Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

الجمعة 20 نوفمبر 2009

هل سينصرنا الله بكثرة عدد حفاظ القرآن الكريم!؟

سليم نصر الرقعـي

حفظ القرآن الكريم كله عن ظهر قلب أمر بلا شك ممتاز وطيب ويستحق الإشادة به والتكريم عليه وإذا أخلص المرء فيه النية لله فلاشك أن أجره لدى الله سيكون كبيرا ً لكن حذاري من محاولة تصوير حفظ القرآن الكريم على أنه غاية الغايات الدينية وأفضل الأعمال المطلوبة من الأفراد والجماعات والحكومات !! .. فالصحابة – رضي الله عنهم - – حسب علمي - معظمهم لم يكن يحفظ كل القرآن الكريم ولا كل احاديث النبي – صلى الله عليه وسلم - ولكنهم كانوا قدوة في العبودية لله وفي الامانة والخلق الرفيع في التعامل مع الخلق وفي الوقوف عند الحق .. فحفظ القرآن شئ جيد في حد ذاته – بلا شك - ولكن ليس هو اهم شئ في الدين بل الاهم منه هو الفهم الصحيح لمراد الله في القرآن الكريم والإيمان به والعمل به (*) .. الأهم بعد الإيمان هو الاخلاق الكريمة والإلتزام الفعلي بوصايا الله ورسوله لا في مجرد العبادات أو محاولة إتباع الهدي الظاهري للنبي فقط بل وكذلك في المعاملات الإجتماعية! .. وهذا المحل الثاني في الغالب هو المحك الحقيقي في صدق وعمق الإيمان لدى المسلم .. فثمرة الإيمان الحقيقي هو مخافة الله تعالى ومراقبته في السر والعلن وعدم الإعتداء على حرمات الله وحرمات وحقوق عباده ولو لم يكونوا مسلمين! .. وعندما يكون هناك ثمة خلل وإنحراف في سلوك المسلم فإن هذا ينتج بالضرورة إما عن ضعف الإيمان أو عن قصور في العلم وخلل في الفهم السليم والمتزن لتعاليم الله ورسوله! .. فالذي يحافظ على الصلوات في أوقاتها ويصليها في جماعة في المساجد ثم ينتهك حقوق وحرمات العباد ويأكل أموالهم بالباطل أو يظلمهم ويطغى عليهم سرا ً وعلانية بل وربما يعق والديه فهذا حاله كحال تلك المرأة التي قيل للنبي – صلى الله عليه وسلم – أنها تصلي وتصوم ولكنها تؤذي جيرانها فقال النبي عنها بأنها في النار!!! .. أو حاله حال ذلك الرجل الذي شهد له البعض عند سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - بأنه أهل للأمانة وتولي الولاية فسأل عمر هذا الرجل الذي شهد لصالح ذلك الشخص الغائب وزكاه قائلا ً : "هل سافرت معه؟ .. هل تعاملت معه بالدينار والدرهم؟ " فلما أجاب الشاهد بالنفي قال له عمر : " لعلك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد" !!! .. أي أن الصلاة على أهميتها وعظمة مكانتها في الإسلام لا تكفي وحدها كمناط ودليل على الإستقامة والعدالة ولا القدرة على تولى الأمانة! .. وكذلك الحال بالنسبة لحفظ القرآن الكريم فعلى الرغم من أهميته وعظمة مكانته في الدين ولكن ليس هو الأساس في الحكم على الناس ولا هو مناط ودليل الشهادة لهم بالإستقامة والعدالة .. فالعدالة والإستقامة لها شواهد وأدلة أخرى تظهر في سلوك الأشخاص ومعاملاتهم ومن خلال سيرتهم الذاتية .. وانا شخصيا ً اعرف بعض من يحفظون القرآن الكريم ولكن القرآن لا يتجاوز ألسنتهم وحناجرهم ولا يظهر أثره في تصرفاتهم ومعاملاتهم وبعضهم قد ينطبق عليه وصف الله تعالى لبعض قراء وحملة التوراة من بني إسرائيل بأنهم كحمار يحمل أسفارا ً !! .. فالقرآن الكريم على الرغم من أنه كلام الله المعجز والمحرك الباعث الأساسي لهذه الأمة إلا أنه لا يُؤتي ثماره ويُؤدي أثاره في نفوس وسلوك الناس ولا يفتح كنوزه العرفانية للعقول إلا من خلال باب الإيمان الحقيقي والعميق يالله والتقوى والفهم العلمي الدقيق!.

