Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


سليم نصر الرقعي

الأثنين 15 سبتمبر 2008

مقعـد بلا خساره في اليونان!؟
(1 من 2)

- من حكاياتي القديمه -

سليم نصر الرقعـي

عزيزي وبلدياتي : إبراهيم غنيوه
بعد التحية
هاهو حل شهر رمضان الكريم ومع حلوله تتجدد الذاكرة وتتداعي الذكريات القديمة من كل مكان وزمان .. حيث تفعل رائحة الشربة الليبية (المنعنعة) فعلها في تجديد نشاط الذاكرة ومن ثم السفر بخيالنا نحو عالم الأيام الخوالي بمحطاته المختلفة .. أيام الصبا وأيام الشباب .. وسأترك الذكريات تتداعي هنا بلا ترتيب ولا تبويب ولا سبق إستدعاء ولا إتفاق بل هكذا خبط عشواء على رائحة (الشربة الليبية) ورائحة فنجان القهوة العربية الليبية بعد وجبة الإفطار وقبل اللحاق بصلاة التراويح في المسجد كما جرت العادة ! .

عزيزي وبلدياتي : إبراهيم
مع إنني من أصول بدوية قحة وأنتمي إلى قبيلة المغاربة "الجبرونية السعدوية" المعروفة ومن فرع (الشامخ) (بيت على) ومن سكان مدينة إجدابيا إلا إنني في الحقيقة لم أتمتع بحياة البادية البرية (في البر) أي (حياة البوادي / البادية) كما تمتع بها أبي – رحمه الله – وأعمامي - بعيدا ً عن كدر حياة المدائن وسلطان السلاطين ! - حيث قضوا طفولتهم وفترة صباهم بتلك النواحي والفيافي البعيدة والمعزولة عن العالم في البادية وفي الحياة الطبيعية الطيبة الحرة في نجع (عات الرقعي) بمنطقة (الحبري) المطلة على ساحل البحر والتي لم يكدر صفوها يومذاك شئ إلا حادثة مقتل جدي (آدم) - رحمه الله - في غزو (عيت الإطيوش) وهم عشيرة من قبيلة المغاربة أيضا ً من فرع (الرعيضات) الذين قاموا في تلك الأيام - أيام القحط والشر - بغارة مسلحة ومفاجئة على نجع عشيرتنا الغنية قليلة العدد ! .. حيث أصر (جدي يادم) على مقاومة الغزاة مع كثرة عددهم وعتادهم .. هؤلاء الغزاة الذين هيجهم ربما تضور أطفالهم جوعا ً فهبوا يطلبون لهم الحياة ولو بموت الآخرين ولو كانوا من بني عمومتهم ! .. فما كان من جدي إلا أنه شهر سلاحه في وجه هذا الصائل المعتدي دفاعا ً عن حلاله وماله ويقاوم المعتدين وهو يصيح بصوت يجلجل في النجع : ( ما نعطيها وأمي فيها !)( ما نعطيها وأمي فيها !) وأخذ يقاتل حتى أصابوه في مقتل ومات لساعته رحمه الله ..
وقد غضب – كما قيل لنا – شيخ عائلة الأطيوش – وزعيم المغاربة فيما بعد – الشيخ المجاهد (صالح الإطيوش) – رحمه الله – بعد سماعه أن مجموعة من عشيرته قاموا بقتل جدي ووبخ من أطلق الرصاص على جدى وطلب منه أن لا يـُريه وجهه بعد ذلك اليوم ! ... فقد كان جدي (يادم) رحمه الله معروفا ً في أوساط البادية بالطيبة والمسالمة والكرم الكبير ولكن الجوع كافر ! .. وللضرورة أحكامها ! .. والمال عزيز لذلك قيل من مات دون ماله فهو شهيد !.. إلا أن أبي وأعمامي بعد ذلك وفي شبابهم وبعد تعلمهم القراءة والكتابة على يد (الشيخ عيسى الفاخري) - رحمه الله – ملوا حياة البادية وتاقت أنفسهم لحياة المدينة وإنتقلوا من ثم للعيش في المدينة نهائيا ً ( في إجدابيا ثم بنغازي) ... ومع أنني من بيت بدوي الأصل بل وبيت شعراء إلا إنني – والحق يقال – لم يكن لدي ولع كبير بالشعر الشعبي في الفترة التي عشتها في ليبيا (إجدابيا ثم بنغازي) مع أن والدي - رحمه الله - وأعمامي من الشعراء الشعبيين المعروفين في الأوساط الشعبية والبدوية في المجتمع الليبي في عهده السابق(1) خصوصا ً عمي (معتوق الرقعي) – وهو زير داخلية سابق في عهد