Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


سليم نصر الرقعي

الثلاثاء 4 نوفمبر 2008

إلى صديقي فوزي المحامي

حول الإجراءات والضمانات في النظام الإسلامي

سليم نصر الرقعـي


السيد العزيز فوزي عبد الحميد العرفيه
بعد التحية

أود بداية ً أحيي جهودك الطيبة ومقالاتك القيمه في فضح الممارسات الظالمة للنظام الشمولي الديكتاتوري القائم في ليبيا اليوم كما أنني أتابع مقالاتك التي تسلط فيها الضوء على بعض الممارسات المعيبة لبعض (المتدينين) والمنتسبين للإتجاه الإسلامي وأوافقك في الكثير من هذه الإنتقادات ووالله – والحق يـُقال - إن منهم بالفعل منفريين من الدين ومنهم من يقدم شهادة وصورة سيئة جدا ً للإسلام خصوصا ً في صفوف المتدينين ومن يرتدي مسوح الدين وخاصة ممن يعيشون اليوم في ديار الغرب !! .. وقد تعلمت من القرآن والتاريخ أن أكثر من يسيئ للدين عادة هم المتدينون ورجال الدين أنفسهم !! أي الأحبار والرهبان في كل دين وكل أمة ! .. إلا إنني – بالطبع – لدي مجموعة من التحفظات والملاحظات والإجابات على بعض الأراء التي تبديها وتشعر القارئ بأنك تتجاوز فيها إنتقاد ممارسات المسلمين وتصرفات الإسلاميين التي نوافقك الرأي في معظمها إلى إنتقاد الإسلام نفسه (!!!؟؟؟) وهو ماقد نجد له مستقبلا ً الوقت الكافي والمناسب لمناقشتك فيه ضمن جملة مناقشتنا لأصحاب التوجهات العلمانية والليبرالية والإشتراكية الشيوعية من إخواننا الوطنيين الليبيين .... ثم أما بعد .. صديقي العزيز .. فقد إطلعت على مقالتك الأخيرة المنشورة في موقع ليبيا وطننا تحت عنوان (الشريعـة عـقوبات بدون إجراءات) ببالغ التركيز والإهتمام حيث وجدتك تنفي فيها وجود (ضمانات) للحرية في الشريعة الإسلامية كما نفيت وجود (إجراءات) تضمن سير العدالة ! .. وأود - بداية ً - أن أذكرك هنا بقاعدة عامة يجب أن يحتاط لها ويلتزم بها كل باحث موضوعي علمي منصف وأمين وهي (إستفراغ الوسع في الإطلاع على موضوع الدراسة من مصادر أهلها أنفسهم خصوصا ً آخر وأحدث أقوالهم) .. فإن عدم العلم بالشئ لا يعني عدم وجوده كما تعلم ! .. فمثلا ً – وعلى سبيل المثال فقط – إشترط الإسلام وجود أربع شهداء لإثبات جريمة الزنا وإشترط أن يكون هؤلاء الأربعة قد رأوا الواقعة رأي العين بالجرم المشهود !!! .. كما قرر أن (الحدود لا يتم تنفيذها إلا بإعتراف شخصي أو بيقين قاطع) وإلا فإن الحد لا يطبق على (المتهم) أو(المشتبه به) لأن النبي قال : (إدرأوا الحدود بالشبهات) فبوجود أية شبهة ولو كانت يسيرة يتم إلغاء تطبيق (الحد / العقوبة) على (المتهم) بل إن هناك بعض علماء الفقه الإسلامي من ذهب إلى التأكد من صحة ودقة إعتراف (المتهم) على نفسه فقد يكون مجنونا ً أو مكرها ً أو أنه يفعل ذلك للتستر على شخص آخر !! .. فهناك – إذن – الكثير من الشروط اللازم توفرها لإجراء الحكم على المعين لابد من التأكد من توفرها وأن لا يـُؤخذ الناس لمجرد الإدعاء عليهم أو لمجرد الشبهات .. ولذلك لم نشاهد في عهد النبي ولا الخلفاء الراشدين تطبيق حد الزنا إلا في حالات نادرة جدا ً لا تتعدى أصابع اليد الواحدة وأغلبها جاء نتيجة إعتراف شخصي من المرتكب لجريمة وخطيئة الزنا نفسه بنفسه وبدافع من ضميره الديني الشخصى !! .. فيأتي للنبي بنفسه ليعترف قائلا : (طهرني يا رسول الله )!! .. بل والأغرب من هذا كله أنني النبي نفسه كان يعرض عنهم حينما يأتون إليه ليعترفوا بذنبهم ويدير وجهه الشريف عنهم ويتظاهر بأنه لم يسمع منهم !! .. حتى إذا أصر القادم المعترف وتأكد النبي من أنه إرتكب (الجريمة) بالفعل نفذ الحكم الحدي عليه ! .. فعقوبة الحد لا تـُطبق في الإسلام هكذا (سبهلله) ! بل بعد إستيفاء كافة شروط إنطباق الحكم وإرتفاع كافة موانعه وإنتفاء أية شبهة التي مهما كانت يسيرة فإنها كفيلة بإيقاف التنفيذ لقول النبي : (إدرأوا الحدود بالشبهات)! .. لذلك نجد أن عمر بن خطاب أوقف تنفيذ حد السرقة والحرابة في عام المجاعة وذلك لشبهة الجوع ! ..... هذا بشكل عام ... أما ماذكرته سيادتكم من أمثلة على الإجراءات العدلية المتبعة في الدول المتحضرة في عصرنا الحاضر اليوم في عمليات القبض والتحقيق والإتهام والتقاضي والإعتقال فمعظمها من الأمور المستحدثة التي توصل إليها العقل الإنساني من خلال الخبرة الطويلة في معاناة مظالم وجور السلطات فجاءت من باب تقييد وتنظيم تصرفات السلطة الحاكمة فمنذ قرنين فقط تقريبا ً أو أدنى من ذلك كانت أوروبا تعج بمثل هذه المظالم البشعة ثم ومن خلال المحنة والتجربة توصل المفكرون والحقوقيون فيها من خلال كفاح فكري وإعلامي وسياسي طويل ومرير إلى تحسين ظروف الإعتقال والتحقيق والمحكمة والسجن ... إلخ ..... ولازالت محاولة تحسين الإجراءات والضمانات مستمرة حتى يومنا هذا كما تعلم ! .

