Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


سليم نصر الرقعي

الجمعة 19 سبتمبر 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

مقعـد بلا خساره في اليونان!؟
(2 من 2)

- من حكاياتي القديمه -

سليم نصر الرقعـي

عزيزي وبلدياتي : إبراهيم
حدثتك في رسالتي السابقة (*) أنني كنت لا أحفظ عن ظهر قلب القصائد الشعريه التي نظمها الوالد رحمه الله ولا قصائد أعمامي حفظ الله منهم من لايزال حيا ً ورحم من صار منهم في دار الحق وأخبرتك أن هذا الأمر – أي عدم حفظ تراث العائلة – كان يسبب لي حرجا ً في المحافل الإجتماعية فضلا ً عن شعوري بالذنب والتقصير أصلا ً حيال هذا الموضوع فمن حق الأباء أن يحفظ الأبناء تراثهم ويصونوه من الإندثار تماما ً كمحافظتهم على سمعتهم وذكرهم الطيب .. وأخبرتك أنني كنت في الثمانينيات من القرن الماضي في رحلة سياحية في اليونان فألتقيت بشخص هناك إستضافني لمجرد أنه عرف أنني من (عات الرقعي) حيث سألني مسرورا ً (هل أنت إبن حياة نصر الرقعي وعمك الأستاذ معتوق أدم ؟) ولما أجبته بالإيجاب بدا عليه الإنبساط ويكأنه وجد (لقطة) ولاحت له (فرصة) نادرة لا يمكن تفويتها !! .. فلم أجد بدا ً من أن أقبل إستضافته وألبي دعوته خصوصا ً وقد بدا لي وقتها مصرا ً على ذلك وألح في الدعوة وعزني في الخطاب ثم خلال الوليمة (العزومة) فهمت منه أنه ما إستضافني إلا لشئ واحد لا غير ! .. لا لسواد عيوني ولا لسواد عيون عات الرقعي !! .. بل لشئ واحد لا غير وهو : كي يشنف ويمتع إذنيه بسماع قصائد أبي وأعمامي الشعبية التي قيلت في مناسبات مختلفة أيام زمان والتي كان يتداولها أهل البادية في تلك الآونة ! .. فالعزومة إذن لم تكن لوجه الله ولا لوجه (عات الرقعي) في حد ذاتهم بل كان وراء ذلك كله مطلب محدد كحال من لايذبح ديكا ً إلا على أساس مطلب !! .. فصاحبنا كان غاوي شعر شعبي وما يصاحب بعض القصائد الشعبية من قصص وحكايات طريفة ! .. ولما فهمت منه غرض هذه (العزومة) والهدف منها أسقط في يدي وحار دليلي وصاح صوت من أعماق نفسي قائلا ً لي في سخرية مني وشماتة ( يا مرحبا ً يا بو الرقعي !؟؟؟) .. وجلس صاحبنا وهو ينظر إليّ بفرح وسرور وهو يفرك يديه كأنه قد وقع في (كنز عتيق) يسر الناظرين ! .. فهو كان يعول عليّ كثيرا ً ويمني نفسه بسهرة شعرية شعبية تحفها القصص والحكايات الطريفة من عالم البادية وخصوصا ً أنه على ما بدا لي كان يعاني من الشعور بالغربة ويحن لحكايات الوطن وأيام زمان ! .. إلا أنه سرعان ما كانت خيبته في (ضيفه العزيز) كبيرة ومريرة حينما ألقيت إليه بقنبلتي المفاجئة وسط تلك الوليمة الليبية الفاخرة ووسط بلاد الأغريق حيث تفاجأ بي وأنا أقول له ونحن في عز (الوليمة) في إرتباك وخجل وحرج بعد أن طلب مني بكل لهفة وبشكل صريح أن أبدأ في عرض (الدرر المكنونة) وما في جعبتي من تراث عائلتي في مجال الشعر الشعبي ! .. تفاجأ بي أقول له وأنا أبتسم إبتسامة صفراء : ( إمممممم ... بصراحه .. والله ما نحفظ منهن ولا حاجه !! ) ومن هول صدمته لحظتها تجمد في مكانه وهو يبتسم إبتسامة إختلط فيها إحمرار الفرحة مع إصفرار (الكسفة) ولعله إعتقد للوهلة الأولى أنني أمزح معه فقط لذلك ظلت إبتسامة متجمدة لبعض الوقت على شفتيه خارج نطاق التغطية ! .. ولكنه سرعان ما إستوعب الموقف وفهم الحقيقة ! .. الحقيقة العارية ! .. حقيقة ضيفه العزيز ! .. السيد ( و لا