Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

الثلاثاء 4 يناير 2011

تاريخ المكان أم تاريخ الإنسان!؟

- نظرية ميلاد الأمة الليبيه ! -

سليم نصر الرقعي

هناك حقيقة ومسألة عميقة ودقيقة يجب الإنتباه إليها عند دراسة تاريخ أية أمة من الأمم الوطنية الحديثة أو القديمة  أو البحث في اعماق هويتها الوطنيه وشخصيتها القوميه الخاصة..وهذه المسألة الدقيقة والعميقة تكمن في علاقة الإنسان بالأرض التي يستوطنها ويعيش عليها هذا الإنسان وعلاقة القوم بالمكان..فلكل قوم وطن كما أن لكل وطن قوم!.

فمن خلال مطالعتنا لخارطة العالم منذ القدم فإننا سنلاحظ  تلك التغيرات السكانيه (الديموغرافيه) الهائلة والكبيرة التي حدثت فيها عبر القرون فوق الأقاليم (الجغرافية) بسبب التفاعلات الإندماجية والإنصهارية والإحلالية بين الأمم والأقوام والشعوب ومن خلال الهجرات والغزوات والحروب والمتغيرات المناخية! ... فمعالم خريطة العالم وتركيبته الديموغرافيه والسياسيه ظلت تتغير بإستمرار من خلال تحركات وتفاعلات الأمم والجماعات البشرية المختلفة فوق الأرض سلما ً أو حربا ً!.. ولازالت هذه التغيرات تحدث وستحدث عبر القرون .. فتختفي أمم ٌ وشعوب ٌ ودول ُ أو تنحسر وتُولد أمم وشعوب ودول أخرى جديدة!.

والشاهد هنا هو أنه وعلى الرغم من ثبات الأرض (المكان) نسبيا ً الا أن الأمم والشعوب والجماعات البشرية التي كانت تعيش فوقها وتستوطنها (السكان) كانت – عبر التاريخ – تتغير! .. ونعني بثبات الأرض تحديدا ً هنا ثبات المكان فشمال أفريقيا الموجود حاليا ً على سبيل المثال – أي عام 2011 بعد الميلاد - هو شمال أفريقيا نفسه من حيث كونه نفس المكان والموقع الجغرافي "الطبيعي" في عام 1000  قبل الميلاد مثلا ً .. ولكن الأمم والجماعات التي عاشت فوقه وأستوطنته – خلال كل هذه الفترة بين التأريخين اللذين إخترناهما كمثال – أي منذ عام 1000 قبل الميلاد حتى يومنا هذا  2011 م - تبدلت وتغيرت كليا ً أو جزئيا ً من الناحيتين (الديموغرافيه) و(الثقافيه) وكذلك من ناحية (الجغرافية السياسية) مع أن المكان – من الناحية الجغرافيه الطبيعية – هو عين المكان!.

ولاحظ هنا أننا عندما نتحدث عن مسألة ثبات الأرض إنما نقصد ثبات الموقع الجغرافي والمكان لا  ثبات طبيعة الأرض ومناخها وتضاريسها فلاشك أن هذه الأمور عرضة للتغير َ البطئ جدا ً مع مرور الزمان (التغيرات البيئيه والمناخيه) .. وعلى الرغم من ذلك فإن المكان سيظل هو عين المكان وتظل الأرض هي الأرض نفسها حتى لو كانت بالأمس جنات معشوشبة خضراء وأصبحت اليوم قاحلة صفراء!.

أما البشر الذين فوق هذه الأرض وفي هذا الموقع الجغرافي المحدد (السكان المستوطنون) فهم يتغيرون قلبا ً وقالبا ً .. كما وكيفا ً .. جزئيا ً أو كليا ً.. وتتغير أشكالهم وألوانهم ولغتهم وثقافتهم وتركيبتهم الديموغرافية والعنصرية من خلال التفاعلات الإنصهاريه بين الأعراق المختلفة من زمان إلى زمان!.. وتتغير معهم الجغرافيا السياسية!.

