للخلل الكبير وللفشل الذريع الحاصل لم يستنتجوه بعقولهم وإنما تم تلقينهم إياه تلقينا ً أيضا ً بعد أن ذكره العقيد القذافي نفسه تصريحا ً وتلميحا ً أكثر من مره خصوصا ً بعد أن أصبحت ظاهرة عزوف (الجماهير الشعبية) عن حضور جلسات المؤتمرات الشعبية ظاهرة واضحة وفاضحة لا يمكن إنكارها أو التستر عليها .

والشاهد هنا أن هؤلاء الثورويين العقائديين مع إعترافهم بالخلل الكبير والشرخ الخطير المشهود في الواقع لا يريدون الإعتراف أن (الخلل الأساسي) أو (الخلل الرئيسي) قد يكون في (النظرية الجماهيرية) ذاتها أو ربما في (القيادة الثورية) نفسها ومنهجها الثوري التعسفي الفوقي و(البابوي) الذي يريد (الأخ العقيد) من خلاله أن يجر (الشعب/ السيد!؟) – غصبا ً عنه – إلى (الجنة) بالسلاسل !؟.. على أساس أن هذا ( الشعب/ السيد) شعب متخلف ولا يعرف مصلحته الحقيقية !! ..... أما نحن وبعد التحقيق وإعمال العقل والفكر العميق منذ أكثر من عقدين من الزمان في مضمون ومقاصد وقواعد النظرية وفي تصرفات صاحب هذه النظرية وفيما صاحب تطبيق هذه النظرية وفي طبائع البشر الواقعية والفطرية وحقائق الحياة السياسية فإننا وصلنا – بحمد الله – إلى قناعة تامة وجازمة أن (الخلل الأساسي العميق) يكمن من جهة في منطلقات ومسلمات ومقولات هذه النظرية (الإفتراضية الخيالية) ذاتها ومن جهة أخرى في تصرفات وإنحرافات ومنهج (القيادة السياسية) الحالية ! .

أولا ً – وبشكل عام – أن (الفرضية الأساسية) التي إنطلقت منها النظرية تحتاج إلى التحقيق الدقيق وهي أن الشعب – أي شعب – يريد بالفعل ويرغب بشكل جدي وملح في أن يمارس (السلطة السياسية العامة) بنفسه وبشكل مباشر!! .. فهل هذه الفرضية صحيحة وماهي مصادرها وماهي مظاهرها ؟ .. هل الشعوب تريد أن تمارس سلطتها بنفسها؟ .. هذا ما ناقشته في مقالة سابقة لي بهذا العنوان ( هل الشعوب تريد أن تمارس السلطه بنفسها!؟ ) وفندته وبينت أن كل الحقائق التي على الأرض وفي التاريخ لا تخبرنا أن الشعوب تريد بالفعل الوصول إلى هذه (الغاية المفترضة!؟) – أي ممارسة السلطة بنفسها – وإنما تخبرنا أنها – أي الشعوب - وإن كانت لا تميل ولا تتطلع إلى من يحكمها بمعنى أن يصبح سيدها ومالك أمرها وجبارها إلا أنها بكل تأكيد تريد من يخدمها ويقوم على تحقيق طلباتها وتطلعاتها وفق إرادتها .. فالسلطة العامة سلطتها والثروة العامة ثروتها ولكنها تريد أن تختار بنفسها من بين أبنائها (الأكفاء الأمناء) قيادتها السياسية ومن يتولى إدارة أمر مملكتها والوقوف على خدمتها وتحقيق طلباتها وتطلعاتها .. هذا هو الموجود في الواقع الفعلي – واقع البشر الطبيعيين - ولم نسمع يوما ً أن شعبا ً من شعوب الدنيا طالب في مرة من المرات أن يمارس السلطات العامة بنفسه وبشكل مباشر وعلى طريقة مؤتمرات تقرر ولجان شعبية تنفذ وقائد ملهم يوجه ويعلم ولجان ثورية تكركر وتعدم !.