والعدل كما لاحظت بنفسي ومن إستقرائي للقرآن الكريم وسنة النبي وسيرته وسيرة الخلفاء الراشدين وخصوصا ً الشيخان (أبوبكر وعمر) من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية .. والإسلام حث على العدل والقسط بوجه عام فقال تعالى : (إن اللهَ يأمر بالعدل والإحسان ...) وقال : ( إن الله يأمركم بأداء الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) وقال : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) وقال : (وإذا قـُلتم فاعدِلوا ولو كان ذا قُربى وبعهدِ الله أَوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تَذَكَّرون) صدق الله العظيم .. ومن ثم فالعدل والقسط – من حيث المبدأ – هو أمر مطلوب ومقصود ومستهدف للشريعة الإسلامية أصلا ً .. وبأي وسيلة وطريقة ووجه تحقق فهو المطلوب وبالتالي فإن هذه الوسيلة وهذه الطريقة وهذه الإجراءات التنفيذية والتحقيقية والتطبيقية الرشيدة والعادلة مطلوبة شرعا ً مادامت تحقق العدل (المقصود) على أحسن الوجوه الممكنة .. ولذلك وجدنا عالما ً من علماء الشريعة كابن قيم الجوزية ( 1270- 1330 م) يقول حرفيا ً : ( كلُّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرَّحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشَّريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل) !! .. وقال أيضا ً في كتابه الشهير (إعلام الموقعين) : ( فإذا ظهرت أمارات الحق , وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان , فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره . والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأمارته في نوع واحد وأبطل غيره , فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها . والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها , وانما المراد غاياتها التي هي المقاصد ) .. وأما أستاذه ابن تيمية (1240 – 1307 م) فقد قال في (رسالة الحسبة) المدرجة في مجموع الفتاوى " ج28 / 146 " : ( وأمور الناس تستقيم فى الدنيا مع العدل الذى فيه الاشتراك فى أنواع الاثم أكثر مما تستقيم مع الظلم فى الحقوق ؛ وإن لم تشترك فى إثم ، ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة ، ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والاسلام ) !!؟؟؟؟ .إهـ

