Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


سليم نصر الرقعي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2008

الإقتراع السري أم مسيرات المبايعة والتأييد!؟

سليم نصر الرقعـي

دأب القذافي – ومن معه - على تسفيه (الإنتخابات) و(آلية الإقتراع السري) وكل آليات ومبادئ ومؤسسات الديموقراطية التقليدية المجربه كوسيلة عملية وحضارية ورقمية يمكن من خلالها معرفة حقيقة الخيار الشعبي بشكل رقمي حسابي دقيق !!!! .. وهذه (الوسيلة) وصل إليها العقل البشري المجتمعي المتمدن بعد تاريخ طويل من الصراعات السياسية الدموية كألية عملية فعالة وتحقق العدالة السياسية الممكنة لحسم المنافسات والصراعات على السلطة بين الفرقاء السياسيين أو لحسم الخلافات حول صنع القرار العام في الجماعات بطريقة حضارية سلمية عقلانية ولتحقيق العدالة السياسية بين الفرقاء السياسيين في المجتمع إذ لا يخلو مجتمع من المجتمعات من وجود فرقاء في الرأي وفي السياسة كما كان الحال في ليبيا الأمس وكما هو الحال في ليبيا اليوم وكما سيكون عليه الحال في ليبيا الغد !؟ .. فلابد من وجود خلافات سياسية وفكرية ولابد من وجود أطراف سياسية ! .. هذا واقع بشري لا يمكن الفرار منه أو تجاهله ولكن الرشد يكون بمعالجته علاجا ً ناجعا ً في حدود الإمكان .. فالتنافس على كسب المال والقوة والمكانة والسلطة سيستمر بين البشر إلى أن يرث الله الأرض ! .. لا تبديل لخلق الله ! .. لذلك كانت هذه الوسيلة العقلانية الحضارية من أهم المكاسب السياسية للبشر والمجتمعات المتمدنة كما هو معلوم .. ومع ذلك يأتي بعض أتباع النظام اليوم ليسفه هذه (الألية الحضارية المدنية) الجديرة بالإهتمام والإحترام وليصفها – بجرة قلم - بأنها مجرد (لعبة إحتيال سياسي) !!؟؟ .. والغريب أن سيدهم وقائدهم الجديد (سيف الإسلام) نفسه صرح غير مره بأنه يسعى لتطبيق هذه (الآلية) الحضارية في ليبيا الغد على حد قوله ففي مقابلة أجرتها معه وكالة (اسوشيتد بريس) الأمريكية وعند سؤاله عن التخمينات التي تقول بأنه سيخلف والده في سدة الحكم رد سيف الاسلام بقوله : " لقد وصلتكم الإجابة – الدستور والديمقراطية والانتخابات مثلنا في ذلك مثل أي بلد اخر " و أضاف :" إذا ما قمنا بجعل كافة الأمور تدور حول رجل واحد أو عائلة واحدة او مجموعة من الأشخاص فإن الأمور سوف لن تسير على مايرام " (1) !!؟؟ .. هذا هو كلام وريث الملك نفسه فمابال قوم يريدون أن يكونوا ملكيين أكثر من إبن الملك نفسه !!!؟؟؟ .. مالهم يرفضون ويسفهون هذه (الآلية الحضارية) بحجج ومبررات واهية لا تصمد أمام الحكم الموضوعي والتحليل المنطقي بل ولا أمام التجربة وحقائق العلوم السياسية ؟؟!! .. فإن كان هؤلاء الرافضون لهذه (الألية الحضارية) المسفهون لها يقصدون بكلامهم ورفضهم (الطريقة) التي يتم بها تطبيق هذه الألية في عالمنا العربي ودول العالم الثالث المتخلفة سياسيا ً ومدنيا ً فنحن نوافقهم في هذا الإعتراض وهذا الإنتقاد لأن (حكام وقادة) هذه الدول بالفعل يستخدمون هذه الآلية الحضارية العادلة إستخداما ً غير حضاري وغير عادل لصالح مصالحهم الخاصة وللبقاء في القيادة والحكم وللظهور بمظهر الحكام والقادة الديموقراطيين الشرعيين مع أننا وكل أصحاب العقول في العالم نراهم عرايا (ربي كما خلقتني!) بدون أية ملابس تسترهم وتغطي عوراتهم وهم مع ذلك يحسبون أنهم يرتدون أفخم وأستر الثياب! .. فهؤلاء بالفعل يستخدمون هذه (الآليات