Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

السبت 12 سبتمبر 2009

المراجعات يجب أن تكون لصالح الأمة لا لصالح السلطة!؟

ـ حول مراجعات الجماعات الإسلامية بشكل عام ـ

سليم نصر الرقعـي

تغيير وتطوير الرأي بل والفتوى مع تغير وتبدل الأحوال أمر مفهوم ومعلوم وموجود في الفقه والحياة بوجه عام .. وتبديل أو تعديل الأراء والمواقف قد يكون شيئا محمودا ً وقد لا يكون! .. ويكون محمودا ً كلما كان أقرب للتقوى والعدل والإعتدال .. فبعض الناس يغيرون مواقفهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والعكس صحيح ثم ينقلبون من الضد إلى الضد مرة أخرى حسب المصالح الشخصية أو المخاوف الآنية لا حسب الأحكام الشرعية أو التقديرات العقلانية العادلة التي ترجح كفة الخير العام .. والتقلب والتذبذب أمر غير محمود بلا شك .. أما الرجوع للعدل والإعتدال فهو أمر محمود ومطلوب .

وهذه القاعدة - قاعدة تغيير أو تطوير أو تعديل أو تبديل الفكر والرأي والموقف - كما تنطبق على الأفراد فهي تنطبق على الجماعات أيضا ً .. فالتجربة وإخضاع الأفكار والمعتقدات للتجريب العملي بلا شك تنضج العقل والفكر والفهم بما فيها فهم مقاصد وأحكام الدين .. وبلا شك فإن الجماعات الإسلامية السياسية بكل توجهاتها مرت بتجارب كثيره وكبيرة ومريرة ومن ثم شاهدنا هذا التطور في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر خصوصا ً فيما يتعلق بمسألة الجهاد المسلح وشهر السلاح في وجه السلطان الظالم أو المنحرف أو حتى من يعتقد البعض في كفره وردته! .. حتى جماعة الإخوان المسلمين - أم الجماعات السياسية الإسلامية المعاصرة - مرت في مصر وسوريا والسودان بتجارب بهذا الخصوص – أي تجربة العمل المسلح ومحاولة التغيير بالقوة – ولكنها أجرت مراجعات وإستخلصت نتائج هي نفسها تقريبا ً التي وصلت إليها الجماعة الإسلامية المصرية وأعتقد أنها هي نفسها التي وصلت إليها الجماعة المقاتلة اليوم بل هي نفس النتائج التي إستقر عليها الرأي عند جمهور أهل السنة والجماعة في ما يخص مسألة الخروج المسلح على الحاكم المسلم الجائر بعد تجارب الفتنة الكبرى وخروج سيدنا الحسين – حفيد النبي – على السلطة والذي إنتهى بطريقة مأساوية أدمى ضمير الأمه ..

فالنتائج العملية المتشابهة والإخفاقات المتشابهة تؤدي في معظم الحالات إلى إستخلاصات وإستنتاجات عقلية واحدة ونتائج فكرية متشابهة إلى حد بعيد .. والإستفادة من التجارب الكثيرة بل والإخفاقات الكبيرة وحتى الإنكسارات المريرة أمر محمود وهو من طباع العقلاء والحكماء .. كل هذا أمر جميل نؤكد عليه وندعمه ولكن الشئ الذي أتخوف منه هنا - ليس فيما يخص الجماعة المقاتلة فقط بل بكل المراجعات الإسلامية - هو أن تحاول النظم الحاكمة المستبدة في عالمنا العربي الموبوء بالإستبداد والفساد الإستفادة من مثل هذه المراجعات والتراجعات لصالح ترسيخ الإستبداد والإستئثار بالسلطة وإضفاء شئ من المشروعية لصالحها ومحاولة إظهار هذه المراجعات والتراجعات على أنه إنتصار لها وتأكيد لصحة وجهة نظرها وموقفها من هذه الجماعات في السابق وأنها هي من كان على الحق وهؤلاء الذين راجعوا وتراجعوا هم من كان على الباطل !!! وهنا تكمن الخطورة !! .

