Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


Salim Naser al-Ragi

Sunday, 10 November, 2006

ديسمبر.. وقصة خروجي الكبير!؟

- قصة هروبي من السجن الكبير! -

سليم نصر الرقعـي

عزيزي وبلدياتي د : إبراهيم اغنيوه
أسعد الله مساءك
هاهو قد حل شهر ( ديسمبر ) ضيفا ً عزيزا ً محملا ً بالذكريات الكبيره والخواطر الكثيره .. ومع حلوله ـ لهذا العام - تواردت فجأة إلى ذهني بشكل تلقائي الكثير من الخواطر الخطيرة والذكريات المثيرة وتداعت في مخيلتي من كل حدب وصوب ! .. منها ماهو حزين ومؤلم ومنها ماهو سعيد وممتع .. منها ما يتعلق بأحداث وذكريات شخصيه وخاصه ومنها مايتعلق بأحداث وذكريات وطنية وعامة .. وأحيانا ً- صديقي - نجد من الصعوبة بمكان أن نفصل ـ في عقولنا وقلوبنا - بين ماهو عام ووطني عن ما هو خاص وشخصي (!!) حيث يمتزج ـ في بعض الحالات ـ هذا بذاك إلى درجة يصعب علينا معها أن ندرك ذواتنا وكياننا إلا من خلال الوطن الحبيب !؟ .

أخي الكريم :
لا أدري كيف توافقت وتصادفت ـ بشكل غريب وعجيب - الكثير من العوامل والأحداث العامه والخاصه لتجعل من يوم خروجي الإضطراري من البلد عام 1995 يوافق يوم الذكرى الثانية لإختطاف الأستاذ ( منصور الكيخيا ) ! .. أي يوم 10 ديسمبر !؟ .
فقد كنت يومها قد قررت الخروج من بلادي وبلادأجدادي بعد أن أيقنت بشكل كامل ـ وبعد صبر طويل ـ بأن لا أمل في إصلاح الأوضاع السائدة وأن منافذ حريةالتعبير قد سدت بالكامل بالخرسانة المسلحة(!!؟؟) وأنه بات من المؤكد لي في ظل هذه الأوضاع السياسية التي يهيمن عليها صوت القمع والإرهاب والفكر الاحادي الشمولي الوحيد ـ فكر الأخ العقيد ! - ويحوم فوقها شبح الإعدامات وغول الإغتيالات والإعتقالات لكل من ينطق بكلمة الحق أو من يقول الحقيقه أو من يعارض الوضع السائد لايمكن لصاحب رأي حر ومستقل أن يفكر في الشأن العام بصوت مسموع !؟ .
لقد ايقنت يومها بإعتباري صاحب قلم وصاحب رأي مخالف لعقيدة هذا النظام الشمولي وبإعتباري معارضا ً لكثير من أراء وسياسات العقيد القذافي في الداخل والخارج أن ليس أمامي من خيار ثالث ! .. فإما أن أظل في البلد اسمع وأرى واشم وأذوق وأحس بما يجري حولي من فساد وإستبداد ونفاق وأكاذيب كبيره والاعيب خطيره في وضح النهار ولا أحرك ساكنا ً بل فقط أصمت مع الصامتين مرددا ً المثل الشائع الذي يقول : ( دك راسك بين الروس وقول أقطع ياقطاع الروس ) !!؟؟ أو في أحسن الأحوال أردد مقولتنا الليبيه المعتاده : ( الله غالب ) !! .. وإما أن أفر بقلمي وعقيدتي ورأيي في بلاد الله الواسعه الشاسعه لأعبر عن هذا الرأي بكل حرية وأمان ! .. وبعد تفكير طويل وعميق وتحت وطأة صوت أو سوط الضمير لم أجد بدا ً من إختيار الطريق الثاني الكريم والصعب والمخيف والمحفوف بالمخاطر والصعاب ! .. أي طريق الإنطلاق في بلاد الواسعة ـ نحو المجهول ؟ - لأقول كلمتي وأدلي بشهادتي قبل أن أغادر الحياة أو تغادرني الحياة أو أجد نفسي ـ على حين غرة - في قبضة ( جلاوزة النظام ) ( الغلاظ الشداد الذين لا يعصون ربهم وولي أمرهم ما أمرهم ) ! .. والذين لا يرقبون في كل إنسان ( حر ) إلا ً ولا ذمه ولا يقيمون لأدميته أية قيمة أو حرمه ! .

