Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi


Salim Naser al-Ragi

Sunday, 2 December, 2007

الثورة الشعـبية وشبح الحرب الأهـلية!؟

سليم نصر الرقعـي

إن هناك حقيقة ثابتة ومعروفة ومتكررة عبر التاريخ لايمكن إنكارها أو إغفالها وهي أن النظم الشمولية المستبدة ومن خلال أسلوب القمع والقبضة الحديدية قد تحقق إلى حد ما نوعا ً من الوحدة الوطنية السياسية للمجتمع التابع لها وللشعوب الخاضعة لها وقد تحقق في ذلك البلد نوعا ً من الإستقرار السياسي والأمني كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي وفي العراق وفي ليبيا اليوم بشكل أقل .. لكنها وحدة وإستقرار تتحقق في ظل القبضة الحديدية والديكتاتورية وهي أشبه إلى حد كبير إلى حالة إستقرار السجون والمعتقلات ! .
فالنظام الروسي الشمولي الشيوعي تمكن في فترة يسيرة من تحقيق الوحدة السياسية والوطنية لا للشعب الروسي وحده وحسب بل ولكل المجتمعات التي أخضعها لسلطانه أو التي خضعت له بمحض إرادتها وحقق فيها نوعا ً من الإستقرار و نوعا ً من الأمن العام .. وكذلك الحال – وإن كان بصورة اقل – في العراق ثم في ليبيا اليوم مثلا ! .
إلا أنه يجب ان نلاحظ و نتفطن إلى أن هذه " المكتسبات " كالوحدة الوطنية والإستقرار والأمن العام تكون في ذروتها في بداية تمكين هذا النظام الشمولي المركزي الأحادي المستبد ثم يوما ً بعد يوم نلاحظ أن منحنى هذه " المكتسبات " آخذ ٌ في الهبوط والإنحدار والتصدع بشكل تدريجي ومتصاعد مع شيخوخة هذا النظام وقيادته وإرتخاء قبضته الأمنية – لسبب من الأسباب – ومع شيوع ظاهرة الفساد في منظومة الدولة التي يقودها هذا النظام وسادته ! .. بإعتبار أن ظاهرة الفساد ترتبط الى حد بعيد وربما بشكل عضوي بظاهرة الإستبداد .. فالإستبداد هو الأب الشرعي للفساد ! .. كما أن الفساد هو الأبن الشرعي للإستبداد ! .
ولكن الشئ الذي أكدته التجارب أيضا ً أن هذه النظم الشمولية المستبدة تحقق هذه " المكتسابات " المذكورة كالوحدة الوطنية والإجتماعية والسياسية ( الظاهرية والسطحية) للمجتمع الوطني على حساب أمور أخرى وقيم أعلى وأجل – في ميزان الله او في ميزان حقوق الإنسان - وبثمن باهض جدا ً بل وجدا جدا ً ! .. فهي فضلا ً عن تشويهها لخلقة وأخلاق المجتمع الإنساني تعمل على تدمير كرامة وفردية الإنسان بل وتدمير شعوره بهذه الكرامة وهذه الفردية والآدمية وتحرمه أيضا ً من الشعور بأنه مواطن وشريك في الوطن والمجتمع ! .. فأي خسارة فوق هذه الخسارة وأية حقارة بعد هذه الحقارة !؟؟ .