المملكة – والذي إرتبطت بإسمه قصيدة (سبحان اللي هنتك وهاونتيني ** ونسيتك بعد ولعات ونسيتيني)(2) التي نظمها أيام شبابه والتي غناها فيما بعد (محمد حسن) في رحلة نغم حينما عرج في أغنيته ورحلته الغنائية على مدينة إجدابيا ! .. إلا أن شعر عمي معتوق كسائر أعمامي الآخرين أخذ بعد ذلك الطابع الديني والأخلاقي وطابع الحكمة وتهذيب النفس خصوصا ً خلال معاناته محنة فترة الإعتقال السياسي في السجن عقب الوثيقة التي وقعها جمع غفير من أعيان البلد لمطالبة العسكر الإنقلابيين بالعودة السريعة لثكناتهم وإقامة حكم دستوري برلماني منتخب من الشعب ! ..
وللأسف الشديد لم أهتم بحفظ أو متابعة شعر الوالد (نصر الرقعي) رحمه الله ولا بأشعار أعمامي خلال تلك الفترة(3) ! .. فقد كان إهتمامي تلك الأيام منصبا ً على القصص والفكر والفلسفة والدين والسياسة مع إنني وبالسليقة كنت أعبر – في بعض الأوقات وبعض الحالات – ودون تكلف وإصطناع عن بعض مشاعري العاطفية أو الإنسانية أو الوطنية أو الدينية عن طريق بعض المحاولات الشعرية البسيطة باللهجة الشعبية المحكية حيث حاولت فيها الإبتعاد قدر الإمكان عن العبارات البدوية القديمة غير المستعملة في واقعنا الحالي المعاش .. فاللهجة كما هو معلوم تتغير بتغير الزمان والمكان وهكذا هي لهجة البادية في شرق ليبيا فلهجة بادية البيضاء ودرنة مثلا ً لا تماثل تماما ً لهجة بادية إجدابيا أو بادية سرت على سبيل المثال ! .. لذلك يغلب على الشعر الشعبي أنه شعر مسموع ومنقول باللهجة المحكية أكثر من كونه مكتوبا ً ومقروءا ً فعذوبته وقوة تأثيره تكون من خلال سماعه من " بدوي" قح يـُحسن إلقاء الشعر الشعبي بطريقة ولهجة بدوية (4) والواقع قد كنت أشعر بالحرج الشديد عندما يطلب مني بعض الناس أن ألقي على مسامعه قصيدة لأبي أو لعمي فأنا لا أحفظ من شعرهما شيئا ً البتة إلا بعض أبيات متفرقة غير واثق من صحتها ودقتها ! .. وهو تقصير مني بلا شك ويدخل في إطار إهمال الأبناء والأحفاد لتراث الأباء والأجداد وهي ظاهرة عامة ضاع بسببها الكثير من التراث الأدبي والمادي وكثير من الذكريات والحكايات الشعبية والتاريخ الشعبي لكل مدينة وكل قبيلة في ليبيا !!؟ .. وأنا شخصيا ً لا تميل نفسي أو عقلي أصلا ً إلى عمليات الحفظ مع أن ذاكرتي تستوعب الحفظ لو ألزمتها ووقفت لها بالمرصاد !! .. ومع إنني كنت في مرحلة التعليم المتوسط والعالي من أوائل الطلبة إلا إنني كنت أنفر بشكل كبير من عملية الحفظ عن ظهر قلب وأركز على الفهم !! .. بل إنني اليوم لا أحفظ حتى محاولاتي الشعرية الخاصة عن ظهر قلب ! .. وهذا من عيوبي التي لا أنكرها ! .. فإن الحاجة إلى المحفوظات والحفظ ماسة للفرد والأمة ! .. وخصوصا ً المثقف أو طالب العلم والمعرفة فهو يحتاج إلى حد أدنى من حفظ الأدلة والنصوص والنظريات والتواريخ والأرقام لتكون معرفته موثقة وحجته دامغة وتكون أدلته حاضرة في ذهنه عند الطلب ! ...
وعلى ذكر هذه النقائص والعيوب وجانب التقصير في حفظ تراث عائلتي الأدبي وأشعار أبي وأعمامي سأذكر لكم – يا سادتي يا كرام - حادثة طريفة وقعت لي في العاصمة اليونانية (أثينا) في الثمانينيات من القرن الماضي أي أيام الشباب الأولى حينما كنت في زيارة سياحية في العطلة الصيفية هناك حيث أستضافني يومها أحد العاملين في السفارة الليبية (المكتب الشعبي) هناك بمجرد أنه عرف أنني من (عات الرقعي) طمعا ً في سماع بعض قصائد والدي وأعمامي فكان ما كان والله المستعان !!؟؟