فإن الحق والعدل والإعتدال يتطلب توضيح الحقيقة التاريخية والشرعية والتي مفادها أن الإعتراف بأن هذه الجماعات الإسلامية المناوئة للسلطة التي ربما في فورة الشباب وثورة الغضب وفي غمرة الصراع ومعاناة الإستبداد والإضطهاد وقعت في أخطاء وإنحرافات فكرية و إرتكبت أخطاءا ً وتجاوزات عملية لا يعني هذا أن السلطة كانت بريئة براءة الذئب من دم يعقوب !!! .. ولا يعني هذا أن السلطة لا تتحمل جزءا ً كبيرا من المسؤولية في خلق الظروف الإجتماعية والسياسية والإقتصادية التي شجعت وولدت التطرف والعنف في المجتمع! .. فالسلطة أيضا كانت منحرفة وظالمة ومستبدة وتجاوزت حقوق المعقول وتغولت على المجتمع بل وساهم أسلوبها الأمني والقمعي وخطابها المنحرف والمتشنج والمعتدي وعدم المبالي بالحساسيات الدينية وبالثقافة التقليدية للمجتمع في خلق حالة من الغضب العارم الذي ساهم بشكل كبير في خلق حالة التطرف والعنف ومن ثم يجب على هذه السلطة أن تعترف هي ايضا ً بأخطائها بكل شجاعة ووضوح وتعلن توبتها وتعلن مراجعاتها وتراجعاتها عن أخطاءها الفكرية والسياسية العملية وكذلك يجب على كل الجماعات التابعة للسلطة كجماعة اللجان الثورية مثلا ً إعلان توبتها ومراجعاتها بشكل علني وشجاع ! .

فالحقيقة ومقتضيات العدالة والإتزان تتطلب منا أن نعرض المشهد كاملا ً بشكل عادل وموضوعي .. ومن الظلم بل ومن العار السماح للسلطة (السياسية والأمنية) الظالمة أن تحاول إستثمار مراجعات وتراجعات الجماعات الإسلامية وتحويلها إلى نصر دعائي لصالحها ولترسيخ إستبدادها ومحاولة إصباغ الشرعية على ذاتها والمشروعية على تصرفاتها في الماضي! .. فالعدل يقتضي قول الحقيقة كاملة وإظهار المشهد كله كما هو وكما كان فالسلطة تورطت في تجاوزت كثيرة وممارسات ظالمة وعدوانية ضد المجتمع ككل لا ضد المجموعات الإسلامية وحدها كما أن الجماعات الإسلامية – في معمعة الشعور بالخوف والإضطهاد وإنعدام الشعور بالأمن والإستقرار - وقعت بلا شك في تجاوزات أيضا ً .. وللسلطة أخطائها وإنحرافاتها الفكرية والعملية أيضا كما لهذه الجماعات .. لذلك لابد من ذكر الحقيقة كاملة وعرض المشاهد شاملة لكل اللقطات ولكل جوانب المشكلة وإلا نكون كمن قال (ولا تقربوا الصلاة ...) ثم سكت !!.

أما النقطة الثانية والمهمة هنا والتي يجب الإنتباه إليها والتفكر فيها فإن مثل هذه المراجعات التي تجريها الجماعات الإسلامية في فكرها العقدي ومنهجها العملي يجب أن لا تنتهي إلى حالة من الركون إلى الظلم والإستبداد ومهادنة الطغاة والإستسلام للأمر الواقع إما بدعوى الإستضعاف أو بدعوى إطاعة ولي الأمر (المسلم) حتى لو كان جائرا ً وفاسقا ً وإن جلد ظهرك أو أخذ مالك (!!!) أو بدعوى المحافظة على السلم والإستقرار في المجتمع المسلم بل لابد هنا إذ وضعت السيوف في أغمادها من تفعيل فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقه تغيير المنكر في المجال السياسي وإيجاد أساليب فردية وجماعية جديدة ومشروعة لتغيير المنكر ورفع الظلم عن الناس وإيقاف الحكام والقادة المنحرفين والطاغيين عند حدهم وإيقافهم عن العبث بالمال العام وبمصير الأمه على أهوائهم فالساكت هنا عن الظلم العام شيطان أخرص ! .