فالتركيز في العملية التربوية بوجه عام وفي منهج التربية الدينية بشكل خاص في بلادنا لابد ان يكون على تنمية وتقوية الإيمان العميق بالله تعالى وتنمية وتقوية الضمير الأخلاقي في نفوس أولادنا منذ الصغر وتنمية وتقوية شعورهم بأهمية وعظمة وقيمة العدل الذي قامت لأجله السماوات والأرض والذي لأجل إقامته أرسل الله الرسل وأنزل الكتب .. كذلك التركيز الأكثر ينبغي أن يكون أيضا ً نحو تنمية الجانب العلمي المعرفي – العلم الصحيح بالله وصفاته وتصرفاته وشريعته – وتقوية الجانب الفهمي والفقهي لوصايا وتعاليم الله ورسوله وكذلك التركيز على غرس بذور الصدق والأمانة في نفوس أولادنا ورعاية وحماية هذه البذره حتى تصبح شجرة عظيمة مورقة ومثمرة تؤتي أكلها في المجتمع والدولة كل حين بإذن ربها وكذلك تحبيبهم في علوم الدنيا النافعة وإعلامهم وتعليمهم أن من يملك زمامها بنية نصرة الدين ونفع المسلمين كان له أجر عظيم ... أما منهج التحفيظ والتلقين اللفظي والتركيز على الطقوس التعبدية دون المضمون وتضخيم والجانب الشكلي على حساب الجانب الروحي والأخلاقي من الدين ثم الإفتخار والفرح بذلك أو الإعتقاد بأننا قد قدمنا أفضل ما عندنا لأولادنا فهذا نوع من القصور في الفهم العميق لرسالة الإسلام أو لون من ألوان خداع النفس أو محاولة خداع الآخرين أو حتى لمحاولة خداع الله !!.

فالشئ المؤكد ان الله تعالى لن ينصر هذه الأمة ولن يرفع هذه الغمه لمجرد كثرة عدد حفاظ القرآن الكريم أو حفاظ كتب الصحاح من أحاديث النبي أو كثرة المتحجبات أو الملتحيين في المجتمع أو كثرة طباعة ونشر المصاحف الشريفة والتنافس بين الحكومات العربية على ذلك وأحيانا ً من باب الدعاية السياسية! .. ولن ينصرنا الله تعالى فقط لمجرد أننا (مسلمون) والسلام !! .. فهذا هو الخطأ الخادع والقاتل عينه الذي وقعت فيه (الأمة المستخلفة في الأرض) قبلنا في العهد القديم أي أمة "بني إسرائيل" حيث إعتقدوا أن الله سيكون معهم دائما ً على طول الخط حتى ولو إنحرفوا لا لشئ إلا لأنهم "بنو إسرائيل" أو " أبناء الله وأحباءه" !!؟؟ .. كذلك بعض المسلمين اليوم يحسب أن الله تعالى – رب العالمين والناس أجمعين – سينصرنا لمجرد كوننا " مسلمين" !!! .

إن الله تعالى ينصرنا أولا ًويرفع عنا هذا البلاء بتحصيل جملة من الأسباب المادية والروحية فهو ينصرنا ويؤيدنا بنصره بكثرة الإيمان الروحي العميق في قلوبنا الذي يعكس صلة حقيقية وعميقة بالله تعالى .. وينصرنا بكثرة حب العدالة والأمانة وإنتشارالصدق والعدل والإحسان في الأمة وهذا لا يكون إلا من خلال تربية أولادنا والأجيال تربية سليمة وحكيمة ومتوازنة بحيث يكون فيها الإهتمام بالمعاني والمقاصد الروحية والإيمانية والأخلاقية من الدين ووصايا وتعلميات الله وسنة رسوله وأخلاقه العظيمة والكريمة أعظم وأكبر من الإهتمام بالطقوس الظاهرية والمباني الشكلية من الدين .. فنحن اليوم نحتاج لمن يتصفون بصفات الإيمان الروحي العميق والفهم الدقيق والعلم الصحيح والخلق الرفيع أكثر من حاجتنا لمن يحفظون القرآن الكريم أو صحيح البخاري عن ظهر قلب! .. فهذه النصوص والتعاليم المقدسة إن نسيناها وجدناها في المصحف الشريف المحفوظ وفي بطن كتب الصحاح خصوصا ً في هذا العصر – عصر ثورة تقنية المعلومات - حيث (الذاكرة الإلكترونية) أصبحت تحفظ ما يعجز عن حفظه ذهن وعقل الإنسان! .. وأما الإيمان الحقيقي العميق والأخلاق الكريمة وقيمة العدل والإنصاف لو فقدناها في معاملاتنا وحياتنا اليومية فقل على هذه الأمة السلام !! .. مصداقا ً لقول الشاعر :

وإذا أصيب القومُ في أخلاقهم ** فاقم عليهم مــآتــم وعـويلا !!
إنما الأمـم الأخـلاقُ ما بقـيتْ ** فإن همُ ذهبتْ أخلاقهم ذهبوا !

وكل عام وأنتم بخير

سليم نصر الرقعي
________________________________________________

(*) من الحكمة حينما نرى الناس منصرفين عن تعليم وتحفيظ أولادهم القرآن الكريم أن نزيد في خطابنا الديني من جرعة هذا الأمر والتركيز عليه لحث المسلمين على الإقبال على هذا الأمر أما إذا لاحظنا إقبال المسلمين على تحفيظ أولادهم القرآن بكثرة ولكن على حساب القيم والأمور الأخرى التي تعتبر في ميزان الله أهم في الدين من عملية حفظ القرآن عن ظهر قلب فلابد عندها الإنتباه لهذا الحال وتنبيه أولياء الأمور لما هو أهم وأفضل من مجرد حفظ القرآن فمسلم صادق وأمين في معاملاته حتى لو كان لا يحفظ القرآن الكريم لهو في ميزان الله وميزان الناس أفضل بكثير من مسلم يحفظ القرآن عن ظهر قلب ثم يكذب ويغش ويغدر في معاملاته مع عباد الله.... سأتحدث في مقالة خاصة عن "التدين الزائف والمرضي والخادع"!.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home