Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


سليم نصر الرقعي

الأحد 6 يوليو 2008

أنتم من إعـتدى عـلى محرابي أولاً!؟
- ثورة المثقف -

سليم نصر الرقعـي

قد يستغرب بعض القراء حينما سأكتب في مقبل الأيام – إذا كان في العمر بقية – موضوعات غير سياسية تتحدث عن الأمور العاطفية والفلسفية والإنسانية والأدبية والروحية بشكل عام بل وعن الشاعرية والرومانسية ويقولون ما علاقة هذا (المعارض السياسي) أو (الكاتب السياسي) بفلسفة النفس أو عواطف الحب والغرام أو الفن أو الأدب أو العوالم الغيبية والقوى الخفيه !!؟ ... ويتناسون بأنني في بعض مقالاتي صرحت – غير مره – أنني لست سوى مثقف ليبي عادي تورط في السياسة بحكم الواقع أو حكم الضرورة أو حكم الواجب كحال ذاك الرجل الوديع المسالم الذي يتورط في مشاجرة عنيفة بلا سبق إصرار ولا ترصد مع لص مسلح إقتحم عليه – فجأة وعلى حين غره - داره في الظلام والناس نيام وإعتدى على حرماته !! .. فوجد نفسه فجأة يخوض معركة عنيفة ومخيفة دفاعا ً عن هذه الحرمات !! .. إنها ورطة ! .. نعم .. ورطة لم تكن في الحسبان ولكن لا مفر منها فالضرورة والواقع والواجب والقدر المقدور وضعه - رغم وداعته ومسالمته - في أتون المعركة .. معركة الحياة او الموت .. معركة الشرف .. معركة الكرامة .. ولا مفر !.

***

كيف ؟ .. وأنا ذلك الإنسان المخلوق الذي جعله الله يولد حرا ً ؟ .. كيف ؟؟؟ وخالقي المنعم أنعم على بعد نعمة الحياة ونعمة العقل بنعمة الحرية وترك لي حرية القرار والإختيار بين أن أعبده وأشكره بمحض إرادتي وإختياري أو أدير له ظهري وأكفر به وهو ربي الذي خلقني ورب الكون بل وهو من يرزقني ليل نهار !؟ .. ثم يبقى علىّ أن أتحمل – بعد ذلك – مسؤوليتي عن قراري الشخصي وأدفع ثمن ونتيجة هذا الإختيار فكيف أرضى بأن أكون عبدا ً لغيره من العبيد !!؟؟ .. كيف !!!؟؟؟؟ .

***

لقد كنت هناك في غرفتي أتصفح أمهات الكتب في القصص والمسرحيات العربية والعالمية وكتب الفلسفة وتبسيط العلوم وأستمتع ببهجة المعرفة والإكتشاف وأتذوق الأشعار النبيلة والرسومات الرائعة الجميلة ولكن فجأة – وعلى حين غرة – إقتحم هذا النظام السياسي الشمولي الحديدي ببزته العسكرية وحذاءه العسكري الملطخ بدماء الضحايا الذين داسهم بقدميه بكل قسوة ووحشية وإستكبار بدعوى الثورة عالمي الخاص!.. إقتحم حرم شخصي وحرم داري وحرم حريتي وإختياري ! .. إقتحم خصوصياتي وفرديتي وإنتهك حرماتي! .. كمم فمي ومزق كتبي وقصصي وقصصات ورقي وكسر قلمي بدعوى الثورة الثقافية وتحت شعار أن الثورة عملية هدم وبناء!.. هدم الإنسان الليبي الرجعي البالي المتخلف القديم وبناء إنسان ليبي نموذجي جديد حر وسعيد بفعل الثورة ووفق مواصفات وتعليمات (الأخ العقيد) و(المفكر الملهم الفريد)!!؟؟.. كبلني بالقيود والأصفاد بإسم الحضانة الثورية مدعياً أن ذلك في مصلحتى كي لا أتحول إلى (كلب ضال) ينبح في وجه سيد المزرعة الجديد وقايد الثكـنة الملهم الوحيد (الأخ العقيد)!!؟؟.. وجدت نفسي عبدا ً للدولة وجنديا ً مسوقا ً غصبا ً عنه كالأنعام وفق قوانين الثكنة العسكرية وتعليمات وتوجيهات الآمر الأعلى لهذه الثكنة الجماهيرية !!.. وسمعته يقول بكل غطرسة وطغيان: (سأجركم إلى الجنة بالسلاسل غصبا ً عنكم)!! .. ووجدت نفسي مجرورا ً بالفعل غصبا ً عني ولكن ليس نحو الجنة والنعيم بل نحو الهاوية والجحيم !! .. وسمعته يقول بكل غطرسة وطغيان : ( سأعدم حتى الأبرياء أحيانا ً من أجل إرهاب الجاني الحقيقي غير المعلوم لدي في تلك اللحظة )!!؟؟ .. ورأيته بالفعل يقتل الأبرياء ولا يبالي !! .. لا لشئ إلا من أجل بث الرعب وتعميم الإرهاب في كل أنحاء البلاد !! ......

