Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

السبت 9 يناير 2010

الليبيون وتقييم العهدين.. عهد إدريس وعهد العقيد!؟

- ماذا نقول الآن وماذا سيقول التاريخ عن العهدين؟ -


سليم نصر الرقعـي

نختلف اليوم نحن وأنصار نظام العقيد القذافي في تقييم ما حدث في الفاتح من سبتمبر 1969 وما ترتب عنه في الواقع العملي الملموس من سلبيات وإيجابيات وأيهما يغطي على الآخر ؟ السلبيات أم الإيجابيات؟ وماذا خسرنا وماذا كسبنا بعد هذا الحدث؟ .... فهم يعتبرون ما حدث "ثورة تاريخية غير مسبوقة غيرت وجه التاريخ لا في ليبيا وحدها ولا في العالم العربي فقط بل في العالم أجمع !!؟" وأدت – حسب إدعائهم وإعتقادهم - إلى عزة وسعادة وتقدم ليبيا وإلى قيام سلطة الشعب وحكم الجماهير وتحرير الإرادة وتحقيق السعادة .... إلخ .. بينما نحن – أي المعارضين – نخالفهم في هذا التقييم لذاك الحدث السياسي الكبير والخطير حيث أننا اليوم – وبعد كل هذه التجربة وكل هذه العقود من حكم وقيادة العقيد القذافي للدولة الليبية(1) – نعتبر ما حدث في الفاتح من سبتمبر عام 1969 ليس سوى "إنقلاب عسكري" إنتهى بوصول "الملازم أول معمرالقذافي" للسلطة والبقاء فيها حتى اليوم حاله كحال كل الإنقلابات العسكرية التي وقعت في عالمنا العربي وأدت إلى تعطيل النمو الطبيعي في تلك المجتمعات وكان بالمحصلة - وعند إستعراض كشف حسابها الكلي والنهائي - إثمها وضررها أكبر من نفعها على هذه الشعوب!! .. ولكن وسط معمعة وقعقعة هذه المشاده ووسط كل هذه الملابسات والإستقطابات الحادة بين الطرفين والخصمين (الموالي والمعارض) قد يفتقد كلانا الحيادية والموضوعية اللازمة للتقييم الكامل والشامل والصحيح والنهائي لهذا الحدث وما جر إليه في الواقع العملي .. لماذا؟؟؟ ... لإن أحكامنا الحالية التي نطلقها على النظام السياسي الحالي – سلبا ً أو إيجابا ً - تظل متأثرة بملابسات الواقع المعاش وضغوطات الحاضر ومتأثرة بمواقفنا السياسية (معارض أم موال؟)(متضرر أم مستفيد؟) .. وأما الحكم الفصل والتقييم العادل والشامل والكامل والنهائي فهو لله تعالى أولا ً ثم للتاريخ! .. فليس من السهل علينا كبشر تقييم تجربة وحالة نعيش في أحشائها المتقلبة الآن بشكل متوازن ونهائي ولم تتحول بعد إلى جزء من كتب التاريخ!! .. فلابد أولا ً الخروج منها والتخلص من ملابساتها وإشتباكاتها وإنفعالتها الراهنة ليمكن بعد ذلك تقيمها بموضوعية وتجرد وحياد وببرود عقلاني خال من الإنفعالات والحزازات الشخصية والولاءات والمواقف السياسية وبعيدا عن ملابسات الواقع المعاش .

