Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

الثلاثاء 18 مايو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

الخطوط الحمراء على حرية التعبير في المجتمع الليبي المسلم!؟ (3)

سليم نصر الرقعـي

تحدثنا في الجزء الأول عن رفضنا القاطع إعتبار شخص وفكر ورأي وتصرفات "معمر القذافي" – القائد السياسي الحالي للدولة الليبية - خطا ً أحمر من دون الليبيين وكأنه في ذاته وتصرفاته في مقام ذات الله أو ذات النبي !! .. وكأن كتابه الأخضر في مقام كتاب الله "القرآن الكريم" الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! .. فهذا أمر مرفوض من حيث المبدأ بل هو قمة الطغيان بل هو شكل من أشكال "عبادة وتقديس الشخص" مع الله أو من دون الله!! .. ثم ناقشنا في الجزء الثاني مسألة الدين كخط أحمر والإسلام كمحدد من المحددات الأساسية على "حرية التعبير الفكري والأدبي والقولي" في المجتمع الليبي المسلم .. وحذرنا من "فخ" الإطلاق والإجمال والتعميم وقلنا بأنه – بدون التحديد والتقييد والتفصيل – يصبح الإطلاق والتعميم جلبابا ً واسعا ً عريضا ً فضفاضا ً يؤدي إلى الإبهام والوقوع في الأوهام! .. وذكرنا أن العلم الحقيقي والحكم الصحيح هو دائما ً في التحقيق ومعرفة التفصيل الدقيق أما الإجمال والتعميم فهو ديدن العوام! .. وكذلك الحال هنا في مسألة (الهوية الليبية ووحدتنا الوطنية وأمننا الوطني) فلا يصح هي الأخرى رفعها كخط وضوء أحمر نحذر الناس من المساس به دون بيان المقصود به على وجه التفصيل!.. فماذا نقصد بقولنا أن وحدتنا الوطنية وأمننا الوطني خط أحمر فيما يتعلق بحرية التعبير!!؟؟.. فالتعميم والإجمال يؤديان إلى التعتيم والإشكال في أكثر الأحوال .. ويجعلان هذا الممنوع المجمل مثل "البعبع" أو "التابو" الغامض والمبهم الذي نخيف الناس منه دون أن يفهموا ماهي طبيعته؟ وماهو المقصود به على وجه التعيين والتحديد والتفصيل! .. وتحويل هذا الخط الأحمر العام المجمل المبهم – بالتالي - إلى "جلباب واسع فضفاض" قد يُدخل فيه أصحاب الأغراض السياسية أو المذهبيه ما ليس منه في الحقيقة أو يستخدمونه كعباءة واسعة لإحكام السيطرة على الآخرين وتخوين المعارضين والمخالفين لهم أو يستعملونه كـ(فزاعة) من أجل تكميم الأفواه ومصادرة حرية التعبير!!.. فالخطوط الحمراء التي يصطنعها الناس من عند أنفسهم خصوصا ً في النظم الشمولية البابوية الأبوية قد يكون ظاهرها الرحمة ولكن من باطنها وقبلها العذاب!.