ثانيا ً – وبشكل عام – أن مصطلح (الشعب) يحتاج إلى تدقيق وتحقيق لمعرفة حقيقة هذا المصطلح في الواقع الفعلي الحقيقي فنحن كثيرا ً ما نستخدم هذا المصطلح – أي الشعب - وكأننا نتحدث عن (كائن عام حقيقي) يشكل كتلة واحدة متجانسة لها رغبة واحدة لا تتجزأ ولا تنقسم ولا تختلف ولا تتعارض! .. وننسى أن الشعب والمجتمع هو عبارة عن مجموعة من الأفراد الطبيعيين والعائلات والتكتلات والإتجاهات والنظريات والتوجهات والمصالح المختلفة والمتنافسة والتي تحتاج في الواقع العملي إلى (آليات) واقعية وعملية وفاعلة تقوم على ضبط المعاملات والمنافسات والتدافعات الطبيعية التي تحدث بين مكونات المجتمع بحيث تحقق العدالة (النسبية) والسلام الإجتماعي ولا تتحول هذه المنافسات الدائمة إلى صراعات دموية حادة !.

ثالثا ً – وبشكل عام – اللجوء إلى الحلول الجذرية هو أيسر الحلول من الناحية الفكرية العقلية فهي الحل الأسهل من الناحية النظرية والفلسفية حيث يقوم المنهج الجذري الثوروي على فكرة ضرورة إجتثاث مصدر التنافس من جذوره وإقتلاع النظام التقليدي القائم من أساسه بالكامل وتدميره – فالعالم يتقلب ولم يتغير !! – ويكون الحل بهدمه وتدميره بالكامل وإقامة نظام (طوباوي) مثالي نموذجي فوق أنقاضه (!؟) ينعدم فيه الصراع بل والتنافس على الثروة والسلطة وقيادة المجتمع والتراتبية السلطوية والفروق الإجتماعية والإقتصادية ووو ... وتتحقق فيها السعادة النهائية الكاملة والعادلة لكل أفراد المجتمع! ..وهي الغاية (المثالية) التي تطلعت إليها كل المذاهب والفلسفات الطوباوية قديما ً وحديثا ًكالشيوعية والفوضوية بل وحتى الليبرالية (الفردية) المتطرفة جدا ً والمعادية لوجود الدولة والتي إلتحقت فلسفيا ً بالفوضوية ! .. ولكن لا شئ منها تحقق بل تحولت النظم الثوروية والشعبوية والجمعوية الجذرية التي تريد تحويل هذا (الحلم المثالي الطوباوي الجميل) إلى واقع مشهود في واقع الممارسة السياسية إلى نظم شمولية ديكتاتورية أمنية دموية شريرة إضطهدت الإنسان وأذلت شعوبها وهي ترفع هذه الشعارات! .. ودمرت كثيرا ً من أسس وآليات بنيان المجتمع التقليدي (القديم) الناتجة عن تراث وخبرات البشر المتراكمة والمتنامية والمتطورة بشكل بطيئ وطبيعي ثم لم تبن – في المقابل - المجتمع الإنساني النموذجي الفريد الحر السعيد المزعوم والموهوم والموعود الذي وعدت وخدعت به الجماهير! .. وكل هذه المذاهب والفلسفات والإيديولوجيات الطوباوية والشمولية تقوم على فكرة إجتثاث المجتمع التقليدي القديم من جذوره وخلق إنسان (نموذجي) جديد يكون هو اللبنة للمجتمع الإشتراكي النموذجي الجديد الحر السعيد ! .. وهذا الإنسان لا وجود له في الواقع الفعلي ! .. فليس ثمة إلا هذا الإنسان القديم الذي خلقه الله على هذه الفطرة وهذه الشاكلة (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها يوم الدين ! .

