Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


سليم نصر الرقعي

الأربعاء 8 اكتوبر 2008

ظاهرة عزوف الليبيين عن السياسة.. لماذا!؟
- دراسة موجزة -

سليم نصر الرقعـي

لقد ناقشت – في عدة مقالات - ظاهرة عزوف الليبيين عن حضور المؤتمرات وكذلك عزوف الليبيين في المهجر عن المشاركة السياسية والنشاط الوطني المعارض في الخارج أو المشاركة في النشاط السياسي للدول التي إلتحقوا بها وحصلوا على جنسياتها وحقوق وواجبات المواطنة فيها ولو في الإنتخابات المحلية والعامة على أقل تقدير كأدنى حد للمشاركة الإيجابية في الشأن العام ومع ذلك فهم لايشاركون ولا هم يحزنون لا فيما يخص شأن بلادهم ولا فيما يخص البلدان التي إستقر بهم فيها المقام وطاب! ... وقد ذكرت في تلك المقالات مجموعة من الأسباب والعوامل هي التي ساهمت في خلق هذه الحالة من هجران بل وكراهية السياسة لدى الليبيين وأجملتها في سببين أساسين .. أحدهما عام والآخر خاص .. وسأعيد هنا تجميع الأفكار الأساسية التي وردت فيها حول ظاهرة عزوف الليبيين عن المشاركة السياسية من أجل إثراء هذا الموضوع المهم وتسليط أضواء العقل والبحث عليه لفهم أسباب هذه المشكلة وهذه الظاهرة وبالتالي محاولة معرفة أسباب الحل وطرق معالجتها :

(1) السبب العام : وهو ينقسم بدوره إلى نوعين من الأسباب :

(أ) سبب أصيل ودائم وثابت : وهو سبب بشري وعالمي وفطري عام وهو أن معظم البشر وأغلبية وجماهير الناس لا يميلون بطبيعتهم في الغالب إلى ممارسة السياسة او الإهتمام بالشأن العام بل ولا يطيقون ذلك فتجد في كل المجتمعات – بما فيها المجتمعات المتقدمة سياسيا ً - أن الأقلية بالقياس إلى عدد السكان هم من يمارسون السياسة وينشطون في الشأن العام .. وهذا السبب الأساسي بالذات وهذه الطبيعة العامة هو مافات على أصحاب فكرة الديموقراطيات الشعبية التي تقتضي مشاركة كل الشعب في صنع القرارات السياسية بشكل مباشر بل والمشاركة في تنفيذها بشكل مباشر من خلال (المجالس الشعبية)(السوفيتات) بينما الديموقراطية النيابية – بحكم التجربة الواقعية - هي الأكثر واقعية وفاعلية في الواقع لأنها تأخذ في إعتبارها حقائق الواقع البشري الفعلية بعيدا ً عن الشطحات الكمالية والطموحات المثالية والنزعات الشمولية ومنها هذه الحقيقة التي ذكرناها وهي أن ( عزوف معظم الناس عن ممارسة السياسة بشكل دائم ويومي هو ظاهرة طبيعة عامة وليست شاذة ولا طارئة كما يظن البعض !) فمعظم الناس لا يريدون هذا ولا يطيقونه ولا يستطيعونه بل لابد في كل أمة وكل مجتمع قومي ووطني من (ساسة محترفين) يقومون بهذه المهمة العامة لصالح ألأمة ووفق إختيارها لهم وسنذكر هذا الأمر بالتفصيل والتدليل في مقالة خاصة نقارن فيها بين النوعين من الديمقراطية أي الديموقراطية البرلمانية التعددية النيابية والديموقراطية ألأحادية الشمولية الشعبية ! .. ثم ننظر أيهما أكثر واقعية وفاعلية في واقع البشر وأيهما أكثر إيجابية وملائمة لحقائق وطبائع الإجتماع العمراني للناس ! .