ولاحظ هنا أننا لازلنا نتحدث عن الخطوط الحمراء في مجال حرية "التعبير القولي" لا في مجال "الفعل العملي" وتطبيق الأفكار! .. فمجال القول يختلف عن مجال الفعل .. فليس كل من إمتدح السرقه كمن مارس السرقه بالفعل مع أن الأمرين كلاهما سئ !؟ .. فلو إمتدح شخص ما(؟) عملية السرقة في مقالة كتبها فهل ستقبض عليه السلطات بتهمة التحريض على السرقه!؟.. وهل من قال :"أتمنى أن أسرق مصرفا ً!" نعاقبه بعقوبة السرقة!؟ .. أم نترك أمثال أصحاب هذه المقولات والتمنيات المتطرفة والمنحرفة وربما الشاذة لعموم الناس يردون عليهم ويناقشونهم أو ربما يسخرون منهم ومن أراءهم السخيفة أو غير المستساغة أو المخالفة للمعتاد والمألوف!؟ .. أما يوم يسرق هذا الذي يمتدح السرقة أو يتمنى ممارستها بالفعل فسيتم القبض عليه على الفور وتتم معاقبته بعقوبات السرقة المقررة في قانون ذلك البلد الذي يعيش فيه ويخضع لسلطانه! .. كذلك الحال في ما يتعلق بقضية حرية التعبير "الكلامي والإعلامي" فلابد أن يكون المجال فيها أوسع بكثير من مجال العمل والتطبيق والتنفيذ!.. فلو أن مواطنا ً ليبيا ً أمازيغيا ً مثلا ً يعتقد أن الأصل في الليبيين أنهم أمازيغ – دما ً ولحما ً وعرقا ً وعظما ً! - كلهم أو معظمهم(!!) وأن بعضهم كان قد إستعرب لغويا ً وبعضهم لم يستعرب!! .. فكيف نتعامل معه؟؟؟ .. هل نتهمه بالخيانة العظمى والعمالة للإستعمار ونعاقبه بدعوى أنه يمس وحدتنا الوطنية بكلامه أم أن الصحيح هو أن نناقشه ونناقش أفكاره التي يعرضها بشكل علني أمام الملأ!؟.. وكذلك الحال لو أن متطرفا ً قوميا أمازيغيا ً صار يدعو إلى إلغاء دولة ليبيا وإلى تكوين دولة "تامزيغيا" العظمى أو "ليبيا الكبرى" في الشمال الإفريقي التي تضم كل "أمازيغ" الشمال الإفريقي فهل نقبض عليه ونقدمه للمحاكمة بسبب هذا الرأي المتطرف وبدعوى أنه يدعو للفتنة الطائفية ويهدد وحدتنا الوطنية وأمننا القومي أم نكتفي بالرد على كلامه بكلام أقوى حجة ً وبرهانا ً وأنصع منطقا ً وبيانا ًبشرط عدم سب وشتم الآخرين او محاولة إهانتهم وإهانة إنتمائهم للعروبة أو لغير العروبة! .. كذلك الحال – وفي المقابل - لو كان هذا المتطرف عروبيا ً كتب يعبر عن إعتقاده أن كل الليبيين عرب أقحاح (!!) - منهم من جاء قبل الإسلام ومنهم من جاء لهذه المنطقة بعد الإسلام! - أو كتب يسخر من الدول "العربية" القطرية بما فيها "ليبيا" وإعتبرها مجرد صنيعة الإستعمار ونتاج إتفاقية "سايكس بيكو" وأن الصحيح – من وجهة نظره وإعتقاده - هو إلغاء هذه الدولة القزمة المسماة ليبيا ومحوها من على الخريطة بالمرة والتخلص منها بدعوى أنها صنيعة الإستعمار أو من مخلفات الإستعمار (!!!) وبالتالي إقامة دولة عربية إندماجية واحدة تجمع كل العرب من الخليج إلى المحيط! .. فهذا أيضا ً يجب أن نسمح له بعرض موقفه وفكرته والتعبير عن رأيه مهما بدا لنا – كوطنيين - عروبيا ً متطرفا ً ويكون الحل هنا هو أن ندخل معه في حوار ومناقشة جدية على الملأ ونترك الليبيين يسمعون لهذا وذاك ثم يقررون من الذي على صواب! .. كذلك لو خرج علينا من يدعو إلى إلغاء كل هذه الدول في شمال إفريقيا وتكوين دولة "فاطمية" على أنقاضها! .. فمهما بدت لنا هذه الفكره وكأنها فكرة جنونية أو سخيفة لابد أن نترك له حق الكلام بكل حرية وأمان وأن نستمع إليه ولفكرته ثم يكون لنا في المقابل حق مناقشته ومخالفته والرد على هذا الرأي الغريب العجيب أو السخرية منه بكل حرية وأمان!.. وكذلك الحال لو خرج علينا ليبي جهوي متطرف "برقاوي" مثلا ً يدعو إلى تقسيم ليبيا إلى عدة دويلات على أساس "الجهات"!!! أو جاء "برقاوي" آخر أقل تطرفا ً ليدعونا فقط إلى العودة إلى نظام الولايات الليبية المتحدة .... إلخ !.. فالحل لا يكون بتكميم الأفواه أو التخوين أو التكفير بل بمناقشة صاحب هذا الرأي بشكل موضوعي ومنطقي زعلمي والرد عليه ودحض حججه بشكل علني ثم نترك الليبيين المهتمين بمثل هذه القضايا والأراء يستمعون له ولنا ثم يقررون أي الفريقين أقوى حجة وأكثر إقناعا ًلهم !! .. فهكذا يحدث الإثراء الفكري وتخضع كل الأفكار حتى الغريبة والشاذة وربما المضحكة للتمحيص العقلي وللمحك الجدلي! .

