Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


Salim Naser al-Ragi

Thursday, 13 April, 2006

المساواة أم العـدالة!!؟؟

نحو نظريه إسلامية في العـدالة الإجتماعية

سليم نصر الرقعـي

من المؤكد أن بعض قراء هذه المقاله سيستغربون عنوانها متسائلين في أنفسهم : وهل هناك فرق بين العدالة والمساواة حتى نفاضل ونـُخيّر بينهما ؟ .. قائلين : اليست العدالة هي عين المساواة ؟(1) .. والمساواة هي قمة العداله ؟ .

والحقيقة – ومن وجهة نظري على الأقل – أن الأمرين ليسا بشئ واحد في كل الأحوال .. فلا العدالة تعني المساواة في كل الأحوال .. ولا المساواة بين الناس في كل شئ من العدالة في شئ ! .. إذ دائما ً سيفرض السؤال التالي نفسه على تفكيرنا وهو : هل المساواة بين غير المتساويين في الحقوق والواجبات من العدالة في شئ !؟ .

إنظر إلى هذا المثل البسيط التالي : فلنفرض أن لدينا 10 أرغفة خبز نريد قسمتهن – بالعدل والإنصاف – على 5 أفراد فماهي القسمة العادلة في هذه الحاله ؟
والجواب الإعتيادي المتوقع هنا هو : أن نقسم العشر أرغفه على الخمسة أفراد بالتساوي أي أن كل فرد منهم سيكون نصيبه العادل رغيفين إثنين .. فهل هذا هو العدل بالفعل ؟
قد يظن البعض – للوهلة الأولى – بأن هذه القسمة - حسب الظاهر - هي عين العدل لأن العدالة في إعتقاده هي المساواة بين الناس بهذه الكيفيه وهو أمر – في إعتقادنا – غير سليم ولا هو بعادل ! .. لماذا ؟
لأننا نعتقد أنه – ولتحقيق العدالة في مثل هذه الحاله لابد أن نسأل : هل عملية التقسيم هذه تأتي هنا وفي هذا المثال من باب ( الإهداء و العطاء ) أم أنها تأتي من باب ( المقابل والجزاء ) لأنهم شركاء في إنتاجها ؟
فإذا كانت من باب الهدية والعطاء - لا من باب الأجر والجزاء - فقد يعتقد البعض هنا أيضا ً وللوهلة الأولى أنها قسمة عادله – أي بقسمتها بينهم بالتساوي - إذ أن لا أحد منهم بذل جهدا ً في إنتاجها .. وهذا يصح إذا كانت ظروفهم وإحتياجاتهم متساوية بالفعل ولكن ماذا لو كانت ظروفهم غير متساوية وكانت حاجة أحدهم للخبز أكثر من حاجتهم جميعا ً كأن يكون أحدهم له زوجة وأربعة أولاد وهم لا زوجات لهم ولا أولاد ؟ .. فماهو الحل ؟ وماهي القسمة العادله في هذه الحاله ؟ .. وهل من الإنصاف والعداله أن نغض الطرف هنا وفي مثل هذه الحاله عن إحتياجات الأفراد الفعليه عند القسمة وخصوصا ً أن هذه القسمة تأتي من باب الوهب والعطاء لا من باب الأجر والجزاء ؟ .
وجوابي هنا أنه لابد من مراعاة الفروق في الإحتياجات بين أطراف القسمة في مثل هذه الحالات والتقسيمات المبنية على الوهب والعطاء لا على الأجر والجزاء أي لابد أن تكون ( الحاجة ) هنا هي معيار التقسيم (( فالمرء وحاجته )) كما كان يردد الخليفه العادل ( عمر بن الخطاب ) عند تقسيم الأموال وتوزيع دخل بيت المسلمين بين الناس أي أن (( لكل ٍ بحسب حاجته )) ! .. فيكون نصيب الفرد المتزوج والذي له أولاد أكثر من غيره كأن يكون – في أحسن الأحوال - نصيبه 6 أرغفة على حسب عدد أفراد عائلته ويكون للأربعة الآخرين رغيف واحد لكل منهم ! .. أما إذا كانت القسمة هنا من باب الأجر والجزاء وكان هؤلاء الأفراد شركاء في عملية إنتاج الخبز ومع إفتراض أنهم في ملكية أدوات إنتاج الخبز ( كالفرن ومحل العمل ) والمواد الأوليه اللازمه لإنتاجه ( كالدقيق والملح والماء والخميره ... إلخ ) سواسيه - وليست ملكا ً لأحدهم أو لطرف آخر ليس أحدهم فإن البعض هنا أيضا ً – وللوهلة الأولى – قد يعتقد أن التقسيم العادل هنا – أي توزيع ناتج الإنتاج ( الخبز ) – بالمساواة بين هؤلاء المنتجين بشكل تام بحيث يكون لكل منهم رغيفان ! .. ولكن ماذا لو كانت مجهوداتهم في عملية صناعة الخبز لم تكن متساويه .. والأوقات التي قضاها كل منهم ليست متساويه !؟؟ .. فهل من العدالة عندها أن تكون أجورهم وحصصهم متساويه !؟ .. والجواب في إعتقادي أن العدالة في مثل هذه الحاله تقتضي أن يكون معيار القسمه هنا هو ( الجهد ) فالمرء وجهده وعطاؤه أي أن (( لكل ٍ بحسب جهده )) ومن الظلم هنا أن يكون هؤلاء الشركاء في ناتج الإنتاج سواسيه فهي عندئذ ستكون قسمة ضيزى وظالمه ! .. وهنا قد يرد سؤال آخر – وهو السؤال نفسه الذي أوردناه عند القسمة في حالة الوهب والعطاء - وهو : ماذا لو كانت ظروف هؤلاء الشركاء في الواقع ليست سواء وكانت حاجة أحدهم للخبز أكثر من حاجتهم جميعا ً كأن يكون أحدهم له زوجة وأربعة أولاد وهم لا زوجات لهم ولا أولاد ؟ .. فماهو الحل ؟ وماهي القسمة العادله في هذه الحاله ؟ .. هل نعود هنا إلى معيار الحاجه ؟
وجوابي هنا .. لا .. فالعدالة الصارمه في هذه الحالة تقتضي أن يكون نصيب كل فرد بحسب إنتاجه وحسب ما بذله في العمليه الإنتاجيه من وقته وماله وجهده وطاقته لا بحسب حاجته ! .. فهو إذا أراد كفاية حاجته وحاجة عائلته فعليه أن يحاول أن يزيد من نصيبه في الإنتاج من خلال زيادة جهده وساعات عمله .. وهنا أيضا ً يأتي دور التسامح والإحسان ودور الرحمه والتكافل الإنساني والتضامن الإجتماعي من أجل مساعدة المحتاجين والعاجزين عن إشباع حاجاتهم وحاجات من يعولون .. وفي رأيي أننا هنا - وفي مثل هذه الحاله - نكون قد خرجنا في حديثنا وبحثنا من الحديث عن موضوع ( العدل ) والحديث عن الميزان والقسمه والعداله الموضوعيه إلى موضوع آخر .. وهو موضوع ( الفضل ) والحديث عن الإحسان والرحمه والكفاله الإجتماعيه(2) .. وهو موضوع مهم آخر وضروري للغاية ولكنه - في إعتقادي - لا يدخل في مجال تحقيق القسط والعداله بقدر ما يدخل في مجال البر والكفاله الإجتماعيه الإنسانيه للمجتمع القومي الواحد والمجتمع الإنساني ككل ! .. أما المطالبه بالمساواة التامه بين الناس بالكامل وبشكل شامل في كل شئ وفي كل الحقوق وكل الواجبات(3) فضلا ً عن كونها مطلبا ً خياليا ً مثاليا ً يستحيل تحقيقه في واقع البشر ( المختلفين !)(4) فهي من الناحيه العمليه أيضا ً أمر غير رشيد ولا مفيد لحركة المجتمع وحركة التقدم الصاعد كما أنها لا تدخل في نطاق المطالبه بتحقيق العداله بشكلها الصارم ومعناها العقلاني والشرعي الدقيق ! .

