Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


Salim Naser al-Ragi

Friday, 12 October, 2007

وداعاً أمي!.. وداعاً شهر رمضان!

سليم نصر الرقعـي

عزيزي وبلدياتي : إبراهيم
بعد التحية.
حينما كنت مقيما ً في السودان كان الأخوة السودانيون يجتمعون في آخر يوم من أيام رمضان في الجامع بعد صلاة العشاء يبكون وهم ينشدون نشيدا ً حزينا ً يودعون به شهر رمضان فيقولون ويرددون مرارا ً وتكرارا ً : ( ودعتناً يا رمضان .. وحشتنا يا شهر الغفران !) ولا تملك وأنت تستمع إلى توديعهم لهذا الشهرالكريم بهذا النشيد الجماعي الحزين الا أن تشاركهم هذه الحالة الوجدانية الروحية العجيبة والحزينة وربما غلبت الدموع عليك فبكيت ! .
نعم بالفعل لرمضان – عند مغادرته لنا – وحشة روحية وإجتماعية فورية تعترى أرواحنا كتلك الحالة التي تعترينا حينما نودع شخصا ً عزيزا ً علينا رحل ولا ندري متى نلقاه !؟ ... وأنا في هذا الشهر الجليل وفي الليالي العشر الأواخر منه ودعت شخصا ً عزيزا ً على قلبي ! ... إنها أمي ! ... نعم ودعت أمي الغالية .. أمي التي حملتني في بطنها شهورا ً ثم ربتني صغيرا ً ثم حملت همي وهم غربتي عن وطني كبيرا ً ! .. وعندما تموت أمك – أخي العزيز - فليس موتها كموت أي شخص آخر ولو كان أباك ! .. فأمك هي الأصل ! .. هي الأرض التي نبتَ فيها وترعرت كما تنبت الزهرة أو الشجرة ! .. حيث أنك كنت تستمد أسباب الحياة من دمها (!!؟؟) ومن خلال شريان مغروس في رحمها ! ... ولذلك عندما تموت أمك يموت شئ ما (؟) في أعماقك السحيقة ! .. شئ ما (؟) ليس له أسم ولا يمكن التعبير عنه بالكلمات ! .. يموت ويترك وراءه خواءا ً كبيرا ً وسحيقا ً ورهيبا ً! .. خواءا ً ضخما ً بحجم الأرض بل وبحجم الكون كله ! .. خواءا ً لا يسده شئ الا شئ واحد فقط هو إيمانك بالله الرحيم وإيمانك أن الموت ليس هو النهاية كما يعتقد كثير من الناس بل هو بداية الرحلة نحو الأبدية في عالم آخر مختلف عن عالمنا الحالي المنكوب ! .. وإيمانك أن الإلتقاء بالأحبة في ذلك العالم الجميل ممكن وليس مستحيلا ً! .... ثم مما زاد من عزائي في وفاة الدتي – رحمها الله – هو أن الله الكريم أكرمها بالوفاة في أيام مباركة مشهودة حيث غادرتنا راجعة إلى ربها الأعلى والأكرم في هذه الليالي المباركة العظيمة التي يكون فيها أهل الأرض أقرب ما يكونون من رحمة الله الرحمن الرحيم ومن أهل السماء ! .. وما يدريني !؟ ... فلعلها ماتت في ليلة القدر التي تتنزل الملائكة والروح فيها والتي وصفها عز وجل بإنها (سلام هي حتى مطلع الفجر!) ؟ .. ثم - وهذا ما يعزيني أيضا ً - ماتت أثناء النوم كما كانت تتمنى ! .. ثم وما يعزيني أكثر أنها ماتت بعد أن تمكنتُ أنا وإبني " نصر" من رؤيتها وتمكنت هي أيضا ً من رؤيتي ورؤية إبني وزوجي حيث أتاح لي المولى عز وجل الفرصة في التمتع بصحبتها في بيتي هنا بشفيلد في بريطانيا قبل الرحيل – بعد أن حال بيني وبينها الطغيان السائد في بلادي اليوم سنين عديدة - وإلا لكانت حسرتي على فقدانها ستكون أكبر وأمر وأطول عمرا ً! .. ولوجدتْ "غيلان الحزن والكآبة " في ديار الغربة إلى قلبي ألف سبيل وسبيل ولكن الله سلم ! .. فقد أنعم الله تعالى علي ّ - بمنه وكرمه - بصحبتها مرتين خلال عام (2004) لمدة ستة أشهر ثم في أوائل عام (2007) لمدة ستة أشهر أيضا ً .. آنستنا فيها (الحاجة) أنا وولدي وزوجتي في غربتنا - وفي منفانا الإضطراري - وحدثتنا فيها عن ذكريات كثيرة شخصية وعائلية وإجتماعية وسياسية وعن أحوال البلاد والعباد في ليبيا التي عاينتها منذ طفولتها وكيف كانت أحوال ومعيشة الناس إبان مرحلة الإحتلال الإيطالي في بنغازي حيث وُلدت والدتي ونشأت وترعرت ثم الحرب العالمية الثانية وتحرير ليبيا ثم مرحلة الإدارة الإنجليزية ثم قدوم الأمير إدريس من مصر ومرحلة الإستقلال والمملكة ومادار في كل مرحلة من هذه المراحل من أحوال شعبية وإجتماعية ثم مرحلة الإنقلاب (الثورة) وحدثتني كيف أنها كانت ممن رحب بالإنقلابيين الجدد منذ الأيام الأولى بإعتبارهم قاموا بهذا الإنقلاب لصالح ليبيا وأنها ومجموعة من المعلمات (المدرسات) الليبيات في ذلك الزمان وتحت تأثير تشجيع المدرسين والمدرسات المصريين قاموا بإرسال برقية ترحيب وتأييد لما كانوا يعتقدون أنها ( ثورة!) ثم وبعد مرور سنوات قليلة كانت خيبة أملها – وأمل أغلب أبناء وبنات شعبنا - في هؤلاء القادمين الجدد كبيرة ومريرة ولكن بعد فوات الأوان! .

