Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

الثلاثاء 6 يوليو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

سلطة الشعب! .. وُلدت مُعاقة بل ميته (2)

- إجابة عن السؤال القائل : هل العيب في النظرية أم في التطبيق؟ -

سليم نصر الرقعـي

ذكرنا في الحلقة الأولى من هذه المقالة إحدى تلك الأوهام الكبيرة والمنطلقات والإفتراضات الخاطئة التي قامت عليها ما يُسمى بنظرية "السلطة الشعبية المباشرة" وهي إعتقاد أنصار كل "النظريات الشعبوية" وأعداء "الديموقراطية البرلمانية" أن الشعوب تطمح وترغب وتريد ممارسة أعمال سيادتها وسلطات دولتها بنفسها وبشكل مباشر بدون نيابة ولا تمثيل مثل سلطة التشريع أو التنفيذ أو القضاء أو حتى قيادة الدولة!.. وذكرنا أننا بإستقراء التاريخ والواقع الحقيقي نجد الشعوب لا تطالب بهذا الأمر أي لا تطالب بحقها في ممارسة سلطة التشريع بنفسها بشكل مباشر من خلال "مجالس شعبية عامة" يجتمع فيها كل الشعب بشكل مباشر بل التاريخ والواقع يخبراننا أن "الشعب" - أي شعب – إنما يريد  "حكومات وقيادات وإدارات" جيدة وراشدة تدير شئون حياته وموارده العامة بشكل عادل ونظيف وفعال ووفق الرغبات والتطلعات الشعبية العامة وبما يحقق الأمن والرفاهية للمجتمع .. ويريد "الشعب" أيضا ً– أي شعب - أن يكون له حق إختيار هذه القيادات أو الحكومات من بين عدة خيارات وحق مراقبتها ومعارضتها ومحاسبتها بل وحق عزلها وتنحيتها إذا فشلت أو إرتكبت أخطاء فاحشة أضرت بمصالح الشعب!.. فهذا ماتريده الشعوب فيما يتعلق بشئون الحكم والسياسة والإدارة ولم نجد شعبا ً واحدا ً يثور أو يخرج للشوارع ليقول للعالم : أنا أريد أن أحكم نفسي بنفسي بشكل مباشر ولا أريد حكومة أو قيادة تتولى شئون الحكم والإدارة بالنيابة عني! . 

و ذكرنا في الحلقة الأولى من هذه المقالة أيضا ً أن "نظرية السلطة الشعبية" الإفتراضية كما جاءت في نص الكتاب الأخضر ترفض فكرة ومبدأ " التجزأة والفصل بين السلطات" فالسلطات كلها موحدة ومركزة في سلطة واحدة شاملة وكاملة ومطلقه بيد الشعب يمارسها من خلال مؤتمرات شعبية أساسية في كل مكان من الدولة تتولى أمر التشريع العام بشكل مباشر يقصدها كل المواطنين لسن القوانين ورسم السياسة العامة للدولة بلا رقيب ولا حسيب ثم يكون شأن التنفيذ من خلال آلية "لجان شعبية" تنفذ قرارات وسياسات الشعب! .. هذا كل شئ ! ... وبالتالي فحسب نص النظرية فلا وجود لغير هذه المؤسستيين لممارسة سلطة الشعب .. فالمؤتمرات الشعبية تقرر واللجان الشعبية تنفذ بلا شريك ولا نيابة ولا وصاية ولا رقابة من أية جهة ثالثة ! . 

هذا من ناحية التنظير الفكري أما من ناحية التطبيق العملي فقد وجدنا واقع التجربة في "جماهيرية القذافي" مختلف جدا ً فالمؤتمرات الشعبية الأساسية لم تكن في الواقع العملي وكما هو يـُفترض حرة ً طليقة على حريتها وسجيتها بشكل مطلق بل وجدنا أنها تخضع لرقابة "الأجهزة الأمنية" ولرقابة حركة "بوليسياية"  تدعى "حركة اللجان الثورية"  والتي لا يُوجد لها ذكر في نص النظريه !! .. وفوق هذا وجدنا هذه "المؤتمرات الشعبية الأساسية" تخضع في الواقع الفعلي لسيطرة ونفوذ ووصاية وترشيد ووتوجيه "قيادة ثورية" مطلقه ومقدسة بحكم ما يُسمى بـ"الشرعية الثورية" حيث تمت صياغة وثيقة دستورية بهذا الإسم تلزم "الشعب السيد نفسه؟" بطاعة توجيهات وترشيدات وتعليمات "القائد الملهم المعلم المرشد الفريد" !!!!!.. هذا القايد الضرورة - قايد الثوره - الذي – بحكم الشرعية الثوريه – لا يخضع لأية جهة رقابية أو حسابيه فهو مصان غير مسؤول إلا أمام "ضميره الثوري!؟" فقط  حسب نص وثيقة الشرعية الثورية سيئة الذكر "إياها"! .. فالقائد الملهم والمعلم – إذن – في هذا النظام الجماهيري البديع مصان غير مسؤول بل هو مقدس وخط  أحمر!!! .. مصان وغير مسؤول وخط أحمر مقدس مثله مثل الله تعالى  والنبي صلى الله عليه وسلم!! .. مصان غير مسؤول  بالرغم من كل "الصلاحيات والسلطات السياسية الفعلية الواسعة والمطلقه " التي يتمتع بها في الشأن العام والرأي العام  والمال العام وتوجهات الدولة الليبية بلا رقيب ولا حسيب ! .. وهي صلاحيات وسلطات لا يتمتع بخمسها رئيس أكبر دولة في العالم أي الولايات المتحدة الإمريكية ولا تتمتع  بعشرها ملكة بريطانيا العظمى!!. 