ولكن الوضع يختلف فيما يتعلق بحدث الإستقلال .. إستقلال ليبيا الذي وقع في 24 من ديسمبر من عام 1951 .. فالإستقلال أصبح جزءا ً من التاريخ وإن كانت أثاره بعد سارية المفعول! .. والإستقلال كإنجاز تاريخي وطني يجب النظر إليه بموضوعية وروح وطنية حتى من قبل أنصار النظام الحالي وعليهم التفريق بين بغضهم للعهد الملكي أو لشخص الملك إدريس السنوسي – رحمه الله - وبين حدث الإستقلال الوطني المجيد .. بل يجب عليهم الإحتفاء بذاك اليوم المجيد بإعتباره جزء ً لا يتجزأ من تاريخ ليبيا الوطني ومن تاريخ أبائهم وأجدادهم ومجدهم التليد فهو يوم ميلاد دولة ليبيا الحديثة بعد رحلة شاقة من التضحيات والجهاد والإجتهاد .. فمن العار إعتبار أنه مجرد "منة" قدمها الإنجليز لليبيين على طبق من ذهب !! .. هكذا بكل بساطة وبجرة قلم !!!؟؟؟ .. متناسيين الجهود العظام والتضحيات الجسام التي حدثت من أجل تحقيق هذا الإستقلال بل وإنتزاعه بحنكة ودهاء وإصرار من بين براثن وأنياب دول الإستعمار والإنتداب في لحظة تاريخية فارقة ومواتية إستثمر فيها "الأباء المؤسسون للدولة الليبية" - في ذلك الوقت - مبدأ تقرير المصير وإنتشار روح التحرر في العالم التي سادت الموقف الدولي يومذاك بسبب إنتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ضد المحور! .. فتحقيق هذا الإنجاز التاريخي جاء نتيجة جهاد الليبيين وإصرارهم في ساحة القتال الحربي أولا ً ثم في ميدان النضال السياسي وساحة الأمم المتحدة ثانيا ً فجاء الإستقلال كثمرة طبيعية لتلك الجهود وذاك الجهاد! .. وقد كان لرجال وطنيين مثل السيد إدريس السنوسي - القائد الرمز في ذلك الوقت لمعظم الليبيين – والذي إلتف حوله في ذلك الوقت وفي تلك اللحظة التاريخية الفارقة والخطيرة معظم الليبيين وللدكتور على العنيزي والسيد بشير السعدواي وحزب المؤتمر الوطني الطرابلسي وكذلك لجمعية عمر المختار وغيرهم من رجال وتنظيمات الحركة الوطنية الليبية دور مهم وحيوي وأساسي في تحقيق إستقلالنا الوطني الذي كان يعني في الوقت ذاته ولادة دولة ليبية الحديثة - دولة الليبيين المستقلة والمعترف بها دوليا ً- بل وولادة "الأمة الليبية" ككتلة وطنية سياسية واحدة تجمع كل شعوب(2) الأقطار الثلاث (طرابلس وبرقه وفزان) بعد أن كاد كل قطر – في لحظة ضياع – وقبل نضوج الحس الوطني والقومي الليبي – عقب حقبة سقوط الخلافة الإسلامية (العثمانية) وحدوث كارثة الإحتلال الإيطالي أن يقيم دولته أو جمهوريته أو إمارته بعيدا ً عن بقية الأشقاء! .. فبالإستقلال تم الإتحاد الدستوري وتمت الوحدة السياسية وأعلن عن ميلاد دولة ليبيا الحديثة التي تضم كل الليبيين في كيان إتحادي سياسي واحد (1951) ثم وحدوي ومركزي واحد (1963) .. مع أن النظام الإتحادي - من وجهة نظري الخاصة - هو نظام رائع ومفيد وهو يصلح لليبيا المترامية الأطراف قليلة السكان وهو نظام إداري وسياسي ناجح ومطبق في عدة دول غربية وشرقية في العالم من حولنا وهو أقرب لروح الديموقراطية واللامركزية .. فأمريكا نظامها إتحادي وكذلك بريطانيا وسويسرا والهند وكذلك الإمارات المتحده وكلها دول ناجحه وليست فاشلة كما هو معلوم ومشهود.