رابعا ً – وبشكل عام - إن (الطريقة) التي تصور بها العقيد معمر القذافي تطبيق الشورى العامة والسلطة الشعبية وتحقيق الديموقراطية – مؤتمرات تقرر ولجان تنفذ - هي طريقة ساذجة وغاية في السذاجة والسطحية تقفز فوق حقائق فطرة الإنسان وحقائق الواقع الإجتماعي المعقدة وحقائق الحياة السياسية في المجتمع البشري وهي طريقة غير قابلة للتطبيق العملي المفيد والفعال أصلا ً لأن (الآليات) التي إقترحها صاحب النظرية قاصرة مهلهلة عديمة الكفاءة والفاعلية في تحقيق الإرادة الشعبية والعدالة السياسية والنهضة الوطنية فضلا ً عن أنها تؤدي إلى تعميم الفوضى وتعويم المسؤولية وتفتقر لشروط الكفاءة والفاعلية والضبط والإتزان التي يتطلبها أي نظام سياسي وإداري فعال وأي نظام ديموقراطي راشد .. ولهذا وعند تطبيقها بشكل حرفي كما جاءت في نصوص الكتاب الأخضر بحذفيرها دون زيادة أو نقصان أي بدون وجود قيادة سياسية عليا تضبط وتوجه مسار الشعب - وهو المنصب الذي يتولاه العقيد القذافي حاليا ً - ودون (حركة سياسية منظمة) تنفذ أمر هذه القيادة وتشكل آلية الرقابة والكبح بل والقمع الثوري أحيانا ً – وهي الوظيفة التي تولتها حركة اللجان الثورية - فإن النتيجة النهائية لتطبيق هذه (الفكرة النظرية) في الواقع الشعبي والسياسي الفعلي ستكون حتما ً - لاحظ أنني أقول حتما ً - الفوضى والغوغائية وإنفراط عقد المجتمع السياسي برمته! .. وقبل أن يستنكر أحد الثوريين هذا الرأي وهذا القول وحدوث هذه النتيجة المحتومة لفكرة سلطة الشعب سأفاجئه بالقول أن هذا الرأي ليس كلامي أنا فقط بل هو كلام صاحب النظرية نفسه أيضا ً بل وفي نص النظرية ذاتها ! .. حيث أنه ذكر في نهاية الفصل الأول من الكتاب الأخضر أن هذه النتيجة المتوقعة لممارسة السلطة الشعبية ستكون هي النهاية الطبيعية للتجربة ! .. فقال :

((وأخيراً … إن عصر الجماهير وهو يزحف حثيثاً نحونا بعد عصر الجمهوريات يلهب المشاعر ، ويبهر الأبصار ، ولكنه بقدر ما يبشر به من حرية حقيقية للجماهير ، وانعتاق سعيد من قيود أدوات الحكم … فهو ينذر بمجيء عصر الفوضى والغوغائية من بعده ، إن لم تنتكس الديمقراطية الجديدة التي هي سلطة الشعب … وتعود سلطة الفرد أو الطبقة أو القبيلة أو الطائفة أوالحزب.... هذه هي الديمقراطية الحقيقية من الناحية النظرية.. أما من الناحية الواقعية فإن الأقوياء دائماً يحكمون … أي أن الطرف الأقوى في المجتمع هو الذي يحكم.)) إهـ ...

ومفهوم هذا الكلام أنه مالم تنتكس سلطة الشعب وتقوم السلطة التقليدية التي تتطلب وجود رئاسة وحكومة سياسية تقليدية لضبط الأمور وتحقيق النظام فإن الأمر سيؤول إلى فوضى عارمة وسيطرة الغوغاء! .. وأن هذه الطريقة (المقترحه) للديموقراطية المباشرة ولسلطة الشعب كما هي في نص الكتاب الأخضر إنما هي طريقة مثالية إفتراضية لا أكثر ولا أقل .. أما من الناحية الواقعية فإن (الأقوياء) في المجتمع ( دائما ً) هم الذين يحكمون ويسيطرون بصورة من الصور على المجتمع والسؤال هنا هو كما يلي :