حاجه !!؟؟) .... حتى خيل إليّ من شدة صدمته وخيبة أمله الكبيرة أنه سيقوم بنتش وشد قطعة اللحم الكبيرة التي كنت ساعتها منهمكا ً بأكلها من يدي فجأة ً ويقول لي في غضب وعصبية : ( هات جاي !! .. كذا سلم وليدي ألبس كندرتك وأربح !) ....... ولكنه على ما يبدو وجد نفسه في موقف لا يُحسد عليه ! .. فالفاس وقع في الراس وإللي كان كان ! .. وأنا أصبحت حقيقة واقعة وملموسة مهما كانت مرة ! .. فأنا كنت حينها وبعد أن عرف حقيقتي المخيبة لآماله في عقر داره وأمامي كل هذه الأطباق الشهية وكل ما لذ وطاب بل وكنت وقتها منهمكا ً في بلعها واحدة بعد الأخرى بلا هوادة !! .. فالمعركة مع هذه الصحون كانت قد بدأت ولا يمكن إيقافها بحال من الأحوال ! .. فأنا قد شمرت عن ذراعي وهو قد شمر كذلك ولا وقت للتراجع ! .. ومع ذلك فقد ظل صاحبنا طوال جلسة الطعام ينظر إلىّ من حين إلى حين بخيبة أمل واضحة وفاضحة كمن ينظر لمشروع كبير خطط له وفشل فشلا ً ذريعا ً ! .. أو كمن ينظر لخيبة الأمل وقد إمتطت ظهر الجمل وجاءت تمشي على عجل ! .. وبعد أن كان ينظر إليّ كلقطة وثروة أدبية بفرح وسرور أصبح ينظر إليّ كحصلة حصل فيها وأمره لله !!! .... وقد حاولت ساعتها أن أتطرق إلى بعض الموضوعات الأدبية وقصائد الفصحى من بقايا محفوظات المدرسة لعلي بذلك أخفف من محنة الرجل ومن شعوره بالمراره والخساره وأرمم من خاطره المكسور ! .. وأخذت في نفسي أعتصر ذهني وأتوسل لذاكرتي وأحاول إسترجاع تلك المحفوظات القديمة من أيام المدرسة أي من أيام قصيدة ( ديكي ديكي أنت صديقي ) إلى أيام قصيدة ( الليل والخيل والبيداء تعرفني ! ) إلا أنني وفي حمى تقليب مجلد بقايا المحفوظات القديمة في ذاكرتي خطر ببالي الشاعر (علي الفزاني) حيث إلتقيت به قبل هذه الوليمة بأيام في إحدى مقاهي (أثينا) فأخبرته بأنني قد إلتقيت صدفة الشاعر الفزاني ! .. كمحاولة أخيرة مني لتغيير الجو ولتغيير مجرى الحديث بغرض التخفيف على مضيفي الكريم والتهوين من مصابه وصدمته في ّ ! ومن شعوره بالحسرة إلا أن صاحبنا ( فيك يا وادي !!) .. فالرجل - على ما يبدو - كانت خيبته وصدمته وفاجعته في العبد لله أكبر وأمر مما حسبت وتصورت فكنت كلما فتحت موضوعا ً من هنا أو هناك ينظر إلي بتلك النظرة العدوانية التحجيمية الحادة ولسان حاله يقول : (تي ريحلنا الكارطة يا بوصاحب الله يرحم بييك !) أو كأنه يقول لي في ضجر : ( تي غير أشرب طاسة الشاهي وأربح يا بوالرقعي !)(بسلامتك يا ولا حاجه !!) .. وهكذا إنتهت تلك الجلسة (التاريخية) في بلاد (سقراط وأفلاطون وأرسطو) مع ذلك السيد المسؤول بتلك الخيبه المريرة والفاجعة الكبيره بالنسبة له !! .. بدأت بالإبتسامات العريضة وإنتهت بالتفنيص الحمر عيني عينك !! .. فقد خاب أمله في العبد لله يومذاك بسبب عدم حفظي لأشعار والدي وأعمامي ولا أشعار غيرهم من شعراء البادية ولا هم يحزنون ! .. وأحس عندها صاحبنا بأنه بعد كل هذه العزيمه والوليمه قد (طلع من المولد بلا حمص)! .. وأنه أخذ في ّ مقلبا ً كبيرا ً ! .. وأن ضيفه العزيز طلع ( مش حافظ و لا حاجه )!!؟؟ .. يعني بالعربي وبلغة جماعة الكارطه طلع صاحبنا من هالمعمعة كلها بـ( شينكه بره )! و لم يحصل مني ولو حتى على (صايلي) واحد ! ... أما العبد لله فقد طلعت بـ(مطلوع) – في جرة الوالد الله يرحمه - وخرجت من " المولد " مش غير بحمص وبس ! .. لكن طلعت بعزومة ووليمة ليبية (معنقرة)( شربه وبراك ورز ولحم وسلطات) و(طويسة شاهي خضره بالنعناع) .. غداء ليبي معنقر على كيف كيفكم .. و .. وين ؟؟؟؟؟ .. في وسط أثينا باليونان !! .. وخاصة ً أن (العزومة الزايطة) جت بعد أسبوعين من أكل سندوتشات الطعمية والفول في المطعم المصري بأثينا ! .. يعني ( جت في وقتها !) والحمد لله رب العالمين وهو خير الرازقين ! .. ولا ذنب لي في هذا كله بالطبع ! .. فلا أنا ضربت هذا الأستاذ المسؤول على يده وقلت له إعزمني يا بوصاحب مقابل سماع قصائد شعبيه ! .. ولا إدعيت أمامه في يوم من الأيام بأنني أحفظ شعر الوالد وقصائد أعمامي عن ظهر قلب !! .. ولكن (عبدو) غلط في الحساب والغلطة طبعا ً بحسابها وإللي كان كان .. وكان أمر الله مفعولا ! .. وأتذكر أنني حينما كنت خارجا ً من بيته – بعد أن صار إللي صار - كنت أتوقع أن يقول لي عندما يرافقني عند الباب : ( لو سمحت الحساب يا باتي !) وكنت قد جهزت في نفسي جوابا ً إستباقيا ً من باب الإحتياط ومن باب "ضرب النقص" على أساس المقولة الخالدة التي تقول ( إضرب النقص تجي أنت والحق سواء )! .. حيث كنت سأقول له يومها إذا طلب مني الحساب : ( خليه على حساب المكتب الشعبي يا بوصاحب زي العاده !) ولكن ربنا لطف بينا وستر علينا فلا هو قال ما توقعت ولا أنا قلت ما بيته في صدري ! .. ولكنني أيضا ً – وكمحاولة أخيرة لفك الإشتباك الحاصل بيننا ! - ولما لم أسمع منه كلمة الوداع المعتادة عند عرب البادية بعد كل (عزومة) كما جرت العادة وهي قولهم ( مقعد بلا خساره ! ) وجدت نفسي بشكل تلقائي ودون قصد أتطوع بقولها أنا كخاتمة ولازمة لابد منها : ( ياسيدي بارك الله فيك .. ومقعد بلا خسارة إن شاء الله !) ولكنه عاد وقذفني بتلك النظرة الحاقدة (إياها !) إلى درجة أنني شعرت معها وكأنه يقول ساخرا ً وبمراره وبصوت عال جدا ً : ( قالك بلا خساره وسكت !!؟؟) ..... والشاهد هنا أن هذا ما حدث يومذاك ! ... ولكن ماذا كنت لأفعل له بالله عليكم ؟؟؟ .. ماهو إللي صار صار وأمره لله ! ....... (الله غالب !) (سامحني ياسيدي أنا مش حافظ الدرس !) ( خلاص .. عطيني عشر جلدات ومعاش إنديروها مرة أخرى يا أستاذ !!؟) (المرة الجاية .. حاضر ياسيدي حنفظ لك شي قصيده من قصائد عات الرقعي !) (قلنالك سامحنا يا سيدي معاش إنديروها !) ( غلطه وصارت !!) ( جل من لا ينسى يا سيدي) ! .... هكذا كنت أحدث نفسي وأنا في طريقي إلى الفندق الذي كنت أقيم فيه في ساحة (أمونيا) بالعاصمة اليونانية .... والمهم اللي حصل حصل وخلاص ! .. وفي نهاية المطاف ونهاية الجلسة ذهب صاحبنا (مضيفي العزيز) في حال سبيله وهو يجر وراءه أذيال خيبته المريرة والكبيرة في العبد لله ! .. وذهبت أنا بالمقابل في حال سبيلي أجر "بطني" بعد تلك الوليمة (المعنقرة) ! .. وأنا أردد في نفسي (الدنيا حظوظ و قسمه ونصيب ! ) ..... والشاهد هذا ما حصل يومها ولله في خلقه شؤون .. وصدق إللي قال ( إللي قاسمتلك ما تخطاك ) مش هكي وإلا لا يا جماعة الخير ؟؟؟ .. وإلا أنا غلطان ؟؟.... وإلا أيش رايكم أنتم !؟؟.. وإلى لقاء في حلقة أخرى من حكاياتي القديمه ...

سليم نصر الرقعي
elragihe2007@yahoo.co.uk
________________________

(*) http://www.libya-watanona.com/adab/elragi/sr15098a.htm
(**) الشخصيات الكاريكاتيرية مقتبسة عن الفنان الليبي الساخر محمد زواوه


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home