Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Wednesday, 31 May, 2006

       
       

الخديعـة (1)

ـ رواية ـ

صلاح الحداد

الفصل الأول

تـنويه : الخديعة رواية تختصر مضمونها في اسمها .. الخديعة هي حكاية هذا الوطن ، الذي ظل مسرحا في معظم حقبه التاريخية للخداع من قبل أهله قبل أعدائه .. الخديعة تعرض كيف أن هذا الشعب ظل ألعوبة من أطراف عدة ؛ داخلية وهي تلكم الجماعات المتعطشة للسلطة والتي غالبا ما تتشكل بالتحالفات القبلية وتتستر بالخرافات والأساطير الدينية ، وخارجية وهي الأخطر والتي ما لبثت تضع العراقيل تلو العراقيل سرا وجهرا ؛ للحيلولة دون نهضة هذا الوطن وتقدمه . الخديعة تأتي في الوقت التي تواصل فيه "الامبراطورية الرومانية الجديدة" مسلسل خداعها القديم الجديد على الأعراب والبرابرة على السواء . الخديعة باختصار هي حكاية أزمة هذا الشعب مع نفسه أولا ومع المعرفة ثانيا ، ولولاهما لَمَا كان للخديعة مكان بيننا . المؤلف


ملحوظة: ستكون "الخديعة" بين يدي القراء في العام المقبل2007.

واشنطن ، ربيع 1801

في ربيع عام 1801 ، انتهت الولايات المتحدة من الاستعدادات لإرسال أسطولها الحربي إلى البحر المتوسط ، وكان يدخل في عداده فرقاطتان جهزت كل منهما بـ44 مدفعا ، وهما (بريزيدينت) و (فيلادلفيا) ، وواحدة صغيرة مجهزة بـ32 مدفعا هي (إيسكس) ، وأخرى شراعية مجهزة بـ12 مدفعا هي (انتربرايز) . كان رئيس الجمهورية "توماس جيفرسون" ، الذي باشر للتو أعماله الرئاسية كثالث رئيس للولايات المتحدة ، يأمل بإرسال أفضل قواته إلى البحر المتوسط ؛ كي تعزز هذه القوة من هيبة الولايات المتحدة في المنطقة . "سوف نلقن هذا الأبله ، ـ ويقصد حاكم طرابلس ـ درسا لن ينساه في فنون القتال" . قال الرئيس موجها كلامه لنائبه ووزير دفاعه في مكتبه الرئاسي . "وسنجعله نصرا مدويا ندشن به حقبة جديدة لأسطولنا وتواجدنا العسكري في أكثر مناطق العالم حيوية ، وبهذا أيها السادة نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو بناء الامبراطورية الأمريكية" واصل جيفرسون حديثه بنبرة لا تخلو من الثقة المفرطة بالنفس ، مطلا بعينيه الزرقاوين عبر النافذة على حديقة القصر ، وقد أضفى لون شعره الرمادي على شخصيته هيبة وجلالا . "لكن سيدي، ألاَ يعرضنا هذا لخطر المجازفة بمصالحنا التجارية..." . علق نائبه "آرون بور" بحذر بعد أن نهض من كرسيه قلقا ، لكن الرئيس جيفرسون لم يدع له فرصة تكملة حديثه ، وأقبل عليه بعينيه اللامعتين الصغيرتين ، والسيجارة الفاخرة بين يديه قائلا "كلا ، إننا لن نخضع بعد اليوم لسلطة أولئك البرابرة وابتزازاتهم المشينة .. إن وقت دفع الجزية قد ولَّى يا سادة . إننا كأمة عظيمة نالت استقلالها من أعظم قوة في العالم ، لابد وأن تكون لنا مكانة مرموقة بين الأمم .. لابد أن نصنع تاريخا يظل مفخرة لأجيالنا المقبلة . ولكي نحقق هذا فلابد من أن نعلم أن الطريق لا يكون إلا عبر السيطرة على ضفاف المتوسط؟" سادت لحظات صمت وترقب ، ثم خطى خطوات باتجاه خريطة العالم المعلقة على الحائط مقابل مكتبه الفاخر ، وهو يشير بعصاه إلى حوض المتوسط : "من هنا انطلق الاسكندر الأكبر لغزو العالم ، ومن ثم السيطرة عليه ، ومن هنا انطلق الرومان لتشييد امبراطوريتهم ، التي اكتسحت نصف الكرة الأرضية ، ومن هنا أيضا انطلق الأعراب لبسط نفوذهم وسيطرتهم على جنوب أوروبا .. ومن نفس المكان سننطلق نحن اليوم لتركيع العالم بأسره .. هذا هو الحُلم الذي يراودني أيها السادة ، لا مكان للحوت الصغير بعد اليوم" .. توقف قليلا عن الحديث ؛ ليتناول رشفة من كأس الوسيكي ، ثم واصل متسائلا بنبرة لا تخلو من التهكم : "كم يحتاج هذا الصلوك من بوارج حديثة لتأديبه ، واحدة اثنان ثلاثة .. حسنا ، سنرسل له أسطولنا الحربي بأكمله .. ألاَ يكفي أسطولا بحريا مجهزا بأقوى المدافع وأشجع الرجال لدحره ؟" وضع تساؤله أمام جنرالاته العسكريين ، مع ابتسامة تبدي تصميمه على المضي قدما في خياره الاستراتيجي هذا .