أخي وبلدياتي العزيز إبراهيم ... إنني من أكثر الليبيين أسفا ً وتحسرا ً عند سماعي لخبر موت أي من كبار السن في بلادي من الشيوخ والعجائز من الرعيل الأول والبقية المتبقية لنا من أيام البركة .. أيام ليبيا كانت ليبيا ! .. هل تدري لماذا ؟ ... لأني أعتبر أن هؤلاء الكبار يمثلون ثروة وطنية معلوماتية مهمة جدا ً لنا تتعلق بذاكرتنا الوطنية والشعبية ! .. إنهم يحملون في عقولهم وقلوبهم وذاكرتهم ذكريات تاريخنا الشعبي غير الرسمي وغير المدون في ليبيا ! .. ولاحظ هنا أنني أتحدث عن تاريخنا الشعبي لا الرسمي المعتمد الذي يمثل في الغالب وجهة نظر الحكومة القائمة ! .. فالتاريخ الشعبي لأية مدينة أو قرية أو قبيلة أو عائلة موجود في الواقع وموزع على عقول هؤلاء الشيوخ والعجائز الكبار فبالتالي كلما مات أحدهم مات أحد ( شهود العيان ) وماتت معه ذكرياته ومعلوماته وشهادته على ذلك الزمان والمكان والإنسان في الماضي دون أن يتم تدوينها في صفحات التاريخ الشعبي لكل مدينة بل ولكل حي من أحياء مدننا العتيقة !! .. وهذا بالفعل أشد ما يحزنني بل وأشد ما يرعبني ويجعلني أتجرع المرارة و أردد في نفسي ( خسارة وألف خسارة !) فيا ليت كل من يتمكن أن يسجل بالصوت والصورة لهؤلاء ( البركة ) و( شهود العيان ) من أبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا ذكرياتهم ومعلوماتهم عن الزمان والمكان الذي ولدوا وترعروا فيها أن يفعل مشكورا ً .. بل إنني أزعم بأن كبار السن – وبدوافع فطرية عميقة – لديهم ميل عظيم لنقل تجربتهم ومشاهداتهم ومعلوماتهم لأولادهم وأحفادهم من خلال الحديث عنها بإستمرار ولتفريغ ما في جعبتهم من ذكريات وحكايات شعبية وعائلية ولكنهم في كثير من الأوقات لا يلقون من يهتم بهم وبحكاياتهم ولا من يلقي لهم بالا ً أو يشعرهم بأهمية ما لديهم من معلومات وذكريات وحكايات !... فياليتنا نجد اليوم من يتطوع منا كي يستمع لهم بإحترام وإهتمام ويسجل لهم خصوصا ً وأن أدوات التسجيل والحفظ - بالطرق الإلكترونية الرقمية - في هذا الزمان العجيب باتت في متناول الجميع ! .. فمن مثل هذه الأحاديث والروايات والشهادات الشعبية والعفوية والعادية – مهما كانت من وجهة نظرنا اليوم ساذجة وغير مهمة – يمكن كتابة التاريخ الشعبي والمحلي لكل مدينة ولكل حي ولكل قبيلة بل ولكل شارع من شوارعنا القديمة لتتمكن الأجيال القادمة من خلال المكتبات المحلية العامة في كل مدينة من الإطلاع على ذكريات وحكايات هذه المدينة وتاريخها الشعبي والإجتماعي !.. وحبذا لو يكون مرفقا ً بكل مكتبة محلية (معرض) للرسومات والأزياء والأدوات والمعدات التي كان أهل هذه المدينة أو القرية يستخدمونها في معاشهم وفي حلهم وترحالهم ومناسباتهم الاجتماعية المختلفة !.