وللحديث بقيه ....

سليم نصر الرقعي
13 إبريل 2006
ssshamekh@hotmail.com
________________________________________________

(1) قد يظن البعض أن هذا الموضوع هو موضوع فلسفي بحت وليس له أية أثار عمليه على حياة الناس وليس هذا بصحيح فإن سياسات الدول ونظمها الإقتصاديه والسياسيه تقوم على مفاهيم العداله والمساواة عند من يصوغون التشريعات ويقررون السياسات وهو ما سنتطرق إليه لاحقا ً.
(2) جاء في القرآن الكريم : (( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى .. وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي .. يعظكم لعلكم تذكرون )) ( النحل : 90 ) .. فالعدل غير الإحسان .. لأن العدل هو أن تعامل العاملين بالقسط فتـُعطيهم ما يستحقون من الأجر والمال بحسب جهدهم وعملهم من باب الجزاء وشراء الجهد أما الإحسان فهو أن تعطيهم حقهم وزياده – أي أكثر من حقهم – بالنظر إلى إحتياجاتهم الفعليه وبهدف التوسعه عليهم .
(3) ليس المقصود بالحقوق هنا الحقوق الإنسانيه – حقوق الإنسان لكونه إنسانا ً – فهذه لا خلاف في كونها ثابته وواحده فالناس هاهنا سواسيه كأسنان المشط لافرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى والتقوى محلها القلب .. والقلب لا يعلم بحقيقته إلا الله تعالى ! .
(4) يظن البعض أن المساواه التامه والمطلقه بين الناس ستتحقق في الحياة الآخره وهذا وهم آخر كبير فحتى هناك لامساواه (!) بل درجات وطبقات مختلفه كل بحسب جهده وعطاءه في الحياة الدنيا ومن أبطأ به عمله لن يسرع به نسبه ! .. ولكن الشئ الذي لاشك فيه عندي هو أن العداله التامه والمطلقه والكامله ستتحقق هناك لأن الله العادل العليم هو من يقوم يتحقيقها بنفسه ! ..أم هنا فتحقيق العداله المطلقه والكامله أمر مستحيل لأن البشر هم من يحاولون تحقيقها .. والبشر كما هو معلوم غير كاملين – محدودو العلم والقدره دائما ً ! - ومن ثم فالعدالة الممكنه هنا هي العدالة النسبيه وتبقى المساواة التامه في كل شئ بين البشر وتحقيق العدالة الكامله والمطلقه والشامله ( حلما ) طوباويا ً يتغنى به الحالمون ونبراسا هاديا ً ودافعا ورافعا للواقع البشري نحو حياة أفضل وأعدل ولكن إذا أراد هؤلاء ( الحالمين ) تطبيق هذا ( الحلم الطوباوي ) على الواقع البشري أو رفع هذا الواقع – بالقوة والثورة والفرض والعسف – إلى مستوى الحلم المثالي فإن النتيجه المحتومه دائما ً هي الظلم والطغيان وظهور الديكتاتوريه الشموليه المضرجه بدماء الضحايا والأبرياء ! .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home