وبعد إنهاء المشاورات كان الأمر قد صدر إلى الأميرال "ريتشارد ديل" بقيادة هذه الحملة ، والتوجه إلى البحر المتوسط ؛ لإلقاء الرعب في قلوب حكام الشمال الأفريقي ، وإيجاد موطئ قدم للامبراطورية الجديدة . لقد كان انتقاء مدروسا بعناية ، ذاك القرار الذي تم بموجبه تسمية هذا الأميرال ؛ أحد أبطال حرب الاستقلال ، والذي يتمتع بخبرة واسعة في مجال البحرية العسكرية . ناهيك عن علاقته الحميمة بالرئيس جيفرسون ، إذ ينحدر كلاهما من بلدة "فيرجينيا". ودّع الأميرال ديل ذو الخامسة والأربعين عاما زوجته وولديه وداعا حميما ، ثم انطلق على صدر الفرقاطة فيلادلفيا صحبة رفاقه وجنوده .

طرابلس الغرب ، ربيع 1801

كانت الاستعدادت في ميناء طرابلس تجري على قدم وساق . وها هم الطرابلسيون اليوم يتهيأون لإنزال سفينة جديدة إلى البحر ، كانوا قد غنموها من الأسطول السويدي . كان الجو لطيفا منعشا ، وزاده إنعاشا تلكم الاحتفالات التي حوّلت هذا اليوم إلى يوم عيد كبير ، احتشد لحضوره جمع غفير من الطرابلسيين ، يضم في طليعته المقربين من السلطة بمن فيهم صهر يوسف باشا أميرال إيالة طرابلس المستجد على الإسلام والمعروف باسم "مراد رايس" ، و"البحباح" رئيس المرسى وكبار العساكر والمستشارين من الانكشارية ، إضافة إلى ممثلي القنصليات الأجنبية . ووفقا للتقاليد الدارجة فقد شُدَّ عبدٌ أسود بمقدمة السفينة ، في إشارة إلى ما يسجده هذا المنظر من المغانم الكبيرة التي تحققها تجارة العبيد .

وفيما كان الباشا يوسف القرمانلي يراقب الاحتفال من شرفة قصره في القلعة المطلة على البحر ، كانت الخراف ناصعة البياض تساق إلى الشاطئ وهي مزينة بالزهور والفل والياسمين الطرابلسي . وأنزلت السفينة إلى البحر . وفي لحظة بداية حركة السفينة من مزلق الترسانة إلى البحر ، شرع المكاروية (وهم العبيد الأجراء) بنحر الخراف ، وهو ما يعني طالع سعد يمني بالتوفيق والنجاح . وما إن دخلت السفينة الميناء حتى تعالت طلقات البطارية الساحلية ومدافع السفن . وابتدأت النوبة (وهي فرقة الموسيقى الشعبية) تعزف ألحانها ابتهاجا بهذا اليوم جنبا إلى جنب مع فرق الزكرة والعوادة والطبالة . والآن وقد عزز الباشا أسطوله البحري بعديد السفن والمراكب ، التي يعد جلها حصيلة إما غنائم من عمل القرصنة كهذه السفينة ، وإما هدايا من قبل الباب العالي كتلك السفينة التي تلقاها الباشا عند تنصيبه واليا على الإيالة من السلطان "سليم الثالث" ، والمجهزة بـ18 مدفعا وبالذخيرة وبجميع اللوازم الأخرى .

