Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Qadri el-Khoja


Mohammed
Qadri el-Khoja

Thursday, 22 December, 2005

العـودة إلى أرض الوطن!!

محمّد قدري الخوجة

سويعات وتطأ قدماي أرض وطني المعطاة أرض الزهر والحنّة، سويعات وتتشرف قدماي بملامسة تراب بلادي بعد غياب امتد لسبع وثلاثين سنة مليئة بالآلام وأنين الغربة، سبع وثلاثون سنة من التحرك والعمل من أجل إظهار الحكم الذي انهار بكافة العيوب والسلبيّات والنّواقص سواء أكانت حقيقية أو مصطنعة!! فكم من لقاءات واجتماعات، وكم من بيانات ومذكرات وكم من ملصقات ومقالات مكتوبة ومسموعة ومصوّرة، وكم من سفريات من بلد لآخر أو من مدينة لأخرى كانت جميعها محاطة بالسّرّيّة والتكتم والحذر والتمويه والخوف من الاغتيال أو الاختطاف!!

كلّ تلك المحاذير والمتاعب قد زالت الآن، وها أنا في طريقي، إلى بلادي، إلى موطني وموطن آبائي وأجدادي برفقة هؤلاء الرّفاق الذين امتدّت غربة بعضهم عن أرض الوطن سنوات تتعدى سنوات غربتي، وبعضهم الآخر تتساوى سنوات غربتهم مع سنوات غربتي أو أقل!! الذين لا أستطيع التعبير عمّا يجيش في أنفسهم من مشاعر وأحاسيس وعواطف وتصورات وخيالات وأفكار!!

وفجأة قطع تفكيري صوت أحد أولئك الرّفاق وهو يتساءل : كم ساعة من الوقت تفصلنا عن الوصول إلى مطار طرابلس؟ ساعة؟ أقل من ساعة؟ هذا التذكير، وهذه الأسئلة ألهبت مشاعري وتفكيري وجعلتني كسّابح في الفضاء يغمر كيانه الفرح الشّديد ويهز وجدانه بأحاسيس جميلة، إنّها مشاعر فرح وسعادة فاقت كلّ أحاسيس ولحظات الفرح والسّرور التي عشتها طيلة حياتي، هذه المشاعر تختلف نوعًا ودرجة عن مشاعر ليلة زفافي، ويوم مولد ابني البكر، ويوم سماعي بنتائج نجاحي في المراحل الابتدائية والإعدادية والتّوجيهيّة والجامعة، ويوم حصولي على درجة الماجستير والدكتوراه!! مشاعر وأحاسيس هذه اللحظة، لحظة العودة إلى أرض الوطن بعد غياب دام 37 سنة، تختلف عن مشاعر الفرح الذي غمر وجداني وشلّ كياني عند سماعي خبر وفاة معمر وانتهاء فترة حكمه!!!

في هذه اللحظات تمرّ أمامي صور الخميني وهو في طريقه من فرنسا إلى إيران بعد غياب دام سنوات طويلة وأحاول تصور مشاعره، بل أحاول تصور مشاعر القذافي ذاته لحظة نجاحه ورفاقه في تغيير الحكم الملكي السّابق، أتخيله وهو جالس في حجرة البث بإذاعة بنغازي وهو يعلن على أسماع العالم سقوط الملكية وتحوّل ليبيا إلى الجمهوريّة، وأتخيله وهو يقف أمام حشد من الآلاف المؤلفة من أبناء وطني في أوّل خطاب جماهيري له أمام أبناء الشّعب الليبي ـ وأنا أحدهم ـ الذي غمره الفرح والابتهاج بتغيير نظام الحكم!!

وعلى الرّغم من كلّ هذه التّصوّرات والمحاولات، فإنّ مشاعري في هذه اللحظات هي أكبر وأعظم وأعمق، إنّ كياني الذي أحس به خارجًا عن ذاتي من شدّة الفرح تمتزج فيه مشاعر السّعادة والتّرقّب وفي محاولة سباق الزّمن بتخطّي هذه السّاعات والثّواني، إنّني أتخيّل لحظات هبوط درجات سلّم الطّائرة، ولحظة ملامسة قدميّ أرض وطني الغالي التي لن تعادلها لحظة ملامسة قدم رجل الفضاء سطح القمر لأوّل مرّة في تاريخ البشريّة!! سأخرّ ساجدًا لله شكراً ومقبّلاً تراب بلادي، ولولا الحياء وهيبة الحدث لتمرغّت فيه لتلامس حبّات تراب أرض وطني كافّة أجزاء بدني!!

بعد فترة وجيزة لا تخضع لقياس الزّمن سيستقبلني الآلاف الآلاف من أبناء وطني، وستكون مشاعر الفرح والسّرور ممتزجة ومشتركة، ولا يضيرني إن كانت مشاعرهم فرحهم وسعادتهم باستقبالي أو بتغيير نظام الحكم واستبداله، أو بهما معًا!!! المهم، ها أنا عائد إلى بلادي، بل وسأكون على رأس الحكم الجديد، فأنا القائد وأنا البطل، وأنا المنقذ!!!