أخي العزيز :
لقد كانت هناك ( أية كريمة في القرآن الكريم ) تثير ذعري يومها أشد الذعر وتحاصرني من كل جانب وتدفعني إلى إتخاذ موقف ما مما يجري حولي من فساد وإفساد وإرهاب وإستبداد وسفك للدماء الغالية والمحرمه .. وهذه الأية تتمثل في قوله تعالى : (( إن الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا: فيم كنتم؟.. قالوا : كنا مستضعفين في الأرض!.. قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )) !!؟؟ .
فهؤلاء المستضعفون لا حجة لهم إذ وجدوا أنفسهم أذلاء ومستعبدين للطغاة في أن يرضوا بالأمر الواقع ويذعنوا له (!!) فقد كان عليهم أن يحرروا أنفسهم من العبودية لغير الله إما بالقوة والمقاومة أو على الأقل ـ في حالة عجزهم - أن يحرروا أنفسهم بالهجرة .. أي بالخروج من سلطان هؤلاء الطغاة ومظلتهم لينطلقوا أحرارا ـ كما خلقهم الله يوم خلق الأرض - في بلاد الله الواسعه ! .. وهذا ما فعلته يومها ! .

أخي إبراهيم :
لقد كان آخر كتابين قرأتهما تلك الأيام ـ قبيل مغادرتي بقليل ـ وكان لهما أثر كبير في تعزيز قرار الهجرة وقرار تسجيل شهادتي وإدانتي للنظام على شريط مسموع - هما أولا ً كتاب (نهاية التاريخ) لفوكوياما الذي أعطاني فكرة تحليلية لحقيقة وطبيعة النظم الشمولية فوجدت أن نظام العقيد القذافي في الواقع تنطبق عليه كل المواصفات الأساسية لهذه النظم البشعة التي جنت على شعوبها ودمرت إنسانها(!!؟؟).. أما الكتاب الثاني فهو كتاب (وثائق جمعية عمر المختار.. صفحة من تاريخ ليبيا) للسيد المرحوم ( محمد بشير المغيربي ) الذي اعطاني يومها تصورا ً لما كانت عليه ( ليبيا ) ما قبل الإنقلاب العسكري حيث أنك ومن خلال إستقراء هذا الكتاب تتأكد أن البلاد ـ وعلى الرغم من كل المآخذ على العهد السابق ـ كانت تسير ببطئ وهدوء وبعقلانية ودون نعيق وزعيق في طريق الإصلاح والإنفتاح والتقدم والتحديث كما أنك ستلاحظ أن المساحة المتاحة لإصحاب الأراء والإجتهادات والتوجهات المعارضة لتوجهات الحكومات كانت كبيرة ومعقولة سواء من حيث حرية التعبير أو حرية التجمع والحركه ! .. لقد عرفت من خلال قراءتي المعمقة لهذين الكتابين حجم الكارثة التي حلت بليبيا في عهد الإنقلابيين خصوصا ً في مجال حقوق الإنسان وحرية التفكير والتعبير وبالتالي في مجال الثقافة وحرية الصحافه !؟؟ .. ومن ثم فإن ( الإستنارة الكبيرة ) التي حدثت لي عقب إطلاعي على هذين الكتابين كانت في الحقيقة من أهم الحوافز التي عززت إتخاذي قرار الهجرة أولا ً ثم إتخاذي ثانيا ً قرار تسجيل شهادتي وإدانتي لهذه الأوضاع البائسه التي يعيش فيها شعبي على شريط مسموع وتوزيعه كمنشور ـ أو كصرخة للمطالبة بالعدل والحريه - قبيل مغادرتي ! .
صحيح أنه كانت هناك الكثير من الظروف المحيطة التي كانت تحفز على الخروج أيامها وعلى رأسها الفوضى الأمنية التي عمت البلاد خصوصا ً مدينتي التي أقيم فيها ( بنغازي ) بسبب المصادمات الدموية الكبيرة بين النظام وشباب الجماعات الإسلامية ذات الطابع الجهادي والتي جعلت الجهاز الأمني البوليسي يومها يصبح كالكلب المسعور يضرب هنا وهناك ضرب عشواء في جميع الإتجاهات وبمجرد الظنون والشبهات !!؟؟ .. وفي المقابل كانت هناك الكثير من المخاوف من المجهول والمحاذير التي ستترتب على قرار الهجرة أو قرار نشر المناشير ! .. كما أن هناك الكثير من ( المغريات ) التي تدعو نفسي للتريث وللبقاء في وطني وبين قومي في دعة وأمان مقابل السكوت والتضحية بمعتقداتي السياسيه ؟ .. ولكن في نهاية المطاف وبتأثير من حبي للعدالة والحريه وعقيدتي الإسلامية وقناعاتي السياسيه قررت الخروج على بركة الله نحو المصير المجهول !؟ .. ولكني وقبل أن اغادر بلادي فارا ً برأيي ومعتقدي السياسي وحريتي الفكريه في أرض الله الواسعه عز على نفسي أن أغادر كمثقف وطني وصاحب رأي قبل أن اقول كلمتي وشهادتي في هذا النظام ! .. فما كان مني إلا أن سجلت بصوتي ـ وبشكل سريع ـ وقبيل مغادرتي للبلد بأيام - وعلى شريط مسموع ( كلمتي وشهادتي ) وجعلت عنوان الشريط ( صرخة العدل والحريه ) حيث أدنت فيه ألأوضاع القائمه .. والنظام .. والعقيد القذافي شخصيا ً وحملته المسؤولية الكاملة عما حل بالشعب الليبي ودولته الوطنيه من ضعف وتخلف ودمار وعار ودعوت فيه الشعب عموما ً والمثقفين ورجال القانون بوجه خاص إلى الإنتباه وعدم التعلق بالخارج وإلى تنظيم الصفوف والإستعداد ليوم الخروج الكبير لتغيير الأوضاع أو على الأقل لإجبار النظام على العودة بسفينة دولتنا الوطنية إلى بر ( الواقع ) و( العقل ) و( الوطن ) بعد طول ظلم وضلال وسنين طوال ضاعت في مطاردة الأوهام وجزر الأحلام الموهومه ! .. ثم قمت يومها بنفسي وعلى نفقتي الخاصة وعن طريق جهاز تسجيل مزدوج ( دبل كاسيت / قاريونس ) إشتريته لهذا الغرض بنسخ أكثر من 120 نسخه من هذا الشريط وقمت بتوزيعها بنفسي وبطريقة سرية بعيدا ً عن الأنظار في جامعة قاريونس وبيوت الطلبه وعلى بعض مكاتب المحاماة في بنغازي فلقد عز على نفسي يومها أن اغادر وأن أخرج من بلادي مضطرا ً فارا ً بقلمي من قبضة الإستبداد والإرهاب دون أن اقول ما اعتقد أنه صواب ودون أن اقول كلمتي للتاريخ ولو لم يسمعها سوى 120 مواطن ليبي (1)! .
وفي يوم 10 ديسمبر صباحا ً ـ والذي كان يوافق ذكرى يوم إختفاء الكيخيا بالمصادفة ! ـ وفي يوم مطير عصفت فيه الرياح وتلبدت فيه السماء بالغيوم كانت الحافلة السريعة ( السوبر قييت ) تنطلق بي من قلب مدينتي بنغازي نحو ( جمهورية مصر العربيه ) بمحاذاة أجمل ما تعلق به قلبي من بنغازي ـ بعد ضريح سيدي عمر المختار - وهو البحر ! .. ذلك البحر الذي شدني منذ طفولتي لهذه المدينة الغالية فكنت ُ كل صيف وعند حلول العطلة الصيفية أغادر محل سكناي في مدينتي الأصلية ( إجدابيا ) نحو عرين الأسد(2) ومدينة الأحلام .. وعروس البحر .. بنغازي ! .
يومها ـ يوم غادرت ـ أي يوم الأحد 10 ديسمبر 1995 ـ بدت لي السماء الملبدة بالغيوم السوداء التي تهطل بالمطر الكثيف كأنها تعانق امواج البحر الثائرة على الشاطي المقابل لمنارة سيدي خربيش حيث كنت أراقب ـ بقلب يعتصره الأم والغضب ـ هذا المشهد الغريب والرهيب من نافذة الحافلة المنطلقة بي بسرعة خارج أسوار المعتقل الكبير!.. والحبس المرير.. (الجماهيرية العظمى).. (جماهيرية الأخ العقيد)!.
وكان مشهدا غريبا وحزينا ورهيبا - في نفس الآن ـ بالفعل ! .. جعلني يومها أسأل نفسي بمزيج من المرارة والغضب والحزن : (لماذا أغادر اليوم ـ وبهذا الشكل الإضطراري بلادي وبلاد أجدادي ؟ وإلى أين ؟!! ) ثم ـ وإذ شعرت بالحزن لفراق قومي وبلدي ـسألني صوت يقاوم داعي البكاء في أعماقي البعيدة : (تُرى لماذا تعانق أمواج البحر الثائرة في شاطئ بنغازي غيوم السماء الباكية بهذا الشكل الحزين الرهيب ؟؟) (الأنك تغادر وطنك مضطراً نحو المجهول مخلفاً ورائك مراتع الصبا وذكريات الشباب ووجوه قومك الطيبين ؟ أم أسفا ً على جراح بنغازي النازفة بإستمرار!؟) وعندها لم يعد في إمكان كل أدوات القمع وأليات الضبط والمنع الذاتي في نفسي أن تسيطر على زمام عيني أو أن تمنع دمعات ساخنة خرجت من مكمنها رغما ً عن إرادتي لتودع الوطن الغالي وداعا ً إلى حين أو... ربما إلى الأبد!... (وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ، و ما تدرى نفس بأى أرض تموت ، ان الله عليم خبير).. صدق الله العظيم ..
هذا وتقبلوا مني فائق شكري وتحياتي وللحديث بقيه ....

