Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi

Sunday, 8 January, 2006

الديمقراطـية : هل هي حكم الجماهـير أم حق التعـبير؟(*)
ـ دراسه تحليلية موجزة ـ

سليم نصر الرقعي

إن معاني المصطلحات ـ وخصوصاً في الفكر السياسي ـ ليست ثابته وجامده بشكل أبدي ولذلك وحينما نتحدث عن مصطلح الديمقراطيه اليوم فلا نعني بها الديموقراطيه بالمعنى البدائي القديم الأول الذي تردد في عهد (أثينا) الإغريقيه!(1).. صحيح أن هناك معنى أساسي وأولي لكل كلمه وكل مصطلح يبقى هو الأصل اللغوي على الدوام ولكن بلا شك أن الكلمات والمصطلحات من خلال تجارب البشر والمجتمعات تكتسب المزيد من المعاني المتطوره والمفاهيم الجديده من خلال الممارسه العمليه والتجريب وتراكم الخبرات فمثلا ً قد أضيف لمصطلح الديموقراطيه(2) من خلال تجارب وخبرات القرون مفاهيم جديده فهي اليوم لم تعد تعني فقط ذلك المفهوم البدائي الأساسي الأول القديم والذي مفاده (حكم الشعب أو حكم العوام وحكم الجمهور والأغلبيه) بل فضلاً عن هذا المعنى أضيف إليها مفاهيم أخرى مهمه وأساسيه لا يمكن فصلها عن المعنى الأساسي لها بل إن هذه المفاهيم الإضافيه المكتسبه بالخبرات الأمميه المتراكمه أصبحت جزءاً لايتجزأ من مفهوم الديموقراطيه.. فالديموقراطيه بمفاهيمها الحديثه لا تعني فقط مجرد (حكم الأغلبيه بشكل مطلق) بل أصبحت هناك حدود ومبادئ أساسيه يجب على الأغلبيه في أي جيل من أجيال الأمه الإلتزام بها وعدم تجاوزها وإلا وقعت في الظلم والجور وهو ما يتناقض أصلا ً مع المقصد الأساسي للديموقراطيه وهو العداله.. فالعدل فوق الديموقراطيه!.
ومن ثم أصبحت الديموقراطيه تعني : (حكم الأغلبيه مع حق الأقليه في المعارضه.. حكم الأغلبيه مع إحترام حقوق الإنسان.. حكم الأغلبيه مع إحترام حقوق الأقليات والأفراد وعدم التعدي على حقوقهم وحرياتهم الأساسيه.)

فقد عرفت الأمم ومن خلال تجاربها المريره والطويله إن إعطاء الأغلبيه حاكمية مطلقه بلا حدود يفضي في نهاية المطاف إلى الظلم والفوضى وهو ما يخالف مقاصد الديموقراطيه وعلى رأسها العدالة والحريه وكرامة الإنسان وتحقيق السلام الإجتماعي.. كما أنها ـ أي الحاكميه المطلقه للجماهير ـ قد تفضي في بعض الحالات والأوقات ـ وخاصة في أوقات الأزمات والنكسات ـ إلى قيام نظام جماعي (ديموغاجي) جماهيري سرعان ما يتحول بشكل حتمي إلى نظام سلطوي شمولي يحكمه في الواقع حزب واحد وقائد جماهيري واحد سرعان ما يتحول إلى طاغية مستبد ومعصوم وغير قابل للنقد والمعارضه يذيق شعبه وجماهيره أشد الوان العذاب والمهانه!!.. وكل النظم التي بدأت بداية جماهيريه إنتهى معظمها إلى نظم شموليه ديكتاتوريه تسبح بحمد زعيمها الأوحد بكرة وعشيا كما رأينا في حالة روسيا إستالين الشيوعيه.. وألمانيا هتلر النازيه.. وإيطاليا موسوليني الفاشيه.. وكوبا كاسترو الإشتراكيه.. ومصر عبد الناصر الإشتراكيه.. وليبيا القذافي الجماهيريه... إلخ.. سواء أكانت هذه البدايه الجماهيريه ولدت عقب إنقلاب عسكري أو حتى إنتخاب شعبي!.