.. وللحديث بقية إن شاء الله رب البريه في الحلقة القادمه .... يتبع .

سليم نصر الرقعي
elragihe2007@yahoo.co.uk
________________________

(1) لم يعرف عن أبي وأعمامي أنهم يلقون الشعر في المحافل العامة أو الأفراح والمناسبات بل الغالب أنهم كانوا يقومون بتسجيله على أشرطة مسموعة بصوتهم ثم يعيروه إلى الأقرباء والأصدقاء أو يعطوه لبعض رواة الشعر الشعبي ممن أشتهروا بحفظ الشعر وإلقاءه في المجامع العامة ومنهم الحاج (خليفة هدوار) في إجدابيا صاحب الصوت الجهوري والإلقاء الجميل فضلا ً عن إلقاءه للمواعض الدينية بطريقة شعبية محببة عند الناس .. وعلى الرغم من أن الوالد توفي عام 1968 وكنت يومها في الخامسة من عمري إلا إنني لازلت أذكره وهو يستخدم جهاز تسجيل من النوع القديم وقد جلست معه في الصالون ذات مره حينما أخذ يسجل إحدى قصائده ولعل هذه (اللقطة) بقت محفوظة في الذاكرة لأنني وقتها إنبهرت بشدة بجهاز التسجيل (الموديل القديم) حيث لم تكن الأشرطة يومذاك على شاكلة أشرطة (الكسيت) الصغيرة المعروفة اليوم بل كان الشريط يشبه إلى حد كبير (الشريط السينمائي) !.
(2) يمكنك الإطلاع على قصيدة (سبحان إللي هنتك وهاونتيني) من خلال هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/smjebril/sj27015a.htm
(3) منها مراسلات شعرية جرت بين والدي وعمي "سعيد" حول مسألة (غلاء المهور!؟) حيث بدأ عمي سعيد وهو في أوج الشباب يومها رسالته للوالد قائلا ً ( غلاء المهر يا ناس تم قضيه ** تريد حل عاجل قبل فوت الأوان!) ثم أخذ يبدي في قصيدته رغبته لشد الرحيل إلى مصر بغرض الزواج فيظل يمتدح المصريات وأفضليتهن على الليبيات فيقول ( شور مصر مسقد وناوي نيه ** شور مصر مدردح لها طربان ! ) فيرد عليه الوالد في رسالة قائلا : ( تهيين في بنت الوطن جبت السيه ** ونا نقول بنت الوطن ما تنهان) ( وليش يا سعيد اليوم تحرج في ** تناسيت قسميتي من أي مكان )؟؟ .. والقصيدة طويلة وفيها شد وجذب ونقاش طويل من الجانبين لكن هذا ما يحضرنى منها الآن وهو ما نقلته لي الوالدة رحمها الله أثناء زيارتها لي هنا في بريطانيا (2006) .
(4) سأوضح في مقالة خاصة إذا بقي في العمر بقية أن الشعر الشعبي الليبي بوجه عام بات ينقسم اليوم إلى قسمين أساسين : الشعر الشعبي البدوي والشعر الشعبي الحضري الخاص بأهل المدن مثل طرابلس وبنغازي ودرنه وهو الشعر المؤلف بلهجة أهل المدينة المحكية لا باللهجة البدوية كما هو الغالب في الشعر الشعبي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home