Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

الثلاثاء 11 يناير 2011

مسلمون نعم .. لكننا مسلمون ليبيون!؟

- نحو تأسيس لفكر وطني ليبي جديد -

سليم نصر الرقعي 

صحيح أن سكان ليبيا حاليا ً – ولله الحمد – كلهم مسلمون من حيث المبدأ والحكم العام فهذه حقيقة واقعية إجتماعية لا شك فيها ولكن يجب الانتباه هنا الى حقيقة واقعية ملموسة ومشهودة أخرى لا يمكن إنكارها أو حتى تجاوزها!.. وهذه الحقيقة الواقعية الإجتماعية الملموسة تتجسد في مايلي : فمع اننا مسلمون ندين بدين الإسلام  الا اننا مسلمون ليبيون!.. فليبيا هي ارضنا ووطننا وبيتنا ودارنا ومسكننا ومعقلنا القومي أي أنها دار وبلد وبيت الليبيين بكل مناطقهم ومكوناتهم الإجتماعية (الديموغرافية) ولو قلنا ان ليبيا ارض كل الافارقة او ارض كل العرب او أرض كل الأمازيغ أو ارض كل المسلمين فهذا قول غير صحيح وغير واقعي بل ومخالف للحقائق والحقوق!.. لأن ليبيا كأرض ووطن ودولة هي لليبيين وحدهم!.. فهذه الأرض بما حوت من خيرات وموارد هي ملك لليبيين كقوم وكشعب وكمجتمع وطني مستوطن على هذه الأرض منذ قرون مديدة وأجيال عديدة.. لهذا فعامل الوحدة الجامعة بين الليبيين ليس هو عامل الإسلام والهوية الإسلامية فقط بل أضف إلى ذلك عامل الوحدة والهوية الوطنية الليبية.. الهوية الوطنية الجامعة والمتعالية عن كل النعرات للمكونات البدائية (ما قبل وطنية) المكونة للمجتمع الليبي القديم الحديث! [1] .. وأعني بالمكونات البدائية ما قبل الوطنية أي المكونات الديموغرافية والجغرافية لهذا المجتمع وهذا الوطن الواحد قبل تكوين "الدولة/الأمة" المتحدة الواحدة لهؤلاء القوم الذين يستوطنون هذه البقعة من الأرض التي أطلق عليها منذ بداية القرن الماضي إسم "ليبيا"!..فالليبيون من النواحي السكانية الديموغرافية والوطنية والجغرافية والسياسية هم أمة وجماعة وطنية واحدة متحدة من دون العالمين بل هم أمة وطنية واحدة من دون العرب والأمازيغ والأفارقة والمسلمين!.. أمة وجماعة وطنية  واحدة موطنها وأرضها ليبيا ودولتها الدولة الليبية التي أعلن عن إتحادها وميلادها في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1951 أي يوم إعلان الإستقلال.. حيث أصبحت هذه الأمة الوطنية الجديدة بدولتها الوليدة – وبإعتراف المجتمع الدولي والعربي والإسلامي والإفريقي – أمة وطنية واحدة لها شخصيتها الإعتبارية الدولية ودولتها المستقلة المتحدة وأصبحت عضوا ً في منظمة "الأمم المتحدة"! .

مسلمون وكفى !.. شعار جميل ونبيل ولكنه غير واقعي !؟

الشاهد هنا أنه صحيح أن الإسلام مكون ٌ ومقوم ٌ أساسي وأصيل من مكونات ومقومات هذه الأمة الوطنية المتحدة (الأمة الليبية) .. وصحيح أنه جزء لا يتجزأ من هويتنا الثقافية الليبية .. وصحيح أننا مسلمون وأن الإسلام هو ديننا ومصدر عقيدتنا وشريعتنا وهو دين الدولة الليبية ومصدر التشريع الأساسي فيها وصحيح أيضا ً أننا شعبٌ من شعوب الأمة الإسلامية .. فكل هذا صحيح لا شك فيه ولا إعتراض عليه ولكن يجب أن لا نغفل الواقع الإجتماعي والسياسي الملموس وأن لا نتجاوز حقائق الوضع المحسوس وهو أن الليبيين وإن كان الإسلام دينهم فإن ليبيا وطنهم ودولتهم من دون المسلمين الآخرين! .. وصحيح أن الله تعالى قد قال : (إنما المؤمنون أخوة) ولكنه قال أيضا ً: (الأقربون أولى بالمعروف) وقال (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وجعل الإسلام من رابطة الجوار بين المواطنين رابطة مقدسة وعظيمة تكاد أن تصل إلى رابطة الدم (لايزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه!) .. فليبيا – إذن – لليبيين لا للعرب ولا للأمازيغ ولا للأفارقة ولا لسائر المسلمين ولا للناس أجمعين!!!.. ومن يحسب أن الإسلام جاء لإلغاء الإنتماءات الوطنية والقومية للأمم والشعوب فهو لا يفهم طبيعة الإسلام وحقيقة رسالته التي تجمع ما بين المثالية والواقعية.. فالعراقيون كانوا عراقيين قبل الإسلام وظلوا عراقيين بعد الإسلام حتى يومنا هذا .. واليمنيون كانوا يمنيين قبل الإسلام وظلوا يمنيين بعد الإسلام إلى يومنا هذا .. والمصريون كانوا مصريين قبل الإسلام وظلوا مصريين بعد الإسلام إلى يومنا هذا !.. مما يعني أن الإسلام لم يأتِ للإلغاء الهويات الوطنية والقومية للشعوب والأمم بل جاء أولا ً ليجمع ويوحد هذه الهويات المختلفة تحت إطار وشعار هوية دينية واحدة عامة هي الهوية الإسلامية فضلا ً عن تأكيده عن الوحدة الإنسانية والمساواة بين الناس بردهم إلى أب ٍ واحد ورب ٍ واحد .. جاء الإسلام لنشر رسالة التوحيد والتعبيد لله وحده ولإتمام مكارم الأخلاق الإنسانية النبيلة وترسيخها ونشرها في حياة البشر وليجمع المسلمين- بهوياتهم الوطنية وإنتماءاتهم القومية المختلفة - ويوحدهم تحت مظلة الإسلام كعقيدة واحدة لا أن يلغي هذه الهوايات والإنتماءات البشرية ولا ليحل هذه الروابط "الطبيعية" الفطرية ويمحوها من الوجود ومن الوجدان!.. وجاء الإسلام  ثانيا ليجمع هؤلاء المسلمين ويوحدهم تحت راية دولة إسلامية واحدة  إذا كان ذلك في المقدور والإمكان!.

