Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salem el-Hasi

Tuesday, 16 May, 2005

"عـوَّزْتْ الوطِـنْ ترْبَـح ياهُـمَام"

سالم الحاسي

مع حرصي على تجنب الرثاء والتأبين، والتصدر لتعديد مآثر المتوفين، حتى لا يُستدرَك عليّ بالمثل الليبي العامّي "الميت كرعيه اطوال" .. إلا أنّي لا أرى حرجا في الحديث عن السيد حسين مازق رحمه الله.. حيث هو حالة مختلفة تماما.. لم يكن في حاجة إلى الموت ليزداد طولا .. ولا أظن أن يُقال فيه بعد موته أفضل ما شُهد له به في حياته.

منذ الصغر وأنا اسمع باسم حسين مازق يتردد في كل بيت من بيوت شحات.. لا كمدير، أو والي، أو وزير، أو رئيس للوزارة. بل كإنسان أصيل شهم جواد كريم. نشأ في شحات، وترعرع بين تلالها وصار واحدا من أهلها.

كان "بومازق" عند أهلنا مضربا للمثل.. ليس في المال أو الجاه أو السلطان.. بل في النجابة ودماثة الخلق، والحياء والتواضع وصلة الرحم والبرّ بالوالدين.

كان بيته يقع بالقرب من "بيرقو شحات" ملاصقا "لكامبو العسكريّة" أمام "الفرماريّة القديمة".. لم يكن أفضل بيوت شحات هيئة، ولا أعلاها بنيانا، ولا أكبرها مساحة.. ففي شحات بيوت أفضل منه بكثير، مثل فيلا علي أفندي القريتلي، وبيت حسين الصرار بونواره، ومنزل القنصل الأمريكي.. إلا أنّ بيت بومازق كان في نفوس الناس أكبر - بالسيد حسين - من هذه البيوت كلّها ، وأكثر منها عمارا .. وحتى وإن كان آل مازق لا يتواجدون فيه معظم السنة - بفعل الإقامة الدائمة في بنغازي - إلا أنّه كان قبلة للمحتاج، وملجأ لصاحب المظلمة، ومقصدا لكل ذي حاجة.. لا تحيط به أسوار، ولا تحرسه كتائب مدججة. ولا يحتاج قاصده لموعد مسبق، أو يلزمه تصريح أمني.

تقلب السيد مازق في المناصب من مدير، إلى والي، إلى وزير، إلى رئيس للوزارة، دون أن يتبع ذلك تقلب في الطباع والسلوك، أو تبدّل في المعشر.. بل ظل على نفس العفويّة والتواضع، والحياء والخلق الرفيع.. وفيّا لأهله وجيرانه ومحبيه.. واستمر أهل الحظوة عنده- كسالف العهد- عامة الناس، أمثال يونس الدرسي، وعثمان الماوي الحاسي، وعبدالسيد الفرماري البرعصي. لم يكونوا وزراءا، أوضباطا برتب كبيرة، ولا أثرياء، ولا أصحاب مناصب عالية في الدولة.. بل كانوا من العامة، ربطتهم به علاقة امتدت في عمق الزمان.. ظلوا أوفياء له حتى بعد خروجه من الحكومة، وتبدّل الأحوال.. وهو بدوره حفظ لهم هذا الود، وذلك الوفاء.

وكمِثل أقرانه بناة دولة الإستقلال، لم يُسخّر بومازق وظائفه الحكوميّة لمصادرة حق إنسان، ولا لاغتصاب ملك أحد.. بل أمنه الناس على أرواحهم وأعراضهم وحقوقهم وأملاكهم، واستأنسوا بجواره. إلى أن اقتلعه الإنقلابيون من شحات بعد 1969، عندها غاب الأمن، وأهدر كلّ حق.. فاغتصب علي الكيبلو القذافي بيت حسين الصرار بونواره، وصادرت صفية فركاش - المنتسبة للبراعصة - بيت القنصل الأمريكي استراحة لنفسها.. ولا عجب، فكما يقول المثل الليبي: "على قيس مرتعها اتدر حليب".. أو كما جاء في الأثر المروي عن الإمام علي كرم الله وجهه: "ليس اللصيق كالأصيل".

