Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


Salim Naser al-Ragi

Monday, 23 July, 2007

فوبيا الوحدة الوطنية!؟

سليم نصر الرقعـي

إن الشئ الذي يجب علينا اليوم أن نفهمه وأن نستوعبه جيداً نحن الليبيين العاملين في الحركه الوطنيه الليبيه المعاصره سواء في الحقل السياسي أو الحقل الثقافي هو أن الديموقراطيه اليوم وبصيغتها المعاصره لم تعد تعني فقط إمضاء رأي الأغلبيه كيفما جاء وأن يكون الأمر للأكثرية العددية كيفما كان سواء في إختيار القيادة السياسية للدولة الوطنية أو في سن القوانين ورسم السياسات العامة ! .. فقد اثبتت التجارب أن هذا النوع من الديموقراطية العددية الخاضع لأهواء الجماهير المتقلبة قد يشكل خطرا حقيقيا على حقوق الإنسان بل وعلى الأوطان ! .. ولذلك أصبحت الديموقراطية في المجتمعات المتقدمة سياسيا ً تعني – وربما قبل هذا الذي ذكرناه - إحترام حقوق الأفراد وحقوق الأقليات والخصوصيات الثقافيه والجهويه والإرادات المحلية في البلد الواحد وتحررها النسبي من سلطان المركز ! .. فالديموقراطية هي الصيغة العقلانيه الرشيده التي تجمع بين التعدديه والإتحاد .. وبين التنوع والوحده.. وبين الخصوصيات المختلفه والجامع المشترك !.. وبين المركزية واللامركزية ! .. إنها صيغة للتعايش السلمي بين كل المختلفين .. وصيغة عاقلة وعادلة للتنافس السلمي بين كل المتنافسين ! .. إنها الإطار العقلاني الراشد الذي يمكن الإختلاف فيه والتعبير فيه عن هذه الإختلافات بكل أشكالها بكل حرية وأمان وإنفتاح وتسامح !.. وبشكل سلمي وحضاري ودون اللجوء إلى منطق القوة والسلاح أو منطق الإرهاب والإقصاء للآخرين .. وهذه هي دولة ليبيا الحديثه التي أحلم بها.. دولة تجمع بين الأصاله والحداثه.. والتنوع والوحده.. والحريه والعداله.. والعقل والنقل.. دولة لكل الليبيين .. دولة مسلمه ديموقراطيه إتحاديه معاصره .. تجمع في سيرها بين النورين.. نور الوحي الرباني ونور الوعي الإنساني .. دولة قوية وأمينه.. دولة راشده.. هذه هي الدوله التي أحلم بها لنفسي وولدي ولقومي وبلدي .