بلدياتك وأخوكم المحب : سليم الرقعـي
ssshamekh@hotmail.com
________________________

(1) لا يوجد بحوزتي حاليا من هذا الشريط المنشور في ديسمبر 1995 في بنغازي سوى جزءا بسيطاً ( وجه واحد ) ولا زلت احاول العثور على نسخة كاملة منه فالرجاء ممن يعثر على الشريط كله أن يقوم بنشره أو إرساله إلى موقع ليبيا وطننا أو ليبيا المستقبل .. كما أنني قد قمت بنشر الجزء المتوفر لدي منذ سنوات على موقع ليبيا وطننا على هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/misc/aa21102a.ram
(2) إن أكبر جريمة تاريخية أرتكبت في حق بنغازي من قبل هذا النظام فضلا ً عن جريمة حقن أكثر من 450 طفل بسم فيروس الأيدز القاتل بلا شك هي جريمة هدم ضريح شيخ الشهداء عمر المختار الذي كان قائما في قلب المدينة على مرمى حجر من القنصلية الإيطالية التي سفك النظام على أعتابها دماء مجموعة من الفتية الليبيين الأبرار من أحفاد عمر المختار (!!؟؟) .. فقد تشرفت بنغازي بالفعل بوجود عرين الشيخ الأسد ( الشهيد الكبير ) في قلبها كأهم معلم من معالمها كلها على الإطلاق ولكن العقيد القذافي قرر نفسه بنفسه ولغرض في نفسه أن يحرم هذه المدينة العظيمه من هذا الشرف العظيم !!؟؟ .. فنقل جثمان الشهيد أولا ً إلى قرية نائيه ليكون بعيدا عن الأنظار ثم وبعد عدة سنوات أرسل أحد أولاده في جناح الليل والناس نيام لهدم الضريح بعد أن قد تحول هذا الضريح إلى ( مبولة ) للعمال المصريين !!؟؟ .
ـ بيت الشعر المرفق بالصورة كان مطلع محاولة لقصيدة أودع فيها وطني قبيل رحيلي بأيام عن أرض الوطن.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home