Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


Salim Naser al-Ragi

Sunday, 14 May, 2006

ظاهرة الإنقلاب عـلى رفاق الأمس!؟

سليم نصر الرقعـي

إن بعض الساسه يتقلبون.. و ينقلبون!.. فينتقلون ـ بشكل مفاجئ أو متدرج ـ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.. من هذا الفصيل إلى ذاك.. أو من خندق المعارضه إلى خندق النظام.. أو ينقلب على النظام وينحاز للمعارضه.. لماذا؟ .
هل بسبب إتباع الحق والحقيقه؟
والجواب أن ذلك يحدث في أكثر الحالات وأكثر الأوقات ليس بالضروره بسبب المبادئ وصحوة الضمير ولا من أجل الإصلاح والتغيير كما يدعي هؤلاء الساسه ويزعمون أو حتى كما يظنون هم أنفسهم(!!؟؟)(1) وإنما هذا قد يحدث بسبب تأثير مصالحهم الشخصيه والموازنه بين الخوف والرجاء(!) وحساباتهم الذاتيه ومكاسبهم الخاصه (الماديه والسياسيه والأمنيه!) التي يطمحون إلى تحقيقها مع هذا الجانب أو ذاك!.. ويشعرون أن (الظروف) قد تغيرت لصالح هذا الطرف أو ذاك وأن رهانهم الراهن على (حصان المعارضه) أو (حصان النظام) هو رهان خاسر أو كاسب!.. ومن ثم يغيرون مواقفهم وبالتي مواقعهم!!.. وبعضهم قد يكون الدافع الحقيقي في إنقلابه هو الرغبة الظاهره أو الخفيه في الإنتقام من رفاق الأمس الذين خذلوه أو آذوه أو لأنه يعتقد أنهم لم يعطوه نصيباً من (الكعكه) التي تحصلوا عليها!.. أو لأنه لما لم يجد عند هذا الطرف (الدور والمنصب) الذي يطمح إليه ويعتقد أنه يستحقه ذهب إلى الطرف الآخر وإنحاز إليه لعل وعسى!
بالطبع أنهم لن يعترفوا بهذه الحقيقه المريره أمام الناس ـ أي حقيقة أنهم ما غيروا مواقفهم ومواقعهم إلا بسبب حسابات الربح والخساره وتغير ميزان القوى أو ميزان المصالح الشخصيه بل إن بعضهم لا يعترف بهذه الحقيقه حتى أمام نفسه خشية من سياط الشعور بالذنب اوالعار والدونيه! ـ ومن ثم يقومون ـ بوعي أو بدون وعي ـ بإلباس موقفهم الجديد هذا وهذا التغيير المتطرف والطارئ على موقفهم وفي موقعهم ثوب المبادئ وإتباع الحق والحرص على الوطن والمواطنين أو لأن الدين أو الأخلاق أو الوطنيه الحقه تقتضي هذا التغيير في الموقف وفي الموقع... إلخ.

*   *   *

يقول بعض الفلاسفة وعلماء النفس والأخلاق بأن الإنسان كائن تبريري خطير وعظيم(2) !..لايبرر أخطاءه وخطاياه وسقطاته أمام الناس وحسب بل بوسعه أن يفعل ذلك حتى أمام ضميره(!!).. بل وأمام الله تعالى أيضاً ولا يبالي!!؟؟.. ويقولون بأن الرغبه النفسيه عند معظم البشر تسبق التفكير!.. بمعنى أننا نرغب في شئ ما ثم يعمل العقل والفكر على تبريره وتصويغه ويلبسه حلة جميلة من المنطق والموضوعيه والفضيله والمشروعيه!!.
حتى الذنوب والخطايا والجرائم يمكن أن نغلفها بغلاف حريري من الفضائل!!.. حتى الهزائم يمكن أن نبررها ونحولها بالكلام إلى إنتصارات!!.. حتى الجبن والإنهزام والرغبة في التشفي والإنتقام يمكن أن نغلفه بغلاف كثيف من المبررات ودعاوى العقلانيه والموضوعيه والوطنيه... إلخ... حتى النيل من خصومك والتشفي والنكاية فيهم يمكنك أن تلبسه ثوب مزخرف من الموضوعيه والمنطق والعدل والأخلاق والفضيله!!.

