Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salim el-Ragi
الكاتب الليبي سليم الرقعي


سليم نصر الرقعي

الإثنين 2 نوفمبر 2009

الكتاب الأخضر ومصادره الغامضة والمغيبة!؟

سليم نصر الرقعـي

إن العقيد معمر القذافي – حاكم ليبيا العسكري - وعن عمد لم يذكر مصادر الكتاب الأخضر ولم يخبرنا من أين تحديدا ً أخذ وإستورد هذه الأفكار الشعبوية والإشتراكية (الطوباوية) المتشددة .. ولو كان لا يخاف من ذكر حقيقة مصادره الأساسية في الفكر الذي تبناه وفرضه على الدولة الليبية والمجتمع الليبي بقوة السلطان لكان نشر (مسودة الكتاب الأخضر!؟) حيث ذكر في إحدى محاضراته ولقاءاته - التي تابعتها بنفسي – أن (مسودة الكتاب الأخضر) موجودة لديه وأنه سينشرها في يوم من الأيام ولكنه لم ينشرها حتى الآن مع مرور كل هذه العقود من عمر التجربه ! .. بل ومع أنه لا يكف عن العمل بكل الطرق عن تخليد ذكره والترويج لفكره حيث حوّل بيته المهدوم مثلا ً إلى مزار ومتحف تساق إليه الرحال وزوار الجماهيرية (العظمى) وكذلك الحال بالنسبة للغرفة التي كان يقطنها في القسم الداخلي بمدرسة سبها فهي أيضا ً حولها إلى مزار ومتحف من أجل تخليد ذكراه وتمجيد تاريخه السياسي والنضالي المزعوم !! .. وكذلك الحال بالنسبة لغرفته في معسكر قاريونس !! .. وهلمجرا ً .. فلماذا – إذن - لم يعرض علينا وعلى الشعب الليبي وعلى العالم (مسودة الكتاب الأخضر) مدعومة بالمصادر الأساسية التي نهل منها هذا الفكر الجماهيري الشعبوي والإشتراكوي العجيب!!؟ .. خصوصا ً وأنه إعترف في أكثر من مناسبة أن الكتاب الأخضر هو حصيلة الفكر الإنساني وأن له مصادره فأين هي هذه المصادر الأساسية؟؟ فليذكرها لنا وليسمح للباحثين الأكاديمين بالإطلاع عليها ودراستها وتحديد وجهتها !؟ .. أم أنه خائف من ذكر مصادره الأساسية ويخشى أن يطلع الليبيون والمسلمون على هذه المصادر والمراجع التي إعتمد عليها بشكل أساسي في مقولات الكتاب الأخضر فيعرفوا حقيقتها ويعرفوا طبيعتها ووجهتها ومصدرها !؟.

وبغض النظر عن الصياغة التي صيغ بها الكتاب الأخضرالمصحوبة بشئ من "السجع" البلاغي في محاولة لمظاهاة أسلوب القرآن الكريم أو على الأقل مظاهاة سجع أدعياء النبوة(!!) وبغض النظر هنا من صاغها هل هو معمر القذافي بنفسه وأسلوبه أم صاغها له آخرون؟ فإن الأفكار والمقولات الإشتراكوية والشعبوية الأساسية التي جاءت في الفصل الأول والثاني إنما هي أفكار قديمة وعقيمة وموجودة في كتب كثيرة في الغرب والشرق كتبها كتاب غربيون وشرقيون شيوعيون وفوضويون وثوريون حالمون فمثلا ً عمدة الركن الإقتصادي وإشتراكية القذافي (1) هو تجريم وتحريم نظام التجاره والإجاره والأجره ورفض الإعتراف بالربح وإعتبار الإعتراف به هو إعتراف بالإستغلال بل وإعتبار أن الإدخار الزائد عن الحاجة هو حاجة إنسان آخر !! .. وتقرير أن الإنتاج ينبغي أن يكون بغرض إشباع الحاجات الأساسية فقط لا بغرض الربح والكسب وتنمية رأس المال! .. وأن ملكيتك ينبغي أن تكون في نطاق إشباع حاجتك وحاجة ورثتك فقط !! .. والدعوة إلى أن يستولى العمال على ملكية المصانع ليكونوا فيها شركاء لا إجراء من خلال نظام إشتراكي متطرف معاد للربح والأعمال التجارية والإستثمارية والرأسمالية! .. فهذه هي الأفكار الأساسية والمحورية والمقولات الجوهرية في الركن الإقتصادي من الكتاب الأخضر وهي أفكار شيوعية (100% ) – لاحظ أنني أقول شيوعية وأقول 100% ! - مع العلم أن ليس كل شيوعية هي ماركسية أو لينينية بالضرورة فالشيوعية - كما الإشتراكية - مدارس وأراء مختلفة ومتفرقة وطرائق كثيره .. وأفكار هذه المدارس الشيوعية والإشتراكية المختلفة موجودة ومبثوثة في الكتب والمكاتب الغربية وكذلك في مكاتب روسيا ومنها أفكار شيوعية معادية للينينية وللنموذج الإشتراكي الشيوعي السابق والمنهارالذي أقامه "لينين" والحزب البلشفي في روسيا..فهناك مثلا ً الشيوعية الفوضوية (اللاحكومية) التي تؤمن بالديموقراطية المباشرة وبفكرة المجالس الشعبية ! (2).