"لقد قمنا يا مولاي بإقرار السلام والأمن في الإيالة طرابلس ، وعملنا كل ما في وسعنا من أجل إقرار النظام في البلاد " قال رئيس وزرائه "إسماعيل الخوجة" المعين في هذا المنصب الجديد ، وهو يحاول شارحا أوضاع الإيالة إلى الباشا في الحضرة "مجلس الحكم" داخل القلعة بعد أحداث الشغب الأخيرة . ثم أضاف قائلا: "ومن أجل القضاء على أحداث الفوضى والنهب ، التي سادت أخيرا ، تم فرض عقوبة الإعدام على أقل سرقة . وكدليل على عزيمتنا الحديدية هذه يا مولاي ، كنا للتو قد علقنا على باب هوارة جثث بعض الخارجين عن القانون ؛ لبث الرعب في كل من تسول له نفسه الخروج عن طاعتكم ، يا مولاي المعظم" . وقد خطف نظرة سريعة إلى شيخ البلد "الشيخ حمد الفرطاس" ، غامزا بعينيه . وفهم الشيخ ذو الكرش الكبير الإشارة ؛ فهزّ رأسه مبديا افتخاره بالفتوى ، التي أصدرها في حق أولئك السراق ومثيري الفتن على حد تعبير المفتي . وربما من المهم في هذه المناسبة أيضا ذكر أول ما كان من أمر يوسف باشا ، وذلك حينما أرسل كتابا لعامله في برقة فعمل بخلافه ؛ فبعث بصلبه بفم داره ، وجعل الكتاب على جبهته . أجل ، إنه يوسف باشا الوالي الذي لا يعرف المزاح أبدا .

كان يوسف باشا يرفل في كاطه الحريري وهو ينصت بحذر إلى رئيس وزرائه ، وبريق خاتم الذهب يلمع في أصبعه . لم يؤثر فيه شرب النبيذ الفرنسي ، الذي وصله مؤخرا هديةً من صديقه "نابليون بونابرت" الامبراطور. كانت ملامحه أقرب ما تكون إلى الصرامة الرومانية منها إلى الملامح الوضاءة . أشاح بوجهه عن رئيس وزرائه ، وثبّت عينيه السوداوين على وزير خارجيته وصهره المقرّب في ذات الوقت "حسونة الدغيس" : "هل هنالك من رد من أولئك العلوج الملاعين؟" . "مَنْ من العلوج تقصد يا مولاي الباشا؟" ردّ الوزير في هدوء بعد أن ملأ كأس الباشا بمزيد من النبيذ وهو يخفي ضحكته الساخرة بين أسنانه . "ومن يكون غير أولئك الأوغاد الأمريكان" "كلا يا مولاي لم نتلق أيّ رد إيجابي من القنصل كيسكارت بعد" . رد وهو يهز رأسه بالنفي . همهم الباشا ثم قال مستديرا بوجهه ناحية البحر : "قل لي كم مرّ من وقت على خطابنا ، الذي أرسلناه لهم بهذا الخصوص؟" سأل الباشا وقد بدا يفقد أعصابه . "ثلاثة أشهر يا مولاي .. ثلاثة أشهر ويومان بالضبط" ردّ الوزير ، مبديا حرصه على الظهور أكثر انضباطا ودقة . كان يوسف باشا في أوج عظمته حينما أباح لنفسه رفع قيمة الإتاوة المستوفاة من قناصل النمسا وإسبانيا وهولندا والسويد ، وقد هددّ الولايات المتحدة بالحرب إن هي امتنعت عن ذلك . كانت شينياته "سفنه" تخرج إلى عرض البحر ، ثم تشرع في المفاوضات بعد أن تستولي على سفن هذه الدول ، وكان غالبا ما يتم تسوية الخلافات والتوصل إلى الاتفاق بالطرق الدبلوماسية . كان في أواسط الثلاثنيات من عمره ؛ شابا يافعا يتصف بالقسوة والجرأة والطموح الشديد ، الذي لا يحده حد ولا يقف في وجهه شيء ، والذي يدفع صاحبه إلى اتباع كل الوسائل للوصول إلى غايته . وفي ذلك الخطاب الذي وُجّه إلى الحكومة الأمريكية عبر قنصلها في طرابلس ، يظهر جانب كبير من هذه القسوة والجرأة ، حيث طالب الباشا بشكل واضح لا لبس فيه الولايات المتحدة أن تعمل على تجديد الاتفاقية ، دون تدخل من الجزائر وأن يقدم الأمريكيون دفعة مسبقة بقيمة 225 ألف دولار ، إبداءً لحسن النوايا وإلا فالحرب .