* * *

كما أن التاريخ يعلمنا كذلك أن بعض هذه النظم الشمولية المركزية المستبدة قد تخلق أيضا ً – وفي بداية نهضتها - وفي عز شبابها وفتوتها – وهي في قمة ثورتها وفورتها وحرارتها – وفي عز فرحتها بإنتصارها وقوتها – نوعا ً من الحراك الشعبي والإجتماعي والنشاط والحيوية في كيان المجتمع بل ونوعا ً من النهضة الإقتصادية والعمرانية لكنها وفي نهاية المطاف – وخلال فترة زمنية لا تتجاوز بتقديري العقدين من الزمان – ومن خلال تصرفاتها الشمولية والديكتاتورية والإقصائية – وبسبب غرور القوة – سرعان ما تهدم نفسها بنفسها وتهد كل ما حققته من إنجازات مادية وعمرانية وسياسية لنكتشف بشكل صادم ومفجع أن الوحدة الوطنية التي أقامتها على أساس من قبضتها الحديدية وشعاراتها العقائدية وحدة (سطحية) و( هشة) و(شكلية) وليست وحدة حقيقية وعميقة وفعلية ! .. ونكتشف أن الإستقرار الذي فرضته بالقوة هو إستقرار هش قائم على الرعب والخوف لا على أساس متين من المحبة والإيمان والأقتناع والإجماع ! .. ولنكتشف أيضا ً أن المنجزات الإقتصادية والعمرانية المادية التي أقامتها إبان فورة شبابها هي إنجازات هشة لا جذور لها ولا أسس عميقة وصلبة ! .. ولنشاهد كيف أن فئران وتماسيح الفساد التي ولدها طغيان الإستبداد قد أتت على الأخضر واليابس في الدولة وكيف نخرت ونهشت في قواعد تلك الإنجازات المادية وحولتها إلى خرائب ينعق فيها البوم والغربان ! .. ولنرى الإنسان في تلك المجتمعات وفي ظل حاكمية تلك النظم الشمولية البائسة وقد بدأ يشعر بالغربة والمهانة وأحيانا بالكراهية لهذا الوطن الذي لا يلقى فيه الا الإمتهان والحرمان ! .. ومن ثم نشاهد محاولات هذا الإنسان المقهور والمغترب المستمره والمتكررة من أجل الخلاص ! .. إما من خلال عملية الهروب الكبير من هذا الجحيم وهذا المعتقل العفن الكبير إلى الخارج ( ظاهرة الهجرة) .. او الى اعماق الداخل البعيدة والذات التاريخية (ظاهرة التدين الصوفي والسلفي! ) .. أو من خلال محاولة قتل الذات وتغييبها بشكل مباشر وسريع ( ظاهرة الإنتحار) أو بشكل بطيئ وغير مباشر ( ظاهرة تعاطي المخدرات والمغيبات والمسكرات) ! .. او من خلال المواجهة بالقوة والتمرد والثورة والإنتفاض والتي قد تأخذ هي الأخرى في بعض الحالات والأوقات مظهر العمل الإنتحاري أو الإرهابي من أجل الخلاص من جحيم الطغيان والحرمان وبأية طريقة وأي ثمن! .
لذلك – ولهذا السبب بالذات – ومن أجل إسترداد الكرامة الأدمية التي وهبها الخالق لهذا المخلوق المكرم - قامت الكثير من الثورات الشعبية الكبرى في العالم وعبر التاريخ ضد مثل هذه النظم المستبدة القاتلة للكرامة الأدمية والمشوهة لخلق الله ولفطرة الإنسان! .. ولم تتردد في الإنتفاض على تلك النظم الطاغية والإنقضاض على أعداء الإنسانية - أعداء الله وأعداء الحق والعدالة والحرية - بحجة أن الثورة قد تهدد الوحدة الوطنية واللحمة الإجتماعية للأمة أو بدعوى الخوف من أنها قد تؤدي الى التقاتل والحرب الأهلية وسفك الدماء ! .. فما جدوى هذه الدماء أصلا ً إذا كانت تجري في عروق العبيد الأذلاء ؟؟ .. فإن كرامة الإنسان أقدس وأكبر وأجل الف مرة من دمه ! .. وأن تعيش يوما ً حرا ً تتنسم فيه عبير الحرية بكرامة وعزة تحت سماء الله الشاسعة خير لك وأكرم لك الف مرة من أن تـُعمر الف سنة وأنت تساق بالسلاسل في ذل وخضوع كالعبيد ! .

سليم نصر الرقعي
كاتب ليبي يكتب من المنفى الإضطراري
elragihe2007@yahoo.co.uk
موقعي الخاص على النت : http://elragihe2007.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home