Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Saturday, 31 December, 2005

الأفعى الرقطاء*

ـ قصة قصيرة ـ

صلاح الحداد

-1-

كانت أفعى كبيرة هائلة، أمر لا يكاد يصدق، لقد رأيتها بأم عيني وسمعت فحيحها. ليس هذا حلما، وليس هذا خيالا. أقسم بالأيمان المغلظة والرقيقة، أحلف بالطلاق الرجعي والبدعي والبائن بينونة كبرى. إنها والله، أفعى رقطاء ذات أنياب طويلة، وعينين جاحظتين، وشوارب عريضة. إنها حقا مُرعبة.. مُرعبة، تزحف بقامة طولها نحو أربعين مترا. تتسكع.. تتكسر في مشيتها، وتتغنج في التوائها، ترقص على ألحان الأكشاك المجاورة، بالأخص أغنيتي (ليش الخوف.. ليش ؟) و(جيتك..!!).

يا لها من آثمة.. فاسقة!.

لقد التهمت أمسِ طفلا صغيرا. أجل، خطفته من بين أحضان أمه، أمام الناس جميعا في شارع عمر المختار، ولا أحد تجرأ على الكلام، الكل وقف مدهوشا مرعوبا، الكل لزم الصمت.

-2-

ناشدت الأم ـ وقتَها ـ رجلا كان يبرم شاربه على ناصية الطريق؛ سألته بحق الشوارب المفتولة؛ فلم ينبس ببنت شفة، توسلت لشاعر يبيع دواوين شعره أمام صالة عرض الحمراء؛ فلم يُعرْها أيَّ انتباه، ناشدته بحق الخليل الفراهيدي؛ واضع علم العَروض.. بحق الكلمة والبيان الذي علمه الخالق للإنسان؛ فلم تقفّ له شعرة!.

صاح الطفل وبكى ودمي.. صرخت أمه واستنجدت بصُحُفي يقرأ جريدة الزواحف الخضراء، نادت فيه نخوة الثقافة والمثقفين، وروح الكواكبي والمعري، ناجت فيه الضمير والحق؛ فلم يتمعر له وجه ولا قفا!.

-3-

لم يعد يظهر من الطفل في فم الأفعى سوى رأسه، صرخت الأم من جديد في وجه فقيه كان يشتري اللحم والبخور من سوق المشير، ناشدته باسم الدين وباسم الفتوى في تحريم البيبسي كولا، وباسم جميع الصالحين والمرابطين.. باسم سيدي الشعاب وعبدالسلام الأسمر وسيدي صالح وبلعيد.. باسم المساجد والمآذن والجوامع والمنابر و(المسابح)، وباسم الخطب والجنائز والمآثم ؛فلم يرفع لها حاجبا!.

أعْولت الأم وولْوَلَت باسم عمر المختار، الذي ترتكب في شارعه هذه المجزرة الشنعاء.. باسم الشهداء والمشانق، ولا مجيب!!.

-4-

رفعت عقيرتها ثانية وندبت : واعمْرواه.. واجامعتاه.. واقِمتاه.. واشعبَاه.. وامعارضتَاه.. باسم لوكربي ويوتا ولابيل.. باسم الطير الأبابيل.. ويأجوج ومأجوج، وباسم الصقر الأوحد، ولا حياة لمن تنادي!!.

لقد فرَّ كل من كان حولها.. فرّ الناس جميعا، وفر معهم الشعراء والصُحُفيون والمشايخ واللصوص، والغربان والصقور وحتى الجرذان ولَّت!!. وخيَّم الصمت، ولم يعد ثمة صدى. حينها اختفى الطفل تماما في جوف الأفعى الرقطاء، واختفت الشوارع ونزلت ترقص في قلب الساحة الخضراء!!.
________________________________________________

(*) عن المجموعة القصصية "قطار الحب"، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 2005


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home