وأما الركن السياسي فهو أيضا يتضمن أفكارا ً شعبوية قديمة تتحدث عن حكم وسلطة الجماهير والحكم الشعبي فيما عرف في أوروبا الشرقية بالديموقراطيات الشعبية المعادية للتعددية الحزبية والتي تأثر بها عبد الناصر فدعا في كتابه (الميثاق) إلى ديموقراطية شعبية لا حزبية وهي (ديموقراطية تحالف قوى الشعب) التي تعتمد على فكرة التنظيم الشعبي الواحد لا التظيم الحزبي أي بحيث يكون الشعب كله منظما ً في إطار سياسي رسمي موحد أسماه عبد الناصر (الإتحاد الإشتراكي) فتلقف القذافي هذا النموذج الناصري للديموقراطية الشعبية في بداية الإنقلاب وطبقه في ليبيا ثم أعجب بفكرة المجالس الشعبية وأنظمة الديموقراطيات الشعبية من خلال تقسيم وتنظيم الشعب على هيئة مجالس ومؤتمرات شعبية محلية في كل مكان وهي تجربة قديمة كانت موجودة في روسيا حتى قبل الثورة الشيوعية وكان يطلق عليها شعار (السوفيتات في كل مكان !) والسوفيتات هذه تعني (المجالس الشعبية) التي تضم طبقات العمال والفلاحين وسائر الطبقات الشعبية وهي ضد فكرة الديموقراطية النيابية والبرلمانية المركزية!.. حيث تبنى ديموقراطية "السوفيتات" أي المجالس الشعبية المحلية النظام الشيوعي اللينيني الجديد وجعل لها مؤتمرا ً عاما ً للسوفيتات المحلية المتواجدة في كل المناطق والمحلات ثم أخضعها لسيطرة "الحركة الثورية الطليعية" والمنظمة السياسية العقائدية الوحيدة في روسيا الشيوعية وهي حركة الحزب الشيوعي "البلشفي"! .. فأصبحت الديموقراطية الشعبية السوفيتية التي نشأت وتطورت في الأحياء والمصانع قبيل ثورة الروس وإستيلاء البلاشفة على السلطة أسيرة للحزب الشيوعي وللقيادة الثورية ولرقابة الأجهزة الأمنية فأصبحت ديموقراطية "شعبية" شكلية لا أكثر ولا أقل تصادق على كل توجيهات قيادة الحزب الثورية وتعظم الزعيم القائد وتدار بالرموت كنترول من فوق! .. وهذا تماما ً ما حصل في التجربة (الشعبوية) الشكلية الحالية في ليبيا حيث لم يتم ترك الشعب يفكر ويقرر على سجيته في المؤتمرات الشعبية الأساسية بل إبتكر العقيد القذافي منظمة إرهابية مرعبة أطلق عليها إسم "حركة اللجان الثورية" أي حركة الطليعة الثورية الموالية له فكرا ً وشخصا ً حيث سلطها على رقاب الجماهير وأصبحت بمثابة البوليس السياسي المبثوث في كل مؤسسات المجتمع والدولة فأصبحت المؤتمرات الشعبية أسيرة لهذه التنظيم السياسي الحركي العنيف والمخيف وأسيرة لتوجيهات "القائد المعلم الملهم" الملزمة بحكم "الشرعية الثورية" وتحت دعوى حماية النظام الجماهيري الجديد والفريد والبديع!!.