إن البعض منا قد يعاني من ( فوبيا ) أسمها الخوف الوسواسي على الوحدة الوطنية لليبيين أو الوحدة الدينية للمسلمين من دواعي التعدد والتنوع والإختلاف داخل المجتمع الواحد ! .. ونحن هنا لا نعني ذلك الخوف المنطقي والطبيعي والمعقول والمحمود الناجم عن حب المواطن لوطنه ولدينه وحرصه وغيرته عليه ! .. فهذا شئ مطلوب ومحمود لا شك فيه ! .. ولكن نعني ذلك الخوف الهوسي الوسواسي ( الفوبيا ) وغير الطبيعي الذي يشكل نوعا من الكوابح التي تشل قوى العقل وتعطل الإرادة ! .. فحبنا لبلادنا كحبنا لأولادنا إذا زاد عن الحد الطبيعي والمعقول فقد يؤدي الى ممارسة نوع من الوصاية الأبدية والحماية المبالغ فيها و المفسدة للأولاد وللبلاد ! .. ولذلك نجد أن هؤلاء يرفضون – بشئ من الشدة والحدة والخوف الذي يصل الى حد الذعر - كل دعوة للقبول بالتعددية والتنوع والإختلاف ! .. سواء التعددية الثقافية او التعددية المناطقية او حتى التعددية السياسية بل وحتى الدعوة الى اللامركزية يرتعبون منها بدعوى أنهم يخافون على وحدتنا الوطنية او وحدتنا الدينية وعلى مجتمعنا الوطني او المسلم الموحد والمتوحد من التفرق والتحزب والتعدد والتبدد وعدم وحدة السلطة والمركز ! .. فبعض هؤلاء الموسوسين يرفضون مثلا التعددية السياسية والحزبية والتنافس السلمي على تولي مركز القيادة في الدولة من خلال إنتخابات عامة وعادلة بدعوى أن هذا يشكل خطرا ً على وحدتنا الوطنية ووحدتنا الدينية وقد يؤدي الى الفتنة بين أفراد الأمة والى الإقتتال والحرب الأهلية و ..... إلخ ... ثم يسوقون لك من الشواهد والنصوص ما يؤكد مذهبهم هذا ومخاوفهم الرهيبة ! .. ومنهم من يرفض أصلا ً وجود الآخر المختلف عنه ومعه في المذهب أو العرق أو الدين أو اللغة أو اللهجة أو اللون او المنطقة وإذا رفع هذا الآخر عقيرته يطالب بحقه في أن يعبر عن رأيه ومطالبه قام له هؤلاء الخائفون الموسوسون فقمعوه والقموه الحجر وأتهموه ووصفوه بأنه ( مسعر حرب ! ) بدعوى أنهم يريدون قتل الفتنة وقطع رأسها وهي في مهدها ! .. أو نجدهم يديرون له ظهورهم ويتواصوا فيما بينهم بعدم مناقشته والإستماع اليه بدعوى أن الإهمال وعدم الإهتمام كاف بإنهاء أمره ! .. بينما الحقيقة – وفي الحالتين أي مقابلة هذا الصوت بالقمع او بالإهمال – وحينما تكون هناك ظروف موضوعية وأسباب واقعية تحرك وتحفز هذا الطالب وتدفعه لرفع صوته فإن هذا المطلب سيستمر حتى مع القمع او مع الإهمال ! .. ويبقى الموقف السليم والعقلاني والحكيم بالتعامل معه بطريقة الإشتباك الإيجابي لمعرفته والتعرف عليه ومحاولة فهمه وفهم أسبابه وماهو حق وماهو باطل فيه ! .. ثم يكون من الواجب بعد التعرف الإعتراف له بما له ومعارضته ومناقشته فيما ليس من حقه ! .