ولاحظ هنا – مرة أخرى - أننا نتحدث في مقالتنا هذه كلها عن الخطوط الحمراء حول "حرية القول" لا "حرية الفعل" فمجال عرض وإبداء الأراء والأفكار والنظريات أوسع وأرحب من مجال تطبيقها!.. كما لاحظ أننا هنا نتحدث في مجال عرض الأراء الفكرية والسياسية والفلسفية مهما بدت لنا متطرفة أو منحرفة ولسنا بصدد الحديث هنا عن حرية سب وشتم الآخرين كأن يشتم "جهوي" أهل جهة أخرى أو يحاول النيل من صورتهم وكرامتهم أو تاريخهم أو يسب "قبلي" أهل قبيلة أخرى ويحاول النيل من صورتهم وسمعتهم فهذا شئ آخر بكل تأكيد! .. فمثلا ً من يعتقد أن من الأفضل تقسيم ليبيا إلى عدة دويلات أو إلغاء دولة ليبيا بالمرة وضمها لدول أخرى تحت دعوى الإتحاد العربي أو الإفريقي أو الإسلامي أو الفاطمي لا نمنعه من حرية الكلام ولا التعبير عن هذا الرأي الغريب المتطرف – بالنسبة لنا كوطنيين ليبيين - بدعوى أن الكلام في مثل هذه الأمور وفتح مثل هذه الموضوعات حرام وخط أحمر سيدمر وحدتنا وهويتنا الوطنية!!.. بل التصرف السليم هو أن نترك له المجال للتعبير عن وجهة نظره "العنصرية" أو "الجهوية" أو "ضد الوطنية" أو "المتشددة" أو "الطوباوية" ثم يكون لنا الحق بالرد عليه ومناقشته ومناظرته ومقارعته الحجة بالحجة ثم يكون البقاء للرأي الأقوى حجة وبرهانا ً والأكثر تماسكا ًوالأحسن بيانا ً أما يوم يحمل صاحب مثل هذه الأفكار السلاح ويعد العدة لينفذ ذلك التفتيت الجهوي أو العنصري أو لألغاء ليبيا (الوطن والدولة والهوية) لضمها لدول أخرى في مشروع نحسب أنه "طوباوي" عقيم فذلك شئ آخر! .. شئ آخر يتعلق بأمن الدولة ووحدة الوطن ومتعلق بمجال الفعل والتنفيذ لا بمجال القول وحرية التعبير!.

ثم وبشكل عام من الأفضل لنا فتح المجال لحرية الكلام والتعبير خصوصا ً عن طريق الكتابة الفكرية والسياسية والفلسفية والأدبية وعرض مثل هذه الأفكار المختلفة جهارا ً نهارا ً تحت ضوء الشمس حتى لو بدت لنا أنها "ضد وطنية" أو أنها "متطرفه" أو "منحرفه" أو "طوباوية" حتى يمكننا معرفة مدى تغلغلها في المجتمع وما مدى شعبيتها ليمكن التعامل معها بشكل حكيم فليس من الحكمة "المبالغة المفرطة" في حماية أنفسنا وعقولنا وأبداننا وهويتنا ووطنيتنا بدعوى الوقاية من "الجراثيم؟" فهذا قد يؤدي إلى ضعف جهاز المناعة الطبيعية لدينا كما أن المبالغة المفرطة التي يمارسها أولياء الأمور على أبنائهم قد تعطي نتائج عكسية وتؤدي إلى ضعف شخصية هؤلاء الأبناء وتعطيل نموهم الطبيعي وتحد من قدرتهم على الكفاح في الحياة!!!.. كذلك الحال فيما يتعلق بهويتنا ووحدتنا الوطنية فأنا ضد كل هذه المبالغة في إخضاعها لحماية الدولة والقانون والحرام أو تحويلها إلى "خط أحمر" و"منطقة محرمة وغامضة ومقدسة " تشبه "التابو" ! .. فالحماية السليمة إنما تكون من خلال تقوية مقوماتها وحجتها وفلسفتها وقدرتها على كسب عقول وقلوب وأصوات المواطنين ومن خلال تزويدها بكل عناصر القدرة على مكافحة العوامل المضادة لها ومن خلال مناهج التربية الوطنية "الواقعية المنفتحة غير الشوفانية" في مؤسسات التعليم ووسائل الإعلام ثم نتركها تنمو وتترعرع وتقاوم عوامل الهدم والشيخوخة والإستلاب وسط صراع وتدافع وتفاعل الهويات القومية في العالم أو الإنتماءات "تحت الوطنية" لتثبت جدارتها بالبقاء والوجود وقدرتها على المقاومة والإرتقاء والصمود!.

سليم نصر الرقعي


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home