(ب) سبب طارئ ومتغير ونسبي : وهو يتعلق بحالة المزاج الشعبي العام والمرحلة التاريخية التي تمر بها الأمة والملاحظ هنا أن الجماهير الشعبية تنشط سياسيا ً في الغالب في المراحل التاريخية التي تشهد حالة من الصحوة القومية أو الوطنية أو الدينية التي تعتري الأمة في مرحلة من مراحل تاريخها !؟؟ ..... ثم يتعلق ألأمر أيضا ً بمستوى الحياة السياسية ودرجة إستقامة الساسة والنخبة السياسية ونزاهتهم في الحياة العامة فعندما يكثر فيها الفساد والفضائح المالية والجنسية والمهاترات الإستعراضية وعدم الجدية فإن معظم الناس يميلون إلى النفور من السياسة وهجران الحياة السياسية والنظر إليها وإلى الساسة والفرقاء السياسيين والحكام والقادة بعدم إحترام وبكثير من الشك والإرتياب ! .. وهناك أيضا حالة الإحباط العامة التي قد تعم الحياة العامة فعندما تمنى الأمة بعدة نكسات تاريخية وعسكرية بعد مرحلة من الطموحات الكبيرة فإن معظم أفراد الأمة - وبسبب شيوع روح الإحباط العام وخيبة الأمل - نجدهم يميلون إلى العزلة والإعتزال السياسي ولسان حالهم يقول ( ما فيش فايدة )!!؟؟ ( أيش دخلني) !!؟ ... وأنا أزعم بأن الأمة العربية - بشكل عام - تمر اليوم بحالة من الإحباط القومي الشديد وإعتزال السياسة خصوصا ً بعد إنكفاء (الحلم العربي) وسقوط أحد وربما آخر "أصنامها " و" رموزها" خلال الحقبة الماضية ( صدام حسين / البعث ) على يد الغازي الأجنبي ! .. لذلك نجد الشارع العربي اليوم شبه مهجور بينما كان هذا الشارع نفسه في حقبة الخمسينيات والستينيات أكثر حركية ونشوطية وإنفعالية وفاعلية ويموج بالكتل والجماهير الشعبية التي تهتف بصوت عال يتردد صداه في كل الوديان : ( أمجاد يا عرب أمجاد ) !! ..... ولكن اليوم وبعد فشل المشروع الوحدوي والنهضوي العربي عم الإحباط وطم خصوصا ً بعد أن إكتشفت الجماهير العربية أن قادتها الثوريين الجدد ممن علقت عليهم أمالها الكبيرة والعريضة في النهضة والوحدة والعدالة والنصر يتحولون إلى طغاة عتاة مستبدين يمارسون أقصى درجات الدكتاتورية والشمولية ويسومونها سوء العذاب ويكذبون عليها وينصبون لأبنائها المشانق في الميادين بل وفي حرم الجامعات ! .. ثم يطمحون – سرا ً أو علانية - أن يرث أبنائهم (قيادة زمام الجماهير) من بعدهم بشكل من الأشكال وتحت دعوى من الدعاوى كما حدث في جمهورية سوريا (الأسد) وكما هو واضح في جمهوريات وجماهيرات عربية مثل ليبيا ومصر واليمن من نزوع مفضوح وغير معلن لتمرير لعبة التوريث !!؟.