وبسبب هذه الحقيقة الموضوعية الناتجة عن الملاحظة والإطلاع والإستقراء والتأمل في التغيرات والتطورات الديموغرافية والتبدلات والتحولات الثقافية الكبيرة والعميقة التي حدثت في هذه المنطقة الجغرافية التي نتحدث هنا عنها هنا كمثال لهذه الحقيقة المشاهدة والتي تتمثل في (ثبات المكان وحركة وتطورالإنسان) أو (ثبات الأوطان وتغيّر السكان شكلا ً ومضمونا ً - كما ً وكيفا ً!.. أي من حيث المادة الصلبة "هاردوير" ومن حيث المادة الناعمة"سوفت وير" على السواء!) سنجد أنفسنا – ومن خلال البحث والتدقيق والتأمل العميق – أمام تلك الحقيقة و المسألة العميقة والدقيقة التي أشرنا إليها في مقدمة هذه المقالة وقلنا بأنها تكمن في علاقة القوم بالوطن وعلاقة الوطن بالقوم! .. فعندما نتحدث عن مسألة علاقة القوم بالوطن لابد أننا سنجد أنفسنا في مواجهة التاريخ! .

ولأن الأمم والجماعات البشرية – عبر التاريخ – كانت تتحرك وتتنقل (هجرات وفتوحات) – بدوافع الضرورة أو الطموح أو العقيدة – من مكان إلى آخر – عبر الجغرافيا -  فإننا سنجد أن "المكان" الواحد – وهو موقع جغرافي ثابت –  قد أستوطنته لحقبة من الزمان وفترة من التاريخ جماعات وشعوب وأمم وقبائل مختلفة! .. وهنا نصل إلى عمق تلك الحقيقه وتلك المسألة الدقيقة والعميقة التي نريد الوصول إليها والوقوف عندها وهي أنه ( كما أن لكل إنسان تاريخ .. فإن لكل مكان تاريخ أيضا ً!) وهنا نصل الى المفارقة الغريبة في هذه الحقيقة حيث نجد أن تاريخ هذا الإنسان – المتحرك المتنقل عبر الأمكنه – يتضمن ذكريات تاريخية مع أكثر من مكان!.. كما أن تاريخ المكان– الثابت نسبيا ً – يتضمن ذكريات تاريخية مع أكثر من إنسان!.

وعندما نطبق هذه الحقيقة وهذه النظرية الدقيقة والعميقة التي توصلنا إليها من خلال القراءة والتأمل والإستقراء في تاريخ (الإنسان وحركته عبر المكان والزمان) على واقع بلادنا الحبيبة (ليبيا اليوم) فإننا سنعلم بأن تاريخ ليبيا ( الأرض – الإقليم – الوطن – المكان) أقدم وابعد من تاريخ ليبيا (الشعب – الأمة – المجتمع – الإنسان الليبي الحالي) بمكوناته السكانية المختلفة! ... فقد جاءت إلى هذه " البقعة " من الأرض – التي نطلق عليها منذ مطلع القرن الماضي إسم ليبيا – منذ فجر التاريخ جماعات بشرية كثيرة ومتنوعة من أمكنة وأمم مختلفة بعضها مر وبعضها إستقر وبعضها إندثر! .. وهذه الجماعات التي جاءت من أمكنة ومواطن مختلفة ومن أمم قديمة متعددة إمتزجت  فوق هذه الأرض – وإنصهرت في بوتقة هذا المكان -– عبر القرون –  وإندمجت دماؤها وأنسابها وعناصرها وثقافاتها والتحمت – فيما بينها – بسبب عوامل الجوار والإنصهار والإمتزاج والإندماج الكثيرة – وكذلك عامل المعاناة التاريخية الواحدة وعوامل المصالح المشتركة - إلى أن صارت (أمة وطنية) واحدة من دون الناس بل و(جماعة سياسية) متحدة فوق هذه الأرض المسماة ليبيا وهذه الجماعة الوطنية السياسية الواحدة بكل مكوناتها الديموغرافية هي ما أطلق عليها منذ إرهاصات الإتحاد والإستقلال إسم (الأمة الليبية) !.. هذه الأمة الوطنية الجديدة والوليدة التي أعلن عن إتحادها وميلادها وميلاد دولتها الوطنية وكيانها السياسي الموحد في 24 من ديسمبر عام 1951.

سليم نصر الرقعي

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home