أخي العزيز – إبراهيم - لقد أنعم الله عليّ بجلسات طويلة وعميقة مع (الحاجة) خلال زيارتها الأخيرة لي منذ عدة أشهر فقط وصورت وسجلت بعضها بالصوت والصورة لتبقى محفوظة في الذاكرة الإلكترونية عبر الزمن ! .. فخلال فترة مكوثي في البلد لم تكن هناك فرصة لمثل هذه الجلسات والمسامرات الطويلة الحميمية مع الوالدة رحمها الله فقد كنت يومها مشغولا ً بأموري وإهتماماتي الخاصة وكانت هي الأخرى مشغولة بأمورها الخاصة وبهموم هذا الزمان ولكن خلال هاتين الزيارتين - وخصوصا ً الآخيرة - إستمتعت كثيرا ًبصحبة الوالدة وحكاياتها وذكرياتها العفوية بشكل لم يتحقق لي من قبل ولا تحقق لأي من أخوتي وأخواتي على ما أحسب ! .. فالحمد لله الكريم الذي خصني بهذه الرفقة الطيبة بالوالدة وكحل عيناي برؤيتها وبرضاها قبل أن تغادردني ثم تغادر الدنيا وأهلها في هذا الشهر الكريم وفي هذه الليالي العظيمة المباركة والمشهودة نحو رب رحيم وبر كريم لا يخيب عنده رجاء ولا يضيع عنده أجر المحسنين .. ولا دعاء ورجاء المسلمين .. فرحم الله أمي وأسكنها فسيح جناته والحقنا بها مؤمنين غير مبدلين ولا مفتونين.. ومهما كان – أخي إبراهيم - حزني لفراقها كبيرا ً ومريرا ً إلا أن العيد يجب أن يبقى هو العيد وكل عام وأنتم بخير .

أخوكم وبلدياتك المحب : سليم نصر الرقعي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home