الديموقراطية) بطريقة خاطئة ومغرضة وغير عادلة كنوع من الإحتيال السياسي من خلال تزوير إرادة الناس وأصوات المواطنين كما هو واضح لكل المراقبين وهو أمر مرفوض قطعا ً من قبل كل دعاة الديموقراطية في العالم .. فآليات الديموقراطية كأية آليات نافعة أخرى في الدنيا يمكن إستخدامها الإستخدام الصحيح والذي صنعت في الأصل لأجله كما يمكن إستخدامها بشكل قبيح وإستغلالها في أغراض شريرة ! .. هذا إن كان هؤلاء الرافضون يقصدون (طريقة الإستعمال السيئة والمسيئة) لآلية الإنتخابات والإقتراع السري أما إن كانوا يقصدون بأن هذه (الأداة) نفسها وهذه (الآلية) ذاتها لا تصلح في ذاتها ولا تنفع ولا تمنع عند تطبيقها بشروطها اللازمة الصراع السياسي وأنها غير جديرة بالتالي بالإهتمام ولا بالإحترام ولا تحل المشكل السياسي ولاتحقق العدالة السياسية فهذا ما نخالفهم فيه أشد الخلاف قطعا ً ويقف معنا في هذا الموقف الغالبية العظمى من عقلاء العالم ! .. والغريب في هذا كله هو أن هؤلاء القوم - وبعد أن يرفضون هذه (الآلية) الحضارية المدنية المتفق عليها بين كل عقلاء العالم كأداة لحسم الصراعات السياسية وكوسيلة موضوعية لمعرفة خيار وإتجاه الإرادة الشعبية (إرادة الأغلبية) في أي قضية – نجدهم عوضا ً عن هذه الآلية يلجأون إلى طريقة (بدائية)(غوغائية) غاية في التخلف كبديل عن آلية الإنتخابات وطريقة الإقتراع السلمي المستخدمة في العالم المتقدم سياسيا ً ومدنيا ً ! .. فهم إذ يرفضون طريق الإنتخابات يلجأون إلى طريقة حشد الجماهير في الشوارع وسوقها سوقا ً كما تساق الماشية للإعلان عن موافقتها المطلقة والكاسحة وبيعتها للزعيم المفدى أو إبن الزعيم المفدى أو القادم الجديد !!!؟؟ .. ولا يخفى عليكم ولا على كل عاقل وعالم في العلوم السياسية أن هذه الطريقة البدائية المتخلفة كانت دائما ً إحدى أهم الوسائل الإستعراضية التي يلجأ إليها القادة الشموليون المستبدون لتأكيد سلطانهم والظهور في صورة (معبودي الجماهير) ولإضفاء لون من ألوان (الشرعية الشعبوية الصورية) على أنفسهم !! .. يالها من طريقة !! .. بل وما أسهلها وما أقصرها من طريق في أجواء تنعدم فيها حرية التعبير وحرية التنظيم وتنعدم فيها العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص بين الفرقاء !! .. حيث يتم حشر الجماهير في الشوارع وإخراج تلاميذ المدارس والطلبه (2) وإحضار الشعراء وشيوخ القبائل لتلاوة نص برقية العهد والمبايعة الأبدية للزعيم الأبدي وترديد الأشعار الشعبية والهتفات الثورية وذبح الذبائح ونصب الخيام وإقامة ولائم الرز واللحم !! .. إنها طريقة مفضوحة ومزرية ومخزية وستضحك منها كل الأجيال القادمة ! .. وهي تمثيلية مكرورة بشعة بل هي أبشع من تمثيليات الإنتخابات المزورة ذاتها التي تحدث في كثير من دول العالم الثالث المتخلفة! .. ويالها من صورة بائسة مؤسفة تنم عن التخلف السياسي والوضاعة والإنحطاط العام عندما تساق الجماهير كالماشية لتقديم شعائر الولاء الأبدي للزعيم !! .. ثم أن عملية حشر الجماهير المغلوب على أمرها سنة قديمة سنها أول من سنها أب النظم الشمولية نفسه .. الطاغية فرعون ! .. دعي الألوهية والجماهيرية المطلقة ! .. إنظر إلى قوله تعالى : (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين) أي يحشر جماهير الناس ! .. وقال تعالى (قال موعدكم يوم الزينة وان يُحشر الناس ضحى) .. فحشر الناس أي تجميع الجماهير في الشوارع والميادين والساحات