لقد رأيت البؤس يخيم فوق سماء وطني .. ورأيت الخوف إلى حد الذعر والوسوسة يستشري في أنحاء بلادي في كل مكان !! .. رأيته مرسوما ً على وجوه من حولي ! .. رأيت أعواد المشانق منصوبة هناك وسط حرم الجامعات في بلادي بل ووسط المدارس الإعدادية والثانوية حيث مجموعة من المدرسين ممن تلقيت على يديهم العلم كالأستاذ (نمر) والأستاذ (بديع) وهم يتدلون من على أعواد المشانق التي نصبت وسط المدرسة في إجدابيا والتلاميذ شهود !!!؟ .. رأيت الفقر والحرمان والبيوت الرطبة الضيقة وغير الصحية!! .. رأيت أبناء شعبي يقفون في طوابير طويلة ومملة أو يتزاحمون أمام (الجمعيات الإستهلاكية) من أجل الحصول على (طبق بيض) أو (علبة تن) أو (كيلو موز) كما تتزاحم الخرفان والحمير حول الكلأ والماء عند الغدير!!.. بينما (الأخ العقيد) وأفراد عائلته وأفراد حاشيته وقطط الثورة السمان يتسوقون في أسواق أوروبا وإيطاليا وفي كل مكان ويتنعمون بخيرات ليبيا من دون هذه الجماهير الغفيرة البائسة التي تتزاحم أمام الجمعيات الإستهلاكية في بلد يموج بالنفط ولا يزيد تعداد سكانه عن ستة ملايين نسمة من البشر!!...

رأيت كل ذلك!!.. ورأيت الحزن والبؤس مرسوما ً على وجوه رجال وسيدات أكارم أغتصب (الأخ العقيد!؟) أملاكهم بغير وجه حق تحت دعوى تطبيق الإشتراكية وتحقيق العدالة الإجتماعية !! .. ومن هؤلاء الضحايا (المُعتدى عليهم) أقرب المقربين إلي ّ!!.. أمي .. والدتي – رحمها الله – وقد إغتصبت (الثورة) بقوة الدولة (الطابق الأرضي) من بيتها في (إجدابيا) تحت شعار (البيت لساكنه) وكان ساكنه يومها ومستأجره (أسرة هندية) !!؟؟ .. هذا (البيت) الذي بنته والدتي - عندما كنت أنا في المرحلة الإعدادية - بعرق الجبين وكد اليدين !! .. وهي تلك المعلمة – مربية الأجيال - من الرعيل الأول من المعلمات الليبيات !! .. يا لها من مكافأة قدمتها إليها الثورة !!؟؟ .. وهي من أرسلت برقية ترحيب بالإنقلابيين الجدد منذ الأسبوع الأول للإنقلاب !!!؟؟... رأيتها حزينة كسيرة وكئيبة وسمعتها تئن من الحزن والغيظ أناء الليل وأطراف النهار وهي تقول في إستغراب وإستنكار : ( بيتي !! .. كيف يغتصبون مني ملكي بالقوة !؟) .. وتشتكي لله الواحد القهار !! .. رأيتها هناك شاحبة الوجه كسيفة البال وقد أصيبت بإرتفاع ضغط الدم والسكري وأصبحت منذ تلك الحادثة مكتئبة مذهولة عصبية المزاج !! ....