صدق في بومازق حديث رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ " فقد عُرف- رحمه الله- بصلتة للرحم، وحرصه على الواجب الإجتماعي.. بيد أنّ الرحم عنده لم يقف عند الحدود الضيقة المتعارف عليها.. الرحم عنده كان مترامي الأطراف.. دوائره متشابكة، ، متداخلة في غير انفصام أو تناقض.. فقد كان رحم بومازق في البراعصة ممتدا إلى كل الحرابي.. وفي الحرابي يشمل البادية بشقيها سعادي ومرابطين.. وفي البادية جلّ برقة حضرها وباديتها سواء بسواء.. وفي برقه موصول بجميع الليبيين دون انفصال..

ورث بومازق الوجاهة من جده أبوبكر بوحدوث رأس البراعصة.. من أعرق قبائل بادية برقة.. إلا أنّه لم يكن قط قبليّا، بل كان وطنيّا، محبّا للوطن ولأهله.. فمع كامل اعتزازه وفخره بأهله ونسبه، ودون تنكر لأصله، ومن غير نقيصة تشينه، نشأ خارج قبيلته.. وأصهر إلى غير أبناء عمومته.. وأقام عند الحضر.. وزوّج كلّ بناته- إلا واحدة- لغير البادية... وصاهر شرق ليبيا وغربها.

كان بين أهله البادية بارزا بمسلكه الحضري، في كياسته، ولباقته، وثقافته، وألمعيته.. وكان بين الحضر بدويّا متميزا بأصالته، وشجاعته، وشهامته، وكرمه، وجودة.

كان- رحمه الله- كبيرا تجاوز في كل شيء الحدود المألوفة.. كان أكبر من أن ينسب لبقعة واحدة في الوطن. إذ يحق لوطْن البراعصة (البيضاء ومسه) أن ينتسب إليه فهو من آل حدوث أصلا ومنبتا.. ويحق لشحات أيضا أن تنسبه إليها إذ هو ابنها بالنشأة.. ويحق لسوسة أن تنتسب له فهو صهرها ومديرها.. وحق لبنغازي كذلك أن تنسبه لها فقد كانت هي هواه ومسكنه ثمّ مثواه.. كما يحق لغريان أن تنتسب له فهم خؤولة بعض أبنائه..

لم تكن المناصب الحكوميّة التي تقلدها، لتزيده شرفا، أو تستر فيه نقيصة، بل هو أضفى عليها مصداقيّة، وجعل لها قيمة وفعاليّة.. كان في الحكومة ابن الناس، وواسطتهم إلى الخير.. وبين الناس عنوانا للدولة، وبوابة إليها.

كان في عهد المملكة رمزا من رموز الاستقلال، وأحد بناة دولة ليبيا الحديثة.. تمثلت فيه هيبة الدولة، والإخلاص للوطن، وحسن الإدارة، والتفاني في العمل، وعفة اليد.. أمّا في عهد الانقلاب فقد كان مجرد وجوده، مع صمته في شموخ وإباء- إدانة لمسلك الإنقلابيين.. فقد مد الله تعالى في عمره ليكون شاهدا على عصرين، ومرجعيّة في المقارنة بين معدن وسلوك رجال العهدين.

لم يكن بومازق ملكيا.. لا ارتباط له إلا بالبلاط.. ولكنه كان سنوسيّا قحّا.. ورث التعلق بها من أسلافه.. وتشّرب تعاليمها منذ الصغر،فامتزجت بروحه، وسرت في عروقه، وانعكست على مسلكه.. ظل على وفائه لرموزها طيلة عمره.. لم ينفرط ارتباطه بها مع زوال المُلك، ولم يبدّل ولائه لها بتبدل الأحول.. ولم يخف علاقته بها خشية بطش السلطان.. بل جاهر بها في جرأة واعتزاز على المستويين الرسمي والشعبي.. وظل يحفظ للسنوسيّة فضلها عليه وعلى أهله ووطنه.

ولكنه في الذات الوقت كان له ولأبائه وأجداده في حماية الحركة، وانتشارها بين قبائل برقة فضلا لا يُبز، وسهما لا يُجهل. .. كما كان لهم بعد ذلك قدح معلى في معركتي الجهاد- معركة رد الغزاة، ومعركة الاستقلال-.. فضلا لا ينكره إلا جاحد، ولا يغمطه إلا دعي، ولا ينتقص من قدره إلا جاهل ساذج، يجهل معدن الرجال.

لا أجد في رثاء السيد حسين مازق- رحمه الله- أبلغ من مرثيةِ لسعيد شلبي يقول فيها:

موتَك ناض للجنة وِلايِل... عوّزت الوطِنْ تربح يا همام

سالم الحاسي
15 مايو 2006
alhasi@bellsouth.net


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home