"أفهم من هذا أن الولايات المتحدة تعمد إلى إطالة أمد المفاوضات بأي وسيلة كانت ، أملا في كسب الوقت لا غير... أولئك الأنذال سوف لن أدعهم يفلتون من يدي هذه المرة .. إنهم لا يزالون يجهلون من يكون يوسف باشا القرمانلي .. حسنا أيها الكفرة ، سترون قريبا يوم سعدكم" . صاح صيحة مضرية ، رددت صداها أسوار القلعة المهترئة من شدة القصف ، الذي تلقته مؤخرا من البوارج الفرنسية والإنجليزية ، ضاربا بقبضة يده على مقبض كرسيه المرصع بالذهب الخالص ، بعد أن جلس مستدعيا مستشاره الخاص "الكيخيا الكبير" ، وقد بدا يهمس في أحد أذنيه بشئ ذي بأس .

على الرغم من امتناعه عن مهاجمة سفن الولايات المتحدة طيلة عام كامل إلا أنه لم يحصل على إتاوة سنوية مجزية ، إسوة بحكام الجزائر وتونس . وقد حاول الإنجليز استغلال هذه النقطة ؛ للثأر من عدوتهم اللدوذة وذلك من خلال الإيحاء للباشا بإعادة النظر في شروط المعاهدة مع الولايات المتحدة ، عبر قنصلهم في طرابلس الغرب "لوكاس". وقد زاد من تفجر غضب الباشا الوضع الاقتصادي الصعب في البلاد ونقص الأموال اللازمة للإنفاق على الجيش والجهاز الإداري . كان جيش القرمانلي ينظم في العادة من بين المرتزقة ، ويجمع الجيش بالدرجة الأولى من القولوغلية والانكشارية المقيميين في طرابلس ، بالإضافة إلى الكتائب المسلحة المشكلة من بين القبائل الصديقة للباشا . وكان القولوغلية يشكلون الركيزة الأساسية للجيش . ويقدم رؤساء تجمعات القولوغلية العدد المطلوب من الجند لقاء الإعفاء من الضرائب وبدلا لامتيازات أخرى . وقد كان بوسع يوسف القرمانلي الآن ، أن يجمع جيشا يضم 10 آلاف خيال ، و40 ألفا من المشاة . أما بالنسبة للكتائب المقاتلة ، فكانت تستخدم بصورة ناجحة في الحملات التأديبية ضد القبائل ، التي تكون في حالة عداء مع القبيلة الموالية لحاكم الولاية . أما الانكشارية فكانوا يثبتون أركان الجيش من خلال كونهم المقاتلين المتخصصين ، وما كانوا يقاتلون ببراعة إلا عند التعويض المادي الجيد على خدماتهم . أما أسطول الولاية فلم يكن القوة المطلوب منها حماية البلاد من العدوان الخارجي بقدر ما كان القوة التي تؤكد هيبة الإيالة والمنبع المهم لتحصيل الأموال ، التي كانت ضرورية جدا من أجل إثراء الصفوة الحاكمة العليا ، والإنفاق على الجيش وعلى النظام الحاكم بمجموعه . وكان يشمل على 20 سفينة مجهزة تجهيزا عسكريا جيدا ببحارتها البالغ عددهم حوالى الـ 1000 . وإلى جانب الجيش كان ليوسف باشا فرق نظامية خاصة ، تدعى (الشاويشية) لمهمة الحفاظ على القصر والمدينة ، وكان يخدم فيها الانكشارية والمسيحيون الذين اعتنقوا الإسلام ، بالإضافة إلى الزنوج الذين أعتقوا من العبودية .