الوحدة السياسية الإسلامية "الإندماجية" حلم جميل ولكنه غير واقعي!؟

سأتحدث في مقالات قادمة - إن شاء الله – كمثقف مسلم "إسلامي" [2] يؤمن بفاعلية ودور الإسلام في حل مشكلات المسلمين المعاصرة – عن تصوري الإجتهادي لقيام وحدة سياسية معاصرة للمسلمين في هذا العالم الإسلامي المترامي الأطراف المتعدد الأقطار والمذاهب والثقافات الوطنية والقومية المتنوعة!.. وحدة سياسية واقعية "إتحادية" جامعة عملية غير خيالية أو إندماجية مثالية كاملة!.. وحدة سياسية عامة لا تتجاوز الواقع الفعلي الحالي المستقر للتكوينات القطرية والهوايات الوطنية والقومية لشعوب الأمة المسلمة.. فالدعوة للوحدة السياسية "الإندماجية" – سواء الوحدة العربية أو الإسلامية - كهدف إستراتيجي قومي وسياسي لا شك أنها دعوة نبيلة هدفها نبيل وشعار جميل لكنه هدف وشعار غير قابل للتطبيق خلال هذا الزمن المنظور على الأقل!.. لذا يجب الإنتباه إلى أننا اليوم لازلنا نعيش في ظل عصر الدولة الوطنية (الدولة الأمة) .. الدولة الوطنية المرنة والمفتوحة القائمة على مفهوم المواطنة والشراكة في الوطن بين المواطنين لا الدولة الدينية ولا حتى الدولة القومية القائمة على وحدة العرق والدم!.

وعلى أساس هذا الفهم الواقعي للحقائق القائمة على الأرض وعلى أساس هذا المنطلق الأساسي (الأمة الليبية المسلمة) يجب أن نبني فكرنا الوطني الجديد ونقيم مشروع نهضتنا ودولتنا الوطنية الحديثة والمنشودة في ليبيا الغد!.. ليبيا ما بعد زوال هذا النظام اللاوطني المتخلف .. هذا النظام الديكتاتوري الفاشل!.

سليم نصر الرقعي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المقصود بوصفنا للمجتمع الوطني الليبي بالمجتمع (القديم/الحديث) هو أنه قديم من حيث مكوناته الثقافية وعناصره السكانية (الديموغرافية) الأساسية المختلفة الضاربة بجذورها فوق هذه الأرض منذ عدة قرون مديدة وأما وصفه بأنه حديث فلأن ولادة هذا المجتمع بصورته الوطنية السياسية الحالية (الدولة والأمة الليبية) إنما جاء بعد مخاض تاريخي طويل وتحقق تحديدا ً مع قيام دولة الإتحاد الليبي التي أعلن عنها في يوم إستقلال ليبيا عام 1951. 

[2] من هو الإسلامي !؟: في الواقع العملي ليس كل مسلم هو "إسلامي" بالضرورة!.. ومع أن الأصل في ثبوت حكم الإسلام  هو الإقرار بالشهادتين (إثبات الألوهية لله تعالى وحده وإثبات الرسالة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام) إلا أن معظم المسلمين اليوم هم في الحقيقة مسلمون بالوراثة!.. أي أنهم قد ثبت لهم عقد الإسلام بالتبعية لآبائهم منذ كانوا في بطون أمهاتهم فهم ولدوا مسلمين أصلا ً على دين أبائهم!.. وبعض هؤلاء المسلمين هم علمانيون يؤمنون بضرورة فصل الدين عن الدولة وعن السياسة وعن الإقتصاد بل وربما عن التعليم الرسمي في المجتمع الليبي المسلم! ..كما أن العلمانيين المسلمين - وكذلك الحال بالنسبة لكثير من عموم عوام المسلمين!- يحصرون الإسلام في جوانب الطقوس والتعبد والأخلاق والأحوال العائلية فقط وأما الشؤون السياسية والإقتصادية والفنية والشؤون العامة وشؤون الدولة فيعتقدون أن ليس للدين بعامة علاقة بها وليس للإسلام  فيها أحكام ولا توجيهات "إلهية" و"نبوية" ملزمة ولسان حالهم يقول (أيش دخل الدين في السياسة!؟) .. أما "الإسلامي" فهو مصطلح معاصر يُقصد به ذلك المسلم الذي يعتقد بشمولية التوجيهات الإسلامية والأحكام والتعاليم الربانية للحياة البشرية برمتها بكل جوانبها المادية والمعنوية/الفردية والمجتمعية إلا أن الإسلاميين كما هو معلوم بل وكما هو مشهود أيضا ً ليسوا شيئا ً واحدا ً و لا على فهم و رأي وفكر واحد في طريقة فهم وتطبيق تعاليم الدين بل هم طرائق مختلفة ومذاهب ومشارب شتى!.. قد يُبدّع – وربما يُكفـّر – بعضهم بعضا ً!. 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home