فلنفكر معاً في هذه الأسئله: ماذا لو قررت الجماهير الشعبيه (الصربيه مثلاً) بالأغلبيه إتباع سياسة عنصريه للتطهير العرقي ضد الأعراق الأخرى غير الصربيه؟؟.. ماذا لو قررت الجماهير الشعبيه في بلد ما بدافع التعصب الديني هدم معابد أقلية دينيه؟!.. ماذا لو قررت الأغلبيه مصادرة حق الملكيه الفرديه مثلاً أو حق حرية التعبير؟... ماذا لو قررت الأغلبيه الثقافيه حرمان الأقليه الثقافيه من التحدث بلغتها وتسمية أولادها بأسماء مأخوذة من هذه الثقافه ومن تاريخها الخاص(3)؟.. هل من العدل والحكمه والرشاد الإنسياق دائماً وراء عواطف الأغلبيه وحماسة الجماهير؟؟.. هذه الجماهير التي كثيرا ُ ما وقعت ـ بسبب عواطفها القوميه أو الوطنيه أو الدينيه الثائره ـ وبسبب غرائزها البدائيه ـ وفي لحظة نزق أو لحظة حيره! ـ في فخاخ وقبضة القادة الطغاة الشموليين والدجاجلة المحتالين فيكون ثمن هذا الأمر الحروب التوسعيه العدوانيه والمآسي الإنسانيه والإنتهاكات البشعه الرهيبه لحقوق الإنسان ثمناً باهضاً لا تدفعه جماهير الجيل الذي إنتخب وبايع وصفق لهؤلاء القادة والزعماء وحسب بل ربما تتورط في دفع فاتورة حساب المعاناة والمأساة أجيال لاحقه لم تبايع ولم تنتخب هؤلاء القادة ولا إختارت هكذا نظام!!.. فهل إعطاء الأغلبيه حقاً مطلقاً في الإختيار والقرار بلا حدود ولا قيود يحقق العداله ويحقق مصلحة البلاد والعباد ومصلحة الأمه بل ومصلحة هذه الجماهير ذاتها في الزمن الحاضر وعلى المدى البعيد؟؟... وفي المقابل فإن الإجابة بالنفي قد تتحول إلى ذريعة لإهدار حق وإرادة الأغلبيه في الإختيار ولممارسة نوع من الوصايه النخبويه ـ الثورويه أو الإرستوقراطيه أو الثيوقراطيه أو البيروقراطيه أو التكنوقراطيه ـ على الشعب وعلى جماهير المواطنين!!.. فما هو الحل؟

الحل يكمن في الدستور!

فإن الديموقراطيه السليمه لابد أن تكون دستوريه.. فلا ديموقراطيه بلا دستور.. أي أن يكون الجميع (الأغلبيه والأقليه والقاده والمقادون والحكام والمحكمون على السواء) خاضعين لمبادئ وقواعد عليا ساميه تمثل القانون الأعلى السامي الذي يحكم سلوك الدوله والمجتمع والجماهير والجماعات والأفراد جميعاً.. هذا القانون الأساسي الأعلى هو الدستور ولابد أن يكون هذا الدستور قائماً على حماية وصيانة حقوق الأنسان والمواطن.. حقوق الأفراد.. حقوق الأقليات السياسيه والعرقيه والدينيه والثقافيه.. وحقوق الفئات والأطراف الضعيفه في المجتمع (المرأة والأطفال والفقراء والغرباء والعجزه)!.. بدون هذه الحدود الدستوريه والقيود العقلانيه وهذه الحقوق الإنسانيه العادله التي أقرتها كل الشرائع الدينيه والإنسانيه فإن الديموقراطيه الجماهيريه الشعبيه التي يكون فيها للإغلبيه سلطان مطلق بلا حدود(!) قد تتحول في نهاية المطاف ـ وفي لحظة حماسة الجماهير أو لحظة غفلتها أو حيرتها أو لحظة فوضى فكريه أو سياسيه! ـ إلى نظام طغياني وعدواني داخلياً وخارجياً وتتحول إلى سيف أهوج في يد زعيم أوحد يريد أن يكون معبوداً للجماهير!.. كما في حالة ألمانيا النازيه وإيطاليا الفاشيه وروسيا الشيوعيه والصين الشعبيه وليبيا الجماهيريه!.. فمبادئ وقواعد الدستور الأساسيه والخالده(4) يجب أن تكون أعلى حتى من إرادة الجمهور!.. فهذه المبادئ والقواعد الدستوريه لاتمثل هذا الجيل أو ذاك ولا هذا الجمهور ولا ذاك من الأمه بل تمثل روح الأمه ككل بكل أجيالها الماضيه والحاضره والقادمه.. بل هي تمثل روح الكرامة البشريه.. تمثل روح العدل و قواعد القسط العليا والخالده.. تمثل إرادة الله العادل والرحيم ومقاصد شريعته الخالده.. هذه المقاصد العليا التي جوهرها القسط أي العدل.. هذا القسط الذي ما أنزلت الكتب السماويه وما أرسلت الرسل النبويه إلا للدعوة إليه وإقراره وتثبيته في الأرض (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط!)(5) فالعدل هو أساس الملك و(الله تعالى ينصر دولة العدل ولو كانت كافره ويخذل دولة الظلم ولو كانت مسلمه)(6) فالعدل يجب أن يكون هو الأساس في كل الدساتير.. فالناس هم الناس والبشر هم البشر والإنسان هو الإنسان في كل زمان وكل مكان ومن ثم يجب أن يكون الناس في نظر القانون وأمام القضاء سواسيه كأسنان المشط.. ثم يمكن بعد هذا الأساس الإنساني العام الذي يساوي بين الناس في الحقوق الإنسانيه ويقرر ويثبت إحترام الكرامة الآدميه وحقوق وخصوصيات الإنسان بما هو آدمي وإنسان وفرد يمكن ـ بعد هذا الأساس الإنساني العالمي العام ـ أن تؤكد كل أمه في دساتيرها على خصوصياتها وعلى المعاني العليا الخاصه بها والتي تؤمن بها وتعتبرها من مقوماتها وثوابتها الخالده والتي لا يُعقل أبداً أن تتناقض مع آدمية الإنسان وكرامة الإنسان وحرمة الإنسان التي لايمكن المساس بها إلا بالحق(7)!!.. ومن ثم لا يمكن عندئذ حتى للأغلبيه والجماهير الشعبيه المساس بكرامة وحقوق الأقليه أو حتى كرامة وحقوق إنسان فرد واحد ولو بحجة الديمقراطيه والكثرة والغلبه العدديه!.