هو نوع من الإستعراضات السياسية التي يلجأ إليه القادة الشموليون عبر التاريخ لتأكيد قوتهم وعرض زينتهم والتظاهر بالشرعية الشعبية ! .. والناس بطبيعتهم منذ القدم يتبعون (الرجل القوي) ويخضعون له خوفا ً منه ومن بطشه اللهم إلا في المجتمعات المتقدمة والمتمدنة التي تمكنت – بعد تاريخ طويل من مقاومة الطغيان السياسي والفصل بين السلطات وتحديد مدة القيادة السياسية للدولة - من بناء المجتمع المدني الحر والمستقل عن الدولة وتمكين دولة وحكم المؤسسات الديموقراطية وإنتهي – بالتالي - عندها - عهد حكم الشخصيات الفردية! .. فجمع الناس وحشدهم وحشرهم في الشوارع وسوقهم بطريقة الراعي والغنم لتحقيق غرض سياسي أمر يسير على السلطة الشمولية خصوصا ً إذا كانت هذه السلطة تحتكر أمر وسلاح التنظيم السياسي لذاتها – حركة اللجان الثورية مثلا ً - فضلا ً عن إحتكارها لمؤسسات ومقدارت الدولة في الدعاية لذاتها والتمكين لنفسها ! .. لذلك ومن أجل تحقيق (العدالة السياسية) ولتحقيق الديموقراطية في المجتمع لابد من اللجوء إلى (وسيلة الإنتخابات العامة) و(آلية الإقتراع السري) وأن يكون لكل مواطن (صوت) حر في إستعماله بلا رقيب ولا حسيب كأفضل وسيلة حضارية مجربة حتى الآن .. وأما سبب وسر (السرية) في الإقتراع فهو سبب وجيه وذكي ومنطقي وله مايبرره .. وهو تمكين (الإنسان /المواطن/ الفرد) من أن يدلي بصوته ويختار إسم المرشح الذي يريده بدون رقابة من أحد سوى ضميره في مكان مغلق لا يراه فيه أحد إلا الله ! .. أما إذا كان الإقتراع معلنا ً وبطريقة رفع الأيدي وعد الرؤوس وسط الساحة العامة (!!؟؟) - كما يحدث عندنا - فهذا مدعاة إما للمجاملة أو مدعاة للخوف خصوصا ً مع وجود رقابة اللجان الثورية والأجهزة الأمنية والخطوط الحمراء التي ما أنزل الله بها من سلطان! ... فعندما تقف الجماهير المحشورة في الشارع العام أمام عدسات التلفزيون ويقال لها بصوت عال : ( هاه ! .. أيتها الجماهير الحاشدة الحرة السعيدة ! .. من كان منكم يريد إنتخاب أو مبايعة القايد الملهم الرشيد معمر القذافي – أو مبايعة وإنتخاب إبنه سيف الإسلام – فليقف في هذه الناحية .. أو ليرفع يده اليسار ! .. ومن لايريده ولا يريد السيد إبنه فعليه أن يقف في الناحية الأخرى .. أو يرفع يده اليمين !) فهل تتوقعون عندها من هذه الجماهير الغفيرة االمجرورة والمجبورة والمحشورة أن تعبر عن ما في قلبها فعلا َ وتعبر عن خيارها الحقيقي بكل صدق وحرية وأمان ؟ أم أن جلهم – إن لم يكن كلهم – سيرفعون (اليد اليسرى) ويقفون ويصطفون في ناحية الموافقة على مبايعة القايد الفريد وإبنه الرشيد أبد الآبدين !!؟؟ ... إن أداة وآلية الإقتراع السري هي الأداة المثلى والطريقة العادلة للتعبير عن أرادة الشعب فردا ً فردا ً إذا طبقت بشكل صحيح ونزيه وفي جو تتحقق فيه الحرية والأمان كما هو الحال هنا في بريطانيا وفي الغرب عموما ً فكل مواطن يدلي بصوته في الإقتراع السري بلا خوف ولا تهديد ودون حاجة إلى حشر وحشد الجماهير كما أمارس أنا نفسي بإعتباري حاملا ً للمواطنية البريطانية ! .. قد يقول البعض بأن هذه الطريقة لن تصلح عندنا بسبب تخلفنا السياسي أو الثقافي والمدني وبسبب تركيبتنا وخصوصياتنا الإجتماعية عندها لايكون النقاش حول هذه (الآلية) ذاتها بل سيكون حول تهيئة الظروف والعقول والنفوس والمناخ الإجتماعي والثقافي والسياسي والقانوني العام في ليبيا لكي يمكن تطبيق هذه (الآلية الحضارية العادلة والفعالة والمجربة) بشكل صحيح ومفيد يحقق الديموقراطية والعدالة السياسية (النسبية) بالفعل للجميع ويفتح المجال أمام كل مواطن ليبي عادي طموح وموهوب أن يكون في يوم من الأيام قائدا ً لهذا البلد عن جدارة وبشكل عصامي من خلال شرعية الإنتخاب لا بفعل الإنقلاب أو القوة والإرهاب أو الوراثة والإنتساب للعائلة الحاكمة أو القائدة !!؟؟ .. وبلا شك أن عملية إطلاق حرية التعبير السياسي والنقد السياسي منذ الآن بل والسماح لليبيين بمعارضة الفكر الرسمي السائد ونقده علنا ً بل ومعارضة قيادتهم السياسية ومخالفتها ونقدها – ولو في مجال الكلام والكتابة والنقد السياسي - وكذلك إقرار حرية التجمع والتنظيم السياسي المدني ولو في شكل (منابر وجمعيات سياسية) مختلفة ومتنافسة – غير حزبية – لهو – بلاشك – الخطوة الأولى نحو التعلم والترقي التدريجي في سلم التمدن والديموقراطية والحرية والعدالة السياسية بل وفي سلم الرشد السياسي ! .. ودون هذا فإن الجماهير الحاشدة أو بمعنى أدق المحشودة من قبل السلطة وأنصارها تظل ترفع يدها اليسرى بالموافقة دائما ً لتبايع – بشكل أبدي ومطلق - السيد القايد الزعيم و (الطرف الأقوى) في المجتمع وتهتف بحياته خوفا ً وطمعا ً لأن الطرف القوى في المجتمع - كما هو معلوم - هو الذي يحكم دائما ً كما جاء في نهاية الفصل الأول من الكتاب الأخضر ! .. والطرف القوي أو الأقوى في ليبيا اليوم - بلا شك - وكما يعلم القاصي والداني – وكما يعلم كل عقلاء وزعماء العالم - هو العقيد معمر القذافي شخصيا ً وأفراد عائلته لإسباب معروفة ! .. فهو وأولاده يشكلون بسبب إستحواذهم على السلاح والثروة والسلطة في الواقع (الطرف الأقوى) في المجتمع بحكم الأمر الواقع ولأنهم يملكون زمام الدولة الليبية لا لأنهم يملكون قاعدة شعبية ويمثلون الأغلبية العددية ! .. فالقاعدة الشعبية وتمثيل الأغلبية لا يمكن التعرف عليه بصورة عملية وصحيحة وعادلة وبشكل حسابي دقيق وموضوعي - إلا من خلال آلية (الإنتخاب) وألية (الإقتراع السري) في ظل توفر النزاهة والعدالة وحرية التعبير وحرية التجمع للجميع .. أما الحديث عن أن نظرية القذافي نظرية صحيحة وفريدة وجديدة ..... إلخ فسنفرد له مقالة خاصة نناقش فيها أهم مقولاتها ونبين فيها عقم هذه النظرية التي ولدت ميتة مع أنها ولدت من رحم السلطة ووضعت في حماية ورعاية أجهزة السلطة والنفط الليبي ولكن دون جدوى ! .. فلم يقتنع بها حتى أقرب المقربين ! .. وقد قيل في أمثالنا الشعبية (لو كان فيها خير ما رماها الطير) ! .. والسلام .

سليم نصر الرقعي

________________________________________________

(1) إنظر هنا ترجمة للمقابلة التي أجرتها وكالة الأنباء الإمريكية مع سيف الإسلام
http://www.al-ijdabi.com/artical_show.php?ArticleID=171
(2) ذكر القذافي في خطابه العام الفائت ( 2007) في ذكرى ما يسمى بثورة الطلاب (إبريل) بأن إخراج تلاميذ المدارس والطلاب في مظاهرات أو مسيرات هو أمر سهل فقال : (والطالب من السهل أن تقول له اخرج من الفصل واعمل مظاهرة خارجه يفرح بها حتى يتخلص من الدراسة وقد كنا كلنا طلبة ونعرف ان عندنا استعداد لنخرج من الفصل بسرعة لاي مناسبة ) .. وبهذا يتضح لنا ومن خلال القذافي نفسه أن الإعتماد على مسيرات الطلبة وتلاميذ المدارس من أجل الهتاف للزعيم أو الخليفة المنتظر هو من السهولة بمكان في المجتمعات الشمولية والمتخلفة !.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home