إذا كان القذافي يعلم منذ البداية هذه الحقيقة ويدرك أن فكرة سلطة الشعب بالطريقة التي عرضها وإقترحها في كتابه الأخضر ليست سوى فكرة إفتراضية ونظرية للديموقراطية المباشرة في صورتها المثالية (الساذجة) وأنه في حالة تطبيقها سيؤول أمرها للفوضى والغوغائية .. وأن (الطرف القوي) في المجتمع – وهو العقيد القذافي في حالة ليبيا - هو من يظل (دائما ً) يحكم في الواقع العملي ! .. السؤال : لماذا أصر العقيد القذافي – والحال هذه – إذن - على تطبيقها على شعبه كل هذا الإصرار؟ بل ولماذا لا يكف عن ترديده – ليل نهار - أن السلطة والثروة والسلاح أصبحت منذ 1977 بيد الشعب وأن الشعب الليبي هو الشعب الوحيد في العالم الذي يجلس على الكراسي !؟ وأنه هو شخصيا ً بات منذ ذلك الوقت لا يحكم وأصبح خارج السلطة ويسكن في خيمه !؟ .. فهل العقيد معمر القذافي خارج السلطة الآن بالفعل !؟ .. كل هذه التصرفات وهذه التحكمات في الشأن العام والرأي العام والمال العام وفي دفة سفينة دولتنا الوطنية كل هذه العقود وهو يقول : (أنا خارج السلطة) ؟! فماذا – إذن – لو كان داخل السلطة؟ .. ماذا كان تراه سيفعل بهذا الشعب المحروم !؟ .. وماهو الفرق – وفق معايير العلوم السياسية - بينه وبين الملوك غير الدستوريين الذين يمارسون صلاحيات واسعة ومطلقة وغير دستورية في بلدانهم وعلى شعوبهم كما كان إبان الملكيات المطلقة في أوروبا ؟؟ .. ماذا تقولون في كل هذا يا عباد الله ؟ .. أين عقولكم ؟ .. أليس الإدعاء بأن السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب أصبح يمثل أكذوبة كبيرة وعظيمة وتاريخية وأضحوكة عالمية بكل المعايير !؟ .. أليس هذا الإدعاء العريض المنافي للعقل والمنافي للواقع المشهود يستفز العقول والقلوب والأعصاب !؟ .. أرأيتم ؟! .. أرأيتم كم هو حجم المشكلة وحجم الجريمة وحجم العار وحجم الألعوبة التي يدور فيها هذا الشعب المحروم والمأزوم منذ عقود بلا قرار حتى أصيب بكل هذا الدوار وكل هذا الغثيان و وكل هذا التوهان وكل هذا الدمار! .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !.

أخوكم المحب : سليم نصر الرقعي
elragihe2007@yahoo.co.uk

________________________________________________

(*) دائرة الموالين للقذافي أوسع من دائرة المؤمنين بالكتاب الأخضر أي من دائرة الثوريين العقائديين الحقيقيين الذين يوالون العقيد القذافي على أساس الفكرة والعقيدة والإيديولوجيا بالدرجة الأولى .. فدائرة موالاة القذافي تشمل المستنفعين المستفيدين من النظام – وهم كثر – من ظهر منهم ومن بطن - وتشمل أيضا ً من يوالونه على أساس عاطفي أو عشائري أو مناطقي أو ديموغواجي وتشمل دائرة الولاء أيضا ً من يوالونه على أساس أمني وهم من تورطوا في جرائم ضد الإنسانية وضد الشعب الليبي ويعرفون أن زوال حكم القذافي يعني نهايتهم أو محاكمتهم على جرائمهم ... أما العقائديون – وأنا شخصيا ً تعرفت على بعضهم وحصلت بيننا مناقشات ساخنة عندما كنت في البلد – فهؤلاء يشكلون الأقلية اليوم في دائرة الموالين وهم في تناقص مستمر بعد إكتشافهم للحقيقة المرة أي أن العقيد القذافي لا يختلف عن أي حاكم عربي يريد الإحتفاظ بالسلطة لنفسه وتوريثها لولده من بعده بأي ثمن وتحت أي ستار!؟.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home