إذن فالسؤال الكبير الذي سيطرح نفسه هنا هو كالتالي : لماذا لم يُطبق العقيد القذافي "نظرية سلطة الشعب" كما جاءت  حرفيا ً في الكتاب الأخضر ولماذا عمد إلى إدخال هذين الجسمين الغريبين - جسم القيادة الضرورية وجسم اللجان الثورية- على كيان تجربة الديموقراطية الشعبية المباشرة على الرغم  من عدم ذكرهما في نص النظرية!!؟؟....... 

الجواب كما يلي : لم يطبق معمر القذافي تجربة سلطة الشعب بشكل حرفي كما في نص النظرية لأنه كان يخشى أن تخرج هذه المؤتمرات الأساسية والملتقيات الشعبية إذا ما تـُركت بالفعل على حريتها وإستقلاليتها وسجيتها عن نطاق قبضته السياسية وعن نطاق السيطرة الأمنية وقد تتحول إلى أداة جماهيرية منظمة تحد من صلاحياته السلطوية وتعيق تطلعاته الشخصيه وأحلامه وطموحاته الفرديه بل ولربما تحولت إلى أداة شعبوية جماهيرية منظمة لإدانته أو تنحيته عن قيادة الدولة! .. لهذا إخترع العقيد القذافي – في وقت مبكر من عمر هذه التجربة! - حركة وتنظيم اللجان الثورية كأداة (بوليسياسية) بغرض الضبط والتحكم في هذه القوالب الشعبوية لتسير وفق إرادته! .. ولقد جرب القذافي كيف وماذا يحدث إذا ترك المؤتمرات على سجيتها وترك الناس على حريتها عندما دعا لإنعقاد المؤتمرات الشعبية في عام 1989 تحت بند واحد فقط وهو (ماذا يريد الشعب الليبي!؟) فكانت أجوبة الليبيين عن هذا السؤال يومذاك  مؤلمة ومخيفة للعقيد نفسه!.. حيث وجه بعض المواطنين الشجعان في جلسات تلك المؤتمرات والتي كانت تـُنقل بشكل حي مباشر في التلفزيون الرسمي – كما تابعت بنفسي يومها - إصبع الإتهام  لرأس النظام نفسه – أي العقيد القذافي - عن كل التخلف وتردي الأحوال في البلد بل ودعت سيدة من بنغازي العقيد معمر القذافي إلى التنحي وترك الليبيين يدبرون أمورهم بأنفسهم! .. فبادر العقيد القذافي على الفور – عندما شعر بتعالي الأصوات الحرة والمستقلة داخل المؤتمرات – إلى إيقاف هذه "التجربة؟" وإيقاف البث التلفزيوني المباشر وأرسل على الفور عصابة اللجان الثورية داخل المؤتمرات ترعد وتزبد وتهدد وتوعد الناس وتكمم أفواههم مدعية ً أن "القوى الرجعية!؟" تحاول الإلتفاف على سلطة الشعب وإستغلال هذا المنبر الشعبي لتوجه سهامها المسمومة للثورة كما قال أحدهم في تلك المؤتمرات!!!. 

لهذا فحتى "سلطة الشعب" كما في نص النظريه  لم يتم تطبيقها في الواقع العملي حتى الآن ولكن الذي تم تطبيقه بالفعل خلال كل هذه العقود هو شئ آخر غير "السلطة الشعبية" كما ينبغي أن تكون في نص النظريه!!! ..... ومع ذلك فلنفترض هنا جدلا ً أن "معمر القذافي" كان جادا ً وصادقا ً ومخلصا ً بالفعل في إيمانه بفكرة السلطة الشعبية ولنفترض جدلا ً بأنه قد أصر عام 1977 على تطبيقها حرفيا ً كما هي في نص النظرية فقام بتسليم "السلطة السياسية"  العليا الكاملة والمطلقة بالفعل للمؤتمرات الشعبية الأساسية وتنحي هو عن السلطة وقيادة الجيش والدولة وترك المؤتمرات الأساسية على حريتها وسجيتها تعمل بلا رقابة وتدخلات "اللجان الثوريه" ولا توجيهات وترشيدات "القيادة التاريخيه" فكيف ستسير سلطة الشعب وماذا يكون مصيرها!!؟.. هذا ما سنحاول الإجابة عنها في الحلقة الثالثة والأخيره إن شاء الله . 

سليم نصر الرقعي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) الحلقة الأولى هنا http://www.libya-watanona.com/adab/elragi/sr180610a.htm


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home