نعم ! .. رأيت ذاك بل وعشته لحظة بلحظة وليلة بليلة بنفسي وبقلبي وبعقلي!!.. ورأيت أيضاً الحزن والبؤس على وجوه الأباء والأمهات الذين فقدوا فلذات أكبادهم في تشاد وأوغندا ! .. رأيت نظراتهم الحزينة والكسيرة بل وسمعت أهاتهم المكتومة المريرة!!.. ورأيت أيضاً- وبأم عيني - ومن وراء الستار - في ظلام الليل في (مستشفى إمعيتيقه) بطرابلس رجل أمن ليبي وبرفقته رجل أجنبي يحمل ملامح أوروبية شرقية وهما يلجان في الليل غرفة ضابط شاب سجين في غرفة خاصة في ذلك المستشفى ثم رأيت ذلك الأجنبي يحقن ذلك السجين المريض بحقنة في يده وإذا بالمسكين يأخذ في التخبط فوق السرير بشكل عنيف لبعض دقائق ثم يتحول إلى جثة هامدة!!.. ثم ليأتي بعد قليل بعض الرجال ليحملوا الجثمان إلى مكان مجهول!!.. أجل - أيها السادة والسيدات - رأيت ذلك بأم عيني عام 1987 عندما كنت نزيلا ً في (مستشفى قاعدة معيتيقة) في تلك الأيام الرهيبه وفي ذلك العام الكئيب!!... ورأيت أيضا ً الحزن والبؤس مغروساً في وجوه ألوف الأطفال اليتامى الذين أصدر (الأخ العقيد!؟) الأمر بذبح أبائهم جملة ً واحدة – وبدم بارد - في مذبحة (بوسليم بطرابلس) عام 1996 بلا رحمه ولا محكمه ليحرمهم بفعلته الشنيعة هذه من الإستمتاع بقولهم (أبي!) أو من الإرتماء على صدر هذا الأب العطوف الرحيم!!؟؟.. ورأيت الحزن والبؤس مرسوماً في عيون ووجوه زوجاتهم اللواتي ترملن وهن في عز الشباب ومنهن من كن في عز الحياة الزوجية!!..

رأيت ورأيت ورأيت وسمعت وسمعت وسمعت !! .. مشاهد وحوادث وأخبار مفجعة ومخيفة ومحزنة تعتصر القلوب بل تدميها وتستنهض همم وثورة الرجال وتستدعيها ! .. رأيت كل ذاك بعيني وسمعت كل ذاك بنفسي وعايشت كل ذلك بقلبي وعقلي ! .. فكيف لي - بربكم - أن ألتزم الصمت أو ألتزم الهدوء !!؟؟ .. بل كيف يطيب لي - بعد ذلك كله – طعاما ً أو مناما ً حتى تعود الإبتسامة إلى تلك الوجوه الشاحبة الحائرة والمسكينة وتعود الراحة والسكينة إلى تلك القلوب الثائرة والحزينه وتفارق بلادي سنين الحداد !!.

سليم نصر الرقعي
كاتب ليبي يكتب من المنفى الإضطراري
elragihe2007@yahoo.co.uk
http://elragihe2007.maktoobblog.com

________________________________________________

ملاحظة ضرورية : قد يستنتج البعض من مقالتي هذه أنني لا أريد بمعارضتي للقذافي ونظامه سوى الثأر والأنتقام لشخصي أو لأمي أو لأبناء وطني ! .. ومع أنني لست ضد الثأر والإنتقام - من حيث المبدأ - كحقيقة وطبيعة بشرية قد لاتستقيم الحياة بدونها ! .. هذه الحياة التي لا يصلح حالها بالمحبة والتسامح والوداعة فقط - ويا ليت ذلك ممكنا ً ولكن البشر هم البشر حتى يرث الله الأرض ! – أقول ومع ذلك فلست ممن يدعو إلى الثأر ويطلب الإنتقام والتشفي بل نحن نريد العدالة .. ونريد الحقيقة .. ونريد من الجاني المجرم والمسيئ أن يعترف بجريمته وإساءته أولا ً بدون لف أو دوران وأن يعتذر بشكل صريح لمن إعتدى عليهم بكل صدق وإخلاص ليمكن بعد ذلك – وبعد ذلك فقط – الحديث عن التسامح وبناء السلام الإجتماعي على أساس عادل وصحيح !


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home