إذن فالأفكار الأساسية في الكتاب الأخضر هي أفكار قديمة ومعظمها مأخوذ من مدارس "النظرية الثانية" أي من معسكر الشيوعية والديموقراطيات الشعبية وغيرها من التجارب التي طبقت في الصين الماوية والمعسكر الإشتراكي المنهار في روسيا وأوروبا الشرقيه! .. ولكن تمت صياغتها – بلسان عربي فصيح ! - حتى لا تظهر حقيقتها الشيوعية الحمراء .. ومع ذلك فإن بعض المثقفين الليبيين عرفوها وفهموها وشبهوا الكتاب الأخضر بالبطيخ (الدلاع) فقالوا : ( الكتاب الأخضر كيف الدلاعة ! .. من بره أخضر ومن جوه أحمر !) .... والعجيب أن الفصل الثالث (الركن الإجتماعي) مليئ بالمضحكات الكثيرة والتقريرات والإستنتاجات الغريرة مثل فكرة الرياضة الجماهيرية المعادية للرياضة التنافسية والفرق الرياضية وإعتبار أن الألوف التي تجلس على المدرجات لتستمع بمشاهدة مباراة لكرة القدم هي جماهير غبية ومغفلة! .. وكذلك تلك النبوءة المضحكة التي مفادها أن السود سيسودون في العالم ولو قال (الصفر سيسودون العالم) لقلنا أن ذلك ربما سيصدق إذ أن تعداد الصين وحدها اليوم يزيد عن مليارين بني آدم فضلا ً عن التفوق التقني والإقتصادي المتزايد للصين ولليابان وللصفر بعكس أفريقيا السوداء الغارقة في مستنقع الفقر والإستبداد والمرض والحروب الأهلية فكيف ستسود العالم ؟! .. كما أن الفصل الثالث لا يخلو من التناقضات العجيبة مثل تفسيره حركة التاريخ على أساس العامل الديني والعامل القومي ثم القول أن السود سيسودون في العالم فجعل من عامل اللون - لا القوم ولا الدين - هو العامل الأساسي في حركة التاريخ !؟ .. كما نلاحظ التعسف الغريب في الإصرار على أن العامل القومي هو العامل الإجتماعي فقط !؟ مع أن الدين والوطن والمصالح الإقتصادية هي كذلك عوامل إجتماعية أي تؤدي إلى قيام المجتمعات والعمران البشري وإجتماع الناس! .. ثم أن القذافي في بعض تصريحاته بخصوص (الفضاءات) وإدعاءه أن العصر ليس عصر الدولة الوطنية أو القومية وأن العصر عصر الفضاءات السياسية والتكتلات الإقتصادية يناقض ماجاء في النظرية وإصراره على أن العامل القومي والعامل الديني هما من يتناوبان على تحريك التاريخ وتغيير خريطة العالم السياسية وأن العامل القومي هو العامل الصحيح لبناء الدول وقيام الأمم بحيث يكون لكل قوم دولة ولكل قوم دين !! .. فالقذافي يرفض فكرة التعددية الدينية في المجتمع القومي الواحد كرفضه للتعددية السياسية وإعتباره وضع التعدد والتنوع الديني وضعا ً شاذا ً وغير سليم وأن الصحيح أن يكون لكل قوم دين واحد !! .

هذا من ناحية النظرية والعقيدة السياسية أما من حيث الواقع العملي فإن العقيد معمر القذافي كما عرفناه وخبرناه لا مبدأ له ولا دين ولا ثوابت ولا عقيدة ولا هم يحزنون! .. فهو شخصية إستبدادية نرجسية (برغماتية) (تهريجية) تتلون كالحرباء حسب ظروف الوضع الدولي! .. والثابت الوحيد عنده هو (الأنا) و(البقاء في السلطة بأي ثمن وتحت أي ستار وأي شعار) لهذا وجدناه في الواقع العملي إستخدم نظرية سلطة الشعب كجلباب رسمي فضفاض يمرر من تحته سلطاته وصلاحياته السياسية الواسعة والمطلقة في الدولة وفي الشأن العام والمال العام والرأي العام بلا حسيب ولا رقيب وهاهو الآن – كما بلغ الحاضرون الغائبين – في ملتقى "العادة السرية؟" بسبها يحاول تمرير جريمة توريث مركز "قيادة الدولة" – أعلى سلطة في البلد – من بعده لأولاده تحت هذا الجلباب الفضفاض المهلهل نفسه المسمى بسلطة الشعب وبالنظام الجماهيري البديع !؟.

سليم نصر الرقعي
________________________________________________

(1) إشتراكية عبد الناصر أخف بكثير من إشتراكية القذافي المتطرفة فإشتراكية عبد الناصر إستعوبت ما أطلقت عليه "الرأسمالية الوطنية" في كيانها السياسي والإقتصادي بينما إشتراكية القذافي المتطرفة ذات الطابع الشيوعي المبطن رفضت التجارة والإعتراف بالربح وحركة الرأسمال وشنت حربا ً دموية ضد الرأسمالية الوطنية الناشئة مما أدى إلى تدمير وتشويه وشلل الإقتصاد الليبي الإجتماعي الشعبي الطبيعي وحل محله إقتصاد الدولة ولايزال إقتصادنا الوطني الرسمي والشعبي يعاني من تشوهات خطيرة وجراحات مريرة بسبب تلك الأفكار المتطرفة والتطبيقات الإشتراكية المتعسفة حتى اليوم !!.
(2) رفع لواء الفوضوية في القرنين 18 ، 19 المفكر الإنجليزي جودوين (William Godwin 1756 – 1836) والفيلسوف الفرنسي برودون (Pierre Proudhon 1809 – 1865) والأرستقراطي الروسي الثائر باكونين (Mikhail Bakunin 1814 – 1876) وعالم الجغرافيا الطبيعية الروسي كروبوتكين (Kropotkin 1842 – 1921) .. وهي فكرة تقوم على مجتمع إشتراكي شيوعي لا حكومي بلا رئاسة ! .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home