وهكذا نجد (الرغبه) أو (الرهبه) تسبق أولاً ثم تلحقها التبريرات والتغليفات (الكلاميه) والتي نحاول من خلالها تزيين موقفنا أو أن نخفي من ورائها حقيقة مانرغب فيه ومانقصده أصلاً! وقد يتم هذا منا ـ بدون وعي! ـ وقد يتم مع سبق التخطيط والوعي ومع سابق الإصرار والترصد!.. ولكن تبقى هناك ثغرات وفلتات لسان وفلتات قلم تخرج في أوج الإنفعالات التي يحاول الكاتب أو المتكلم كبتها أو إخفائها عن العيون كدليل وإشارات على حقيقة تلك الرغبات الأساسيه المستوره والمطموره كالرغبه في التشفي والإنتقام من خصوم الأمس أو من رفاق الأمس!.. فبعض الأشخاص يمكن أن يزعم أنه يريد الإصلاح والخير وتجميع أهل الوطن الواحد ونشر الأخلاق الحميده... إلخ ولكنك لو تأملت كتاباته ومقالاته بعين المتفحص الواعي والمحلل الذي يقرأ مابين السطور وتحت السطور ويعلم خلفية الكاتب وتوجهاته بحيث لم تخدعك المظاهر والألفاظ الجميله ودعاوى الفضيله والإخلاص والموضوعيه ودعاوى الإنصاف والوطنيه كما لم تخدعك مظاهر التقوى والورع وإطلاق اللحي وحمل السبح وإطلاق البخور وإستعمال بعض الآيات الكريمه والأحاديث الشريفه فإنك ستفهم وستصل إلى حقيقة مراد الكاتب ورغباته الحقيقيه والتي كثيرا ً ماتكون رغبات شخصيه سلبيه لايريد القائل أو الكاتب ـ بوعي منه أو بدون وعي ـ أن يكشفها على الملأ حفاظا ً على المظهر العام و(لزوم الصوره!) وتمريراً لرغباته الحقيقيه الشخصيه في ثوب من المصلحه العامه والموضوعيه والوطنيه وهلم جراً!!.

بالطبع لا يمكن (التعميم) هنا ولا (التعيين) ولكن كقاعده عامه فإن سلوك وطبائع البشر هي هكذا منذ القدم ـ والإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان ـ إلا من رحم الله وأبصره بعيوب وأفات نفسه فراقبها وحاسبها كمحاسبة الشريك الخائن (!!).. ولكن ـ وللأسف الشديد ـ وفي غمرة الصراع والخصام العتيد في المعترك السياسي لإسباب سياسيه حقه أو لإسباب شخصيه تتلحف بدعاوى سياسيه(!)يعز ويندر أن تجد من يهتم بإصلاح ذاته وتقويمها عشر إهتمامه بدعاوى إصلاح العالم!.

إن أزمتنا ـ بالدرجة الأولى ـ هي أزمة أخلاق!.. والأخلاق منبتها النفس.. والنفس لاصلاح لها إلا بالمراقبه والمحاسبه!.. وهذا ليس حديثاً في الأخلاق وإنما في الإصلاح السياسي إذ أن لا صلاح سياسي إذا كان الساسة بلا أخلاق!.

سليم نصر الرقعي
مايو ‏2006‏‏
ssshamekh@hotmail.com
________________________________________________

(1) أخطر مافي المشكلات النفسيه والصحة الأخلاقيه هو الخداع الذي يمارسه الجانب (اللاشعوري) من النفس على صاحبها فتبرر له جرائمه أو سقطاته وعدواته بشتى التبريرات التي تأخذ شكل المنطق والخير والصواب بهدف تخدير الضمير أو للتخفيف من وطأة الشعور بالألم أو بالذنب أو بالعار !
(2) تناولت هذه الظاهره النفسيه ـ التبرير ـ في مقالة مشابهه تحدثت فيها عن ظاهرة مشابهه لظاهرة الإنقلاب وهي ظاهرة الإنسحاب وفن التبرير ولا يخفي على القارئ اللبيب ما بين الظاهرتين من إرتباط !


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home