سليـم نصر الرقعـي
4\1\2005م
ssshamekh@hotmail.com
_______________________________________________

(*) أرجو أن لايفهم أحد من هذا العنوان أنني أقصد بحكم الجماهير هذه المسرحيه الهزليه الممله التي تحدث في ليبيا اليوم فما يجري هناك لا يصح واقعياً ومنطقياً بل وعلمياً تسميته بحكم الجماهير!.. أولاً لغياب جماهير الشعب الليبي (الأغلبيه) عن حضور جلسات المؤتمرات فضلاً عن عدم مشاركة أغلبية الحضور في مايجري من مناقشات إلا برفع الأيدي للموافقه المستمره (!!).. وثانياً لغياب حرية التعبير في هذه المؤتمرات (الشعبويه!) والأدله على هذا الغياب أكثر من كثير!.. وكيف للناس أن تقرر بكل إرادتها الحره إذا لم تتمكن أولاً من أن تعبر عن أرائها ومشاعرها بكل حرية وأمان داخل المؤتمرات وخارجها على السواء؟؟!.. فهذه المسرحيه الهزليه لا يمكنها أن تتحول بالفعل إلى نوع من أنواع الحكم الشعبي المباشر إلا في حالة واحده فقط وهي : (تنحي العقيد القذافي بالكامل عن كافة صلاحياته الثوريه والأمنيه والسياسيه والعسكريه أولاً وإلغاء حركة اللجان الثوريه ثانياً وأن يتم إنتخاب وتصعيد اللجنه الشعبيه العامه من قبل الشعب ثالثاً (وحتى إذا حدث هذا ـ بالفعل وبصدق ـ فإن النتيجه الحتميه ستكون هي الفوضى العارمه والصراعات الشلليه والقبليه للسيطره على مراكز صناعة القرارات المحليه والوطنيه ومراكز إدارة الدوله والتصرف في الثروه مما يدفع بالجماهير الخائفه ـ وتحت مشاعر الخوف والرغبه في العودة للنظام والأمن والسلام ـ أن تسلم قيادها لقيادة أي زعيم فرد قوي (دكتاتور) يحقق لها هذا المطلب الشعبي الملح!.. أو تتمكن القوى العاقله والراشده في المجتمع إلى الوصول إلى إتفاق إجتماعي وميثاق عام يتم وفقه تنظيم عملية التنافس الطبيعي في المجتمع بين الأفراد والجماعات والأقوياء على السلطه بطريقة حضاريه وسلميه عقلانيه وعادله ومُقـننه تقي المجتمع شر الصراعات الدمويه من جهة وشر الدكتاتوريه من جهة ثانيه وهي الطريقه السلميه والآليه الحضاريه التي توصل إليها الغرب ـ بالتفكير الرشيد والمعاناة المريره ـ والمعروفه بالديموقراطيه التعدديه الدستوريه.. الأمر الذي تنبأ به الكتاب الأخضر نفسه(!!) في نهاية الفصل الأول وهو سيكون موضوع مقالة قادمه بشئ من التدليل والتفصيل إن شاء الله.