ويبدأ هذا التغيير من وجهة نظري بالإنطلاق من نقطة تغيير (المفاهيم السياسية) السائدة في المجتمع لدى العوام والخواص ولدى (ولاة الأمر) بشكل خاص .. وأول هذه المفاهيم لابد من تغيير مفهومنا ونظرتنا لولي الأمر في الدولة المسلمة! .. فمفهوم (القائد أو الحاكم أو الإمام أو الرئيس أو الخليفة ) في الإسلام يعني - في حقيقة الفهم الصحيح للنظرية السياسية الإسلامية المستلهمة من النصوص وتجارب الخلفاء الراشدين – (الخادم العام) للأمة بل الخادم الأجير ولابد من نشر هذا الفهم الإسلامي لدى عوام المسلمين ليصبح ثقافة سياسية وشعبية سائدة .. فالقائد أو ولي الأمر في الدولة المسلمة هو خادم الأمة وخادم المسلمين لا هو بحاكم مطلق الصلاحيات ولا هو إله ولا معصوم ولا ملك الملوك !!! .. ولا يمكن للقيادة السياسية في دولة مسلمة تحتكم للشرع أو للمنطق والعقل أن تكون مصانة غير مسؤولة وفوق المعارضة والنقد والمحاسبة ! .

لابد من ترسيخ هذا المفهوم الإسلامي والحضاري للسلطة السياسية والسلطان في المجتمع كما ينبغي أن نرسخ مفهوم أن الحاكم الحقيقي والفعلي ينبغى أن يكون الله تعالى من خلال تحكيم الشريعة وسيادة القوانين المستنبطه والمسنونة وفق هذه الشريعة .. فنشر هذا المفهوم الإسلامي للحكم أمر أساسي جدا ً فضلا ً عن نشر ثقافة الشورى في مجال التغيير السياسي .. ولابد أن تكون لهذه الأمة مؤسسات وجماعات رقابة ومحاسبة وحسبة عامة تراقب هذا (الخادم العام) (ولي الأمر) وتنصحه وتحاسبه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر بل وتمارس الضغوطات الشعبية عليه كي يعمل ويخدم الأمة بالشكل الصحيح والمفيد والعادل والرشيد في إطار حكم الشريعة ومصلحة الأمه .. فهو بالنهاية (موظف عام ) يتلقى أجرا ً وراتبا ً شهريا ً من مال الجماعه !.

والشاهد هنا أنه إذا ما رأت الجماعات الإسلامية أن شهر السلاح لم ولن يحقق الهدف المرجو من تحرير الأمة من الإستبداد والطغيان السياسي وإقامة الشريعة وتحقيق العدالة أو أن ضرر هذه الوسيلة بات أكبر من نفعها في واقع الممارسة فلابد – إذن - أن تجد وتستنبط الوسائل السلمية المشروعة والفعاله لتغيير المنكر ورفع الظلم عن الأمة وإستعادة حقوق المسلمين السياسية والإقتصادية ومنها حقهم في إختيار قيادتهم السياسية وحقهم في مراقبتها وحقهم في محاسبتها بل وحقهم في عزلها إذا إقتضى الأمر أي إذا ما جارت وإستبدت وإنحرفت وأفسدت الحياة العامة وعم ظلمها وطم وتسببت في الإضرار الكبير بمصالح الأمة ومصالح الأجيال.. ولله عاقبة الأمور .

سليم نصر الرقعي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home