فكثير منا مثلاً كابر كثيراً حينما بدأ الإخوة الأمازيغ الليبيين ـ الذين كنا نسميهم بالبربر والجبالية حتى وقت قريب ! ـ وأنكر وجود قضية أصلاً إسماها قضية الأمازيغ (البربر) والحق الأمازيغي في ليبيا وأننا نحن الليبيين كتلة واحده متجانسه لا إختلافات فيها على الإطلاق وأننا جميعاً (سمن على عسل !) ومتماثلون في كل شئ ولا يعكر صفو حياتنا سوى طغيان وجنونيات (الأخ العقيد ) ! .. ولا وجود لإشكاليات من هذا القبيل لا من قريب ولا من بعيد وأنها مجرد أوهام أو فقاعات أو مؤمرات خارجيه أو مخابراتيه أو شطحات صبيانيه عابرة !!.. ثم ها نحن – في المعارضة بل وفي النظام الى حد ما أيضا ً – بدأنا نعترف اليوم بوجود هذا الحق المهضوم وأن الليبيين صحيح هم ليبيون ولكنهم ثقافياً أو لغوياً أو عنصرياً ينقسمون إلى عرب وأمازيغ ! .. ونحن ـ كاتب هذه المقاله ومن كان مثلنا على هذا الراي ـ نعترف بهذه الحقيقه الديموغرافيه والجغرافيه والثقافيه الواقعيه لليبيا ومايترتب كما نعترف بأن ( الأمة الليبية ) هي مزيج إجتماعي بشري وطني تكون من امازيغ وعرب وزنوج أفارقة - عنصرا وثقافة ً - كما أنها أيضا ًمزيج من القبائل والجهات والأقاليم المختلفة ونعترف بأن هذا التصنيفات الفئوية ليس أمراً قسرياً أو مصطنعاً ولا هو مؤامره خارجيه كما يوسوس البعض بل هو شكل من أشكال التعدد والتنوع والإختلاف الثقافي الطبيعي الموجود في كثير من المجتمعات البشريه في كل مكان وكل زمان والذي يجب إحترامه وعدم إنكاره بل ويمكن – إذا كانت النخبة السياسية والمثقفة القائدة للمجتمع ذات طابع وطني وعقلاني - أن يشكل هذا التعدد الثقافي والديموغرافي والجغرافي أمراً مفيداً ثقافياً وسياسياً لهذه المجتمعات لأن التعددية الدينية والمذهبية والطائفية والعرقية والثقافية والجهوية في المجتمعات بشكل عام ليست في أصلها شرا بل هي الأمر الطبيعي ! .. وهي إذا وجدت في ظل الوحدة الوطنيه وظل نظام ديموقراطي إتحادي تعددي منفتح ورشيد وفي ظل وجود طبقة سياسية وثقافية ناضجة وعقلانية وراشدة يمكن أن تكون من أسباب تقدم ورقي مثل هذه المجتمعات وعامل مساعد في عدم الإستبداد بالأمر والفكر بعكس المجتمعات الواحدة المتوحده التي لا تنوع طائفي وثقافي وعرقي وديني فيها فكثيرا ما نشاهدها تخضع لأنظمة حكم أحادية شمولية مركزية مستبدة ! .. ولبنان في العالم العربي والهند في أسيا فضلا عن الكثير من المجتمعات الغربية هي شواهد الى ما نذهب إليه .. فهي مجتمعات متعددة الأقطاب الثقافية والفكرية والسياسية (1) بعكس مجتمعنا الليبي الأحادي القطب في الفكر والسياسة والإدارة ! .. فتجد تلك المجتمعات – وفي إطار وحدة الدولة والوطن العامة – تعج بكثير من القيادات الفكرية والدينية والسياسية والمناطقيه التي ينقسم فيها المجتمع القومي حولها – وداخل إطار الوحدة الوطنية – الى عدة تكتلات سياسية وتيارات فكرية بخلاف المنظمات الأهلية الأخرى مما يحول دون وقوع هذه المجتمعات في قبضة القطب الواحد والشمولي المركزي والوحيد والمدمر للشخصية الإنسانية والشخصية الوطنية ! .

وختاما ً لا يمكن تفسير سلوك كل المتخوفين من التعدد والتنوع والإختلاف بكل أنواعه في المجتمع الواحد بالرجوع الى هذه الحالة النفسية فقط أي حالة الخوف الوسواسي ( الفوبيا ) والإرتياب في الآخر المختلف والمخالف ومع إدراكنا أن رفض التعددية والإختلاف بكل انواعه قد يصدر عن وطنيين مخلصين يعتقدون خطأ ً أن هذا التعدد والاختلاف يشكل خطرا على وحدة الوطن والجماعة إلا أن الشئ المؤكد هنا أن النظم السياسية المستبدة – إستبدادا سياسيا جزئيا او كليا شموليا (2) - هي الأكثر تخوفا من التعددية بكل أشكالها وأكثر تخوفا ً من المطالبة باللامركزية والأكثر تحذيرا ً منها والتخويف منها لا خوفا ً على الوحدة الوطنية وإستقرار الحياة العامة من التشرذم والحرب الأهلية كما تدعي وكما تروّج .. بل لأنها تشعر بأن التعددية واللامركزية تهدد سلطانها السياسي المركزي وإمتيازاتها الخاصة فتستخدم بالتالي ورقة التخويف من الفوضى والحرب الاهلية ومن تقسيم البلاد وتحطيم الوحدة الوطنية أوالدينية من أجل توطيد حكمها وكستار لتصفية خصومها وإقناع الشعب بأنها هي– وبكل معايبها - أهون الشرين وأخف الضررين ! .

سليم نصر الرقعي
كاتب ليبي يكتب من المنفى الإضطراري
elragihe2007@yahoo.co.uk
________________________

(1) سأشرح هذا الموضوع في مقالة كنت قد كتبتها بعنوان ( نحو مجتمع متعدد الأقطاب ) أعكف الآن على تنقيحها وتطوريها لنشرها بصيغة أخرى .
(2) الإستبداد الجزئي هو الإستبداد بالسلطة فقط أم الإستبداد الشمولي فهو إستبداد بالسلطة والإعلام والفكر والثقافة كما هو حاصل اليوم في ليبيا !


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home