وادي المجنين 5 مايو ، 1801

بعيدا عن العيون ، كان الباشا يوسف يعقد مفاوضته السرية شخصيا مع الفرنسيين في موضع يُدعى "وادي المجنين" متنزه الباشا الأنيق ، جنوبي طرابلس . يمثل هذا المكان أحد أجمل قصور الباشا ومنتزهاته الخاصة ، ففيه من أنواع الشجر ما يندر وجوده في غيره كما فيه بساتين غناء ومناظر خلابة ، تشرح الصدر وفيه أيضا من جيد أنواع الثمار والظلال الوارفة . هذا فضلا عما تزخر به دهاليز القصر وأروقته من جواري حسناوات من مختلف البلدان . كانت الشمس آخذة في المغيب ، عندما حطّت عربة السيد "سوفيريو ناوودي" أمام واجهة القصر وقد بدت أسواره العالية ، التي شيدت من الحجر المالطي . كانت الواجهة حقا مذهلة ، فهي تتمتع بزخرفة متنوعة نباتية وهندسية في تناسق بديع ، وكأنها مستوحاة من الفن الإغريقي القديم ، بلمسات عثمانية متقنة . لا شك أن فرسان القديس يوحنا ـ وهم من شيد هذا القصر عند سيطرتهم على طرابلس في بدايات القرن السادس عشرـ كانوا قد صمموا على إظهار الروح الإغريقية في هذه الزخرفة بوضوح ، حيث زهرة الاكتناسيوس ، التي استعملها اليونانيون والرومان أيضا بكثرة في فنونهم الزخرفية ، كذلك أكاليل الغار المعروفة في الأساطير اليونانية ، كرموز للنصر والسؤدد ، بالإضافة إلى هذه الزخاف الرائعة هناك أيضاً الدعامات الآيونية والكورنيشية ، وهي تعلو باب المدخل الذي يطوقه عقد من الزخارف النباتية . أما في منتصفه تماما فيبرز نحت على هيئة رأس بشري وكأنه إله من آلهة اليونان العظيمة .

"أهلا بأصدقائنا الفرنسيين .. أهلا وسهلا" قال الباشا مرحِّبا بموفد نابليون الخاص في أحد أفنية القصر المرصوف بالرخام الفخم الجميل ، وهو يهز عصاه الخيزارنية . انحنى موفد نابليون انحناءة طفيفة ، نزع فيها قبعته محييا الباشا "أسعدتم مساءً يا مولاي .. يسعدني بداية أن تتقبلوا هديتنا المتواضعة من الامبراطور" . كانت الهدية عبارة عن سفينة "البرانس" تعويضاً عن السفينة الطرابلسية ، التي أحرقها الفرنسيون بالإضافة إلى مسدس فرنسي كلاسيكي مطلي بالذهب ، وتحف فرعونية ثمينة وحُلل وأزياء حريرية وعطور مع أجود أنواع النبيذ الفرنسي الأحمر ، الذي لا يرضى له الباشا بديلا . يبدو أن نابليون كان يعلم أن الباشا يحب الأبهة والفخفخة حبا جما . ثم سلّمه كتابا خطيا من نابليون ، وأعقب قائلا : "إنه يرسل إليكم بالغ تحياته وأرفع وأسمى تقديراته ، متمنيا لكم وافر الصحة وطول العمر يا مولاي" .

كان الجو معتدلا ، تتخلله نسائم صيفية عليلة ، طفقت تعبث بأغصان أشجار الفكاهة في المتنزه . تناول الباشا الكتاب قائلا : "شكرا لكم ، تفضلوا بالجلوس يا كرام" . كانت سرائره المنبسطة تفصح بما لا يدع للشك عن سعادته الغامرة بما تلقاه من هدايا . ثم واصل حديثه مقلبا عينيه الصغيرتين ، "لندخل في صلب الموضوع مباشرة ، لعلكم تعلمون حضرتكم بما