(2) السبب الخاص بليبيا

فضلا ً عن هذا السبب العالمي العام والسبب العربي العام فإن عزوف الليبيين عن المشاركة السياسية يتعلق بعقم وأحادية وشمولية الفكر السياسي الأحادي الرسمي المفروض بالقوة من فوق !! .. وكذلك تآكل جسر الثقة بين القمة والقاعدة بشكل شبه كامل ! .. ومرارة التجربة الثورية التي كانت على حساب حقوق الناس وكرامة المواطنين بل وعلى حساب حريتهم ورفاهيتهم ! .. بل ونتيجة الكذب الرسمي والدجل السياسي الذي مورس على الناس وملت الجماهير منه وإكتشفت زيفه وبطلانه ! .. وكثرة إخلاف الوعود المعسولة ! .. فكلها دمرت جسور الثقة بين الشعب ونظامه السياسي وقيادته السياسية وأصبحت هناك (فجوة ضخمة) – بحجم الصحراء الكبرى ! - بين الواقع السياسي الرسمي الليبي والواقع الإجتماعي الشعبي !! .. ولأضرب مثالا ً على ذلك فإنني لاحظت أن الغالبية العظمى من الليبيين في الداخل والخارج لا يصدقون أن العقيد القذافي سينجز وعده بتوزيع الثروة النفطية بشكل مباشر عليهم ( 5000 دينار شهريا ً لكل عائلة أو 1000 لكل مواطن !) فعندما بشرتهم بأنني أعتقد أن هذه المرة بالذات سيصدقهم (الأخ العقيد) لأنه مضطر إلى إنجاز وعده ولو على أساس نظرية ( مكره أخاك لا بطل !) كانت ردود معظمهم عليّ كالتالي : ( والله أنت مسكين يا رقعي ! .. عقلك مازال خضر ! .. توه بالله عليك ما زلت تصدق في زي ها الكلام ؟؟؟؟؟؟؟) .. فالهوة اليوم بين القاعدة والقمة أصبحت هائلة جدا ومن الصعب جدا جدا ترميمها وردمها ! .. وإعادة بناء جسور الثقة إن لم يكن مستحيلا ً الآن – وقد فات الأوان – فهو والله غاية في الصعوبة ومن الصعوبة بمكان ! .. ولعل القذافي نفسه يدرك ذلك ويدرك حجم "الشرخ العميق" الذي تركه في وجدان الشعب الليبي ! .. فنتائج الخطاب التعبوي الثوروي الشعاراتي طويل الأمد الذي كان يحلق بالجماهير في عنان الخيال والمثال والنصر المحتوم والمصحوب بممارسة القمع والإهمال على الأرض هي هذه ! .. هي هذه النتائج التي يحصدها النظام اليوم ! .. فمن زرع حصد ! .. ومن يزرع الشوك لابد أنه سيحصد أوانيه ! .. فقد هدم النظام بتصرفاته وسياساته ( الخيالية و الحمقاء والمتهورة والتعسفية ) كل جسور الثقة والمودة بينه وبين شعبه فكان هو في واد والشعب في واد ٍ آخر !! .. بل إنني أزعم أن رأس النظام لا يزال في (سريبه القديم والعقيم ووهمه العظيم!؟) ففي الوقت الذي يطارد فيه المواطن لقمة العيش الهنيئة وتعليم وصحة ومواصلات جيدة لأولاده كجزء من أمانيه الغالية وتطلعاته الحقيقية نجد (الأخ العقيد) و ( القائد الفريد) يطارد خارج ليبيا أوهام كبيرة وكثيرة وغريرة أخرى مثل وهم ( الولايات الإفريقية المتحدة)(!!؟؟) ووهم قيادة وإمامة أهل البيت ودولتهم الفاطمية الثانية !!!!!؟؟؟ .. ثم يريدون من الناس أن تشارك في الحياة السياسية !!؟ ...... وأخيرا ً فهناك سبب آخر وهو خاص بالحالة الليبية كسبب أساسي في هذا الركود العام والجمود السياسي والعزوف الشعبي وهو طبيعة هذا النظام الرسمي أيضا َ (نظام سلطة الشعب) فهو مع أنه يرفع شعار (الشعبية والجماهيرية) فهو في حقيقته وطبيعته يمارس أطغى وأعتى ألوان الوصاية (البابوية) على الجماهير الشعبية بإسم الشرعية الثورية ويمنع الناس من حرية التجمع والتكتل على مشروعات وبرامج سياسية وإختيار الناس أنفسهم بأنفسهم لأنفسهم قيادتهم السياسية – قيادة دولتهم الوطنية - !! .. لذلك نشاهد كل هذا الجمود السياسي وكل هذا العزوف الشعبي عن المشاركة السياسية في ليبيا ! .. بل إنني أذهب إلى القول أن سياسات وأراء وتوجهات وأمزجة العقيد القذافي – قائد النظام – المتقلبة وفرض كل أنواع القولبة الإيديولوجية على الشعب الليبي بين أممية إشتراكية وعروبة سياسية متطرفة ثم كفر بها ثم أفرقة متطرفة وفوطمة متشيعة ومتطرفة ! .... إلخ كل هذا ساهم بشكل أساسي وكبير في ضمور (الحس الوطني) لدى الأجيال مما أدى إلى شيوع روح السلبية واللامبالاة وعدم الإهتمام بالشأن الوطني العام إلى درجة تجد معها كثيرا ً من الليبيين ممن يهتمون بالشأن العربي والإسلامي العام وقضايا البلدان العربية والمسلمة ( فلسطين . العراق . لبنان . الصومال . افغانستان . الشيشان ...إلخ) أكثر بكثير جدا ً من إلتفاتهم إلى مشكلة بلادهم والشأن الليبي الوطني الخاص وهذا ما لمسته بنفسي في كثير من الليبيين المقيمين في المهجر (!!؟؟؟) .. كذلك أدى ضمور الحس الوطني بشكل كبير في شيوع الفساد في كل أرجاء البلاد ! .. فضلا ً عن أن مشروع (الدولة الوطنية الليبية) لم يستوفي البناء أصلا ً فهو ما إن قام وبدأت معالم النهوض فيه تظهر رويدا ً رويدا ً عقب الإستقلال حتى إجتاحات المنطقة موجة الإنقلابات العسكرية القومية العروبية الثوروية الإشتراكية المعادية أصلا ً لمشروع الدولة القطرية الوطنية وإعتبارها من صناعة الإستعمار !!!؟؟؟ .. ثم ختاما ً هناك حقيقة مهمة يجب الإنتباه إليها وهي أن القهر السياسي وكذلك القهر الإقتصادي هما ألد أعداء الروح الوطنية بل هما من أهم العوامل التي تدفع بالكثير من أفراد المجتمع إلى الإنسحاب والعزلة وكراهية السياسة و ...... الكفر بالوطن !!؟؟؟.

سليم نصر الرقعي
elragihe2007@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home