وبالتالي - وعلى أساس ما تقدم - نقول : إن الإسلام لا يحصر طرق إقامة العدل في إجراءات محددة ومعينة سواء في مجال الإدارة السياسية أو الإدارة القضائية وسواء في مجال تحقيق العدالة الإجتماعية أو العدالة القضائية والجنائية في المجتمعات بل ترك الباب مشرعا ً للعقل المسلم والخبرة البشرية لإكتشاف أفضل الإجراءات التنفيذية المفيدة والطرق الإدارية والتطبيقية الرشيدة المؤدية لمقاصد وأحكام الشريعة العامة حسب التطور الحضاري والتقني والفني لدى كل أمة .. فكل إجراء يحقق العدل فهو مطلوب ومحبوب شرعا ً والحكمة ضالة المؤمن أني (أين) وجدها فهو أولى بها ولو كانت من إختراع غير المسلمين ! ..... ولذلك فإن أية طريقة وأية وسيلة وأية إجراءت عملية عادلة تساهم في تحقيق سير العدالة فهي مطلوبة بل هي مما يحث عليه الشرع الإسلامي ولو كانت من إبتكار غير المسلمين من الكفار الملحدين ! ... هذا من حيث المبدأ .. وأما من حيث الواقع والتطبيق فقد ظل القضاء الإسلامي كالحكم الإسلامي الراشد من عهد النبوة وعهد الراشدين ينمو ويقدم للبشرية صفحات مشرقة بحسب إمكانات البشرية في ذلك الزمان وهو ما إعترف به للمسلمين الكثير من البحاثة والمفكرين الغربيين بما فيهم (ماركس) نفسه ! .. في الوقت الذي كانت فيه أوروبا غارقة في القرون الوسطى في عصر الظلم والظلام وعبادة الملوك والبابوات !! .. وإنظر كيف تعاملت محاكم التفتيش مع علماء الطبيعة هناك وكذلك مع المسلمين بعد سقوط الإندلس !؟؟؟ .. ومع ذلك فعلينا الإعتراف هنا أن المسلمين وصولوا فيما يخص عملية الإجتهاد العقلي في مجال القضاء والفقه وتشريع الأحكام كما في مجال الحكم السياسي وإدارة الدولة إلى مرحلة من الجمود التام والإنحسار العام في الوقت الذي كانت فيه أوروبا في أواخر القرن الخامس عشر تستفيق وتنهض وتنفض عنها غبار القرون مستفيدة من المجهودات العقلية والفلسلفية والعلمية والحضارية التي إقتبستها من العلماء والفلاسفة والأدباء المسلمين بعد سقوط الإندلس في أسبانيا والإستيلاء عليها وعلى مكاتبها الضخمة خلال هذا القرن ! (القرن الخامس عشر للميلاد) .. وختاما ً أود التذكير هنا بقاعدة أخرى مهمة للغاية كتلك التي ذكرتها في بداية كلامي وهي أنه ليس من العلم ولا الحكمة ولا العدل ولا الإنصاف في شئ أن نجري مقارنة بكل بساطة بين ماتوصل إليه العقل البشري لأمة من الأمم في حقبة من حقب التاريخ الماضي من إجتهادات وإنجازات فكرية وحضارية وعلمية وتنظيمية وقضائية وسياسية وإقتصادية بما نحن عليه اليوم من مكتسبات وإنجازات حضارية في شتى مجالات الحياة ! .. لاتصح علميا ً المقارنة هنا على الإطلاق لا عقلا ً ولا عدلا ً ولا علما ً ولا حكما ً! .. إلا من باب واحد فقط وهو (التأكيد على فكرة التقدم والتطور والرقي الصاعد) للبشرية في مجال التنظيم والإدارة والعلم والحضاره لا أن نتخذ من هكذا مقارنات موضعا ً لجلد الذات أو للسخرية من تلك الإنجازات والإجتهادات وتسفيهها والضحك منها فهذا ليس من (الإسلوب العلمي) ولا من (الحكم الموضوعي العادل) في شئ ! .. ويكون حالنا عندئذ كحال من يقارن طائرة (الأخوان رايت) – الطيارة الأم الأولى – بأحدث طائرة عصرية للركاب نقتنيها اليوم !!! .. فلو وضعنا الطائرة البدائية الأولى التي إخترعها (الأخوان رايت) بجوار الطائرة الحديثة اليوم لكان الفرق بينهما هائل كالفرق بين الأرض والسماء ولكن علينا أن نتذكر دائما ً ونحن ننظر إلى (طيارة الأخوان رايت) العتيقة الشاحبة البسيطة (الكلاسيكية) أنه لولا تلك البدايات والمجهودات الغابرة لما كانت هذه الإنجازات الحاضرة ! ....
مع خالص تحياتي !

سليم نصر الرقعي
elragihe2007@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home