والشاهد هنا أن العهد السياسي الحالي – عهد قيادة ونظام العقيد معمر القذافي - هو عهد قائم ولايمكن تقييمه تاريخيا ً تقيما عادلا ً وشاملا ً وكاملا ً بكل موضوعية ودقة وحياد – ماله وماعليه ؟ – إلا بعد إنتهائه وسقوطه وإنتهاء عمره السياسي ومرور فترة من الزمن ليمكن بعد ذلك – وبعد ذلك فقط - أن يحكم عليه الناس والأجيال القادمة حكما متوازنا ً موضوعيا ً بحسب موازنة عقلانية حسابية توازن وتقارن بين المكاسب والخسائر وبين الإيجابيات والسلبيات حسب المعلومات الدقيقة وحسب الوثائق الثابتة وحسب النتائج التاريخية.. وكذلك العهد الملكي الذي سبق العهد الحالي فعلى الرغم من إنتهائه ومرور أكثر من أربعة عقود على إسقاطه بالقوة فلا يزال الليبيون - حتى في وسط المعارضة الليبية؟ - يختلفون حول تقييمه النهائي بشكل موضوعي ومتوازن ودون إستقطاب حاد وذلك بسبب أن الملابسات التاريخية والترسبات النفسية لازالت عالقة في الوجدان والأذهان حتى الآن كما أن شعوبنا العربية ومنها الشعب الليبي تعرضت ذاكرتها خلال فترة الإنقلابات العسكرية والنظم الشمولية الثورية والمد القومي والإشتراكي التي أطاحت بالنظم الوطنية التي قامت بعد الإستقلال إلى عملية طمس ومحاولة توجيه بل وتشويه لأغراض سياسية أنانية لصالح النظام الإنقلابي الجديد!!! .. فمن أجل إعتبار هذه الإنقلابات العسكرية والنظم الشمولية الثورية هي نقطة الميلاد الحقيقي والتحرر الحقيقي لهذه الشعوب كان لابد من إعتبار الفترة السابقة لهذه الإنقلابات هي "محور الشر" وهي "مكمن العار والفساد والزيف!" الذي قامت هذه "الثورة التاريخية؟" أي "ثورة العسكرتاريا" لأجل إزالته ومحوه وبالتالي إقامة نظام الكرامة والحرية والوحدة العربية والسعادة والمساواة والعدالة والرخاء والتقدم والتنمية والديموقراطية الحقيقية.... إلخ .. على أنقاضه !! .... لهذا عملت هذه النظم الإنقلابية من خلال سيطرتها على وسائل التعليم والإعلام والدعاية والتعبية على طمس كل إنجازات الفترة السابقة وإنكار إيجابياتها وتضخيم سلبياتها إلى درجة أنكرت فيه حتى مشروعية وعظمة الإستقلال الوطني وسخرت منه وإعتبرته مجرد مؤامرة دولية ضد البلد أو ضد الأمة العربية المجيده!!! .... وأما ليبيو الداخل اليوم وخصوصا ً الباحثون التاريخيون المستقلون وغير السياسيين لايزالوا – واقعيا ً – تحت سلطان الخوف وتحت وطأة المحاذير والخطوط الحمراء الفوقية وتأثير النظام الشمولي "الإيديولوجي" القائم مع أن عملية التحرر – تحرر العقل الليبي والمجتمع الليبي - من قبضة هذا النظام الإيديولوجي الشمولي تجري على قدم وساق منذ عام 2000 تقريبا ً لإسباب لا ترجع لإرادة ورغبة النظام نفسه بقدر رجوعها للمتغيرات الدولية والمحلية التي تفرض نفسها عليه يوما ً بعد يوم فتجبره على إرخاء قبضته البوليسية الأمنية والشمولية والإيديولوجية شيئا ً فشيئا ًعن العقل الليبي والمجتمع الليبي المدني والطبيعي!! .. لهذا فحتى الحكم التاريخي النهائي والشامل والكامل على "العهد الملكي" لا يمكن تصوره إلا بعد تحرر الليبيين بالكامل من الوضع السياسي الأحادي الإستبدادي الحالي ودخول عصر سياسي تعددي منفتح ومرور فترة زمنية لا بأس بها ليمكن لليبيين بوجه عام وللعقول الليبية بوجه خاص وخصوصا ً العقول المتخصصة في كتابة وبحث وتفسير التاريخ السياسي أن تقول فيه كلمته وكذلك في نظام سبتمبر الحالي! .. ومع ذلك فإنني على يقين أن يوم إستقلال ليبيا الموافق ليوم 24 ديسمبر 1951 هو يوم تاريخي ومفصلي ومجيد في تاريخ الليبيين ونقطة تاريخية فارقة لا يمكن تجاهلها على المدى البعيد لأن يوم الإستقلال هو يوم قيام دولة ليبيا ويوم ميلادها وإتحادها ولأنه جاء كثمرة جهاد وعطاء الأباء والأجداد ومن العيب الكبير بل ومن الخيانة الفاحشة لإرث وجهاد وتضحيات الأجداد أن نتنكر لذاك بل لهذا الإنجاز الوطني المهم والعظيم الذي يتجلى اليوم في هذه الدولة الوطنية .. الدولة الليبية! .. ومن العيب بل ومن نكران الجميل أن لا نذكر ونشكر – بعد الله - فضل هؤلاء الأباء والأجداد في تحقيق هذا الإنجاز الكبير والمجيد !!! .. فلولا جهادهم وجهودهم ونضوجهم الوطني وروحهم الوطنية العالية وهمتهم السياسية لكان التاريخ والجغرافيا السياسية إتخذت إتجاها مغايرا ً لما هو قائم اليوم بالفعل ولربما ما كانت اليوم هناك دولة إسمها ليبيا قط !!! من يدري ؟! .