(1) يفرق الكثير من الباحثين في تاريخ الفكر السياسي بين نوعين من مفاهيم الحريه الأول: (حرية القدماء/ الديموقراطيه) التي كانوا يركزون فيها على قضية حرية الإراده الشعبيه أي حرية جماهير الشعب ككل من تسلط الأفراد والأقليه .. والثاني: (حرية الحدثاء/ الليبراليه) التي كانوا يركزون فيها على حرية الأفراد الشخصيه وإستقلالهم في الرأي والمال عن الدوله.. وبالمزج بين المفهومين للحريه (القديم والحديث) نشأت الديموقراطيه الليبراليه التي تجمع بين المفهومين.

(2) كلمة (ديموقراطيه) ـ بهذه الصيغه ـ هي لفظة عربيه.. وأخطأ من أنكر أنها كذلك!.. فهي قد تم أخذها من أصل أعجمي ونحتها وصياغتها والتصرف فيها لتكون على هيئة الألفاظ العربيه تماما ً ككلمات عربيه مستحدثه كثيره مثل (دكتاتوريه) أو (تلفزيون أو تلفاز ) و(ماكينه) و(إرستقراطيه) فكلها كلمات أعجميه تم تعريبها لا بواسطة الترجمه إلى المعنى كما في حالة (الهاتف) و(الحاسوب) و(الحافله) بل بواسطة التصرف في هيئتها أي ما يُعرف في علوم اللغة العربيه بـ(النحت) وهو أحد أساليب التعريب المعروفه عند العرب ككلمة (صولجان) و(سندس) و(الزبرجد) و(المرجان) فهي كلمة أعجميه إستعارها العرب ونحتوها وفق أساليب لسانهم.

(3) كان المسلمون في يوغسلافيا (الثوريه الشيوعيه) ممنوعين من تسمية أولادهم بالأسماء العربيه الإسلاميه بأمر من الدوله(!!) فكان للواحد منهم أسمان أسم (صربي) رسمي يمشي به في الشارع وأسم آخر (عربي) يعيش به في البيت(!!) كما أخبرني أحدهم حينما كنت في زيارة لبلغراد أيام النظام الشعبي الإشتراكي.. وهو الحال نفسه الذي يعاني منه بعض إخواننا في الدين والوطن الأمازيغ الليبيين (البربر) في دولة (الأخ العقيد!) دولة الجماهير.. دولة كل الناس الولاية الإفريقيه الأم!!؟؟.

(4) أعتقد أن كل دستور حقيقي ناجح ومحترم سواء أكان مكتوباً في سطور أو معروفاً ومحفوظاً في الصدور (العرف السياسي للأمه) ينبغي أن يتضمن جزئين: جزء أساسي خالد ودائم وثابت يتمثل في القيم والأحكام الساميه الصالحه لكل زمان ومكان أو التي يراد لها الخلود والثبات في كل أجيال الأمه لأنها تمثل من جهة القيم الإنسانيه الساميه التي تؤكد على كرامة الإنسان ومن جهة أخرى تؤكد على ماهو أساسي وثابت في الشخصيه القوميه للأمه.. أما الجزء الثاني فهو مرن لأنه يتعلق ببعض الإجراءات والوسائل والمؤسسات التي قد يحتاج جيل من أجيال الأمه في المستقبل لتغييرها أو تحويرها أو تطويرها.

(5) سورة الحديد : 25

(6) روى إبن تيميه عن أحد مشايخه الكبار هذه المقوله

(7) المقصود بقولي : (... وحرمة الإنسان التي لايمكن المساس بها إلا بالحق) هو أن الأصل في الإنسان مهما كان شكله ولونه وعرقه ودينه أنه (محترم لأدميته) و(وحرام المساس به جسدياً أو معنوياً أو المساس بكرامته أو حريته أو ملكيته) ولكن من المعروف ومن العدل أيضاً أنه إذا إعتدى هو على حقوق الغير الماديه أو المعنويه فإن العدل عندئذ يقتضى المساس بحرمة حريته وحركته كما في حكم السجن أو حرمة جسده وحياته كما في حكم الإعدام أو حرمة ماله وملكيته كما في حكم الغرامات ومصادرة الأموال التي إكتسبها بطرق غير مشروعه كالدعاره وبيع المخدرات!.

المراجع والمصادر :
(1) كتاب (ماهي الديموقراطيه؟)، ألان تورين
(2) كتاب (أسس التوتاليتاريه)، حنه أرندت
(3) كتاب (عن الديموقراطيه.. قضايا ومشاكل)، د. حازم البيلاوي
(4) الكتاب الأخضر، بقلم معمر القذافي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home