لحظات وسأكون أمام الآلاف من أبناء وطني، بل سيسمعني الملايين في ربوع الوطن ومن في خارجه، وستنطلق الكلمات والعبارات مدويّة لتفجر العواطف والمشاعر التي كانت مكبوتة في داخل نفس كلّ مواطن خلال السّنوات الماضية السّبع والأربعين الماضية، سأذكر الشّهداء بالفخر والاعتزاز، وسأذكر الأسرى والمعتقلين والمفقودين والمهاجرين، وسأذكر معاناة أبناء الوطن!!! وسأبشرهم بالحريّة والدّيمقراطية الراشدة وبالإنعتاق والتمتع بخيرات الوطن وبالعدالة وبـ ........!!!! وسأذكر لهم المعاناة والشّقاء التي عشتها في الغربة، وسأحكي لهم ذكريات سنوات النّضال، وسأمنيهم بكل الأماني والآمال التي تنتظرهم وكنا معها على قدر....!!

بعد أقلّ من ساعة هبطت الطّائرة، وفتحت عينيّ بكلّ قوّة وأنّا أشعر ببطء في حركة جسمي بسبب فترة النّوم التي أمضيتها وأنا على متن الطّائرة!! أشعر بدوران وهبوط في كافة أطراف جسمي، وبكلّ قوّة وضغط أحاول فتحي عيني لأرى من خلال نافدة الطّائرة المطار وأبناء وطني المحتشدين فيه لاستقبالي. يا إلهي!! المطار ليس مطار طرابلس العالمي!! إنه مطار جديد رائع! هل هو مطار طرابلس وقد أجريت عليه تحسينات؟! أم هو مطار آخر؟! هل هو مطار تونس أم القاهرة أم مالطة؟ أم أنا في حلم، أم كابوس؟!! مستحيل!! ها أنا أرى بعيني التي أحاول فتحهما بكلّ كدّ وجهد كبير عشرات، بل مئات الجنود الليبيين بأسلحتهم!!! هل هم حرس الشّرف لإستقبالي وأداء التّحية الرّسميّة لي كرئيس جديد!!، ولكنني لم أر جموع المواطنين، ولم أسمع أيّ هتاف!! بل ليس هناك أيّ مظهر من مظاهر الاستقبال من زينات وأعلام وصور!! هل بعد هذا الاستقبال المحدود سأكون في العاصمة بين الجماهير في أوّل لقاء، وأوّل خطاب جماهيري في ربوع بلادي!!! وهل... وهل...؟؟

وعلى الرّغم من أنّني مجهد بشكل لم أعهده في حياتي، واسترخاء في جسدي ما عرفته سابقًا! إلاّ أنّني شعرت بانقباض وخوف يعصف بوجداني، خاصّة أن بعض الضّباط الذين صعدوا الطّائرة وكنت أظنّهم وفد الإستقبال لكن ملامحهم كانت عابسة ووجوههم متجهّمة، ومع ذلك فلربما هذه من سمات الضبط والرّبط لدى القوّات المسلّحة!! فيا ترى ما سبب هذا الانقباض والخوف ومشاعر الضّيق التي أحسست بها؟!!

يا إلهي!، إنّني مجهد غاية في التّعب والإرهاق! لقد قضيت ساعات وساعات غارقا في النّوم داخل الطّائرة! يا إلهي!، كيف استقلت الطّائرة؟ ومتى ذهبت إلى المطار؟ وأيّ مطار؟ يا إلهي!، ما حدث لي؟ إنّني مجهد كأنّني مصاب بالشّلل!

يا للهول!!، لم يكن هذا حلمًا!! ولا كابوسًا مرعبًا!! إنّه واقع حزين ومأساويّ، إنّني مخدّر، ومرافقي في الطّائرة من حرّاس وضّباط المخابرات!! والمطار الذي حطّت فيه الطّائرة التي تقلّني هو مطار داخل ليبي، وهؤلاء الجنود المستقبلين الذين اعتقدت أنّهم طابور شرف لاستقبالي، إنّهم في مهمة حراستي فقد تمّ اعتقالي وتهريبي إلى ليبي، وها أنا رهن الاعتقال!!

لقد تغيرت رؤى وأحلام العودة المظفرة لأرض الوطن إلى التفكير بمصيري خلال السّاعات القادمة!! يعتصرني الألم ويقبض على أنفاسي الخوف والهلع، إنّ كياني مشلول شللاً كاملاً من شدة الخوف!! بالإضافة إلى المخدّر الذي حقنت به! ولكن : متى؟ وأين؟ وكيف؟

إنّ هذه اللحظات، لحظات الخوف والهلع هي أعمق وأكبر من تلك اللحظات التي تصوّرت فيها نفسي عائدًا إلى أرض الوطن منتصرًا!! فهذه المشاعر حقيقية تعيشها كلّ ذرة في جسمي وكياني، لكن المشاعر السّابقة، فقد كانت مشاعر أحلام عشتها وأنا أغطّ في النوم بفعل المخدّر!! يا للهول!، ماذا سيحدث لي؟ بكلّ تأكيد الموت!! ولكن كيف؟ ومتى؟ وأين؟ هل سأعدم فورًا؟ أم سأعدم لاحقًا بعد التّحقيق والتعذيب؟ وكيف سأعدم؟ هل برصاصة أم بحبل المشنقة؟ أم التهام بواسطة أحد النّمور؟ أم بطمس جسدي في محلول كيماويّ لا يبقي أيّ أثر؟ وهل سأعدم بعيدًا عن الأنظار؟ أم أمام أفراد الشعب؟ فبدل إلقاء خطاب الانتصار وتفجير كوامن الفرح بالتغيير، ستظل جثتي معلقة أمامهم كعدو للشّعب!! إنّ الفاصل بين الاثنين الحياة والموت، الفرح والحزن، اليقظة والحلم أقل من شعرة!!

محمّد قدري الخوجة
Nkadri2004@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home