سليم نصر الرقعي
_________________________

(1) حتى بداية الثمانيات أنا شخصيا ً كنت أعتبر ماحصل في ليبيا في الفاتح من سبتمبر – وربما بسبب التلقين في المدرسة والبيت - هو ثورة وطنية وقومية حررت الليبيين وسلمت السلطة للشعب وحققت العدالة (!!؟؟) ولكن مع التجربة والإطلاع الواسع والمعاينة والمعايشة والمتابعة والمقارنة وصلت إلى قناعة تامة وجازمة بأن ماحدث ليس سوى إنقلاب عسكري أطاح بالنخبة والطبقة الحاكمة السابقة ليحل هو أعوانه وأنصاره محلها ويستحوذ على كل صلاحياتها ويتمتع بكل إمتيازاتها متلحفا ً بلحاف حكم الجماهير وسلطة الشعب الفضفاض!!!.
(2) عبارة الشعوب هنا لا نعني بها هنا مفردة الشعب كمكون قومي للكيان السياسي (الدولة) أو ما يطلق عليه البعض "الأمة الوطنية" بل أعني بها سكان المناطق المختلفة بل ستلاحظ في دراساتي القادمة بأنني أعبر عن سكان المدن بعبارة شعوب المدن ! .. فكل سكان مدينة هم شعب تلك المدينة .. كقولنا شعب مدينة بنغازي وشعب مدينة طرابلس وشعب مدينة سرت وشعب مدينة مصراته ففي كل مدينة شعب وسأبين تصوري حول التقسيم الإداري والسياسي لليبيا الغد بحيث يكون لكل شعب يقطن مدينة برلمانه الخاص وسلطته أو حكومته المحلية المسؤولة أمام هذا البرلمان المحلي البلدي في ظل نظام وطني إتحادي ليبي يضم كل المدن الليبية ويحقق إستقلالية إدارية ومالية واسعة لكل مدينة ليبية في ظل جمهورية أو مملكة المدن الليبية المتحدة أو الولايات الليبية المتحدة للتخلص من عيوب المركزية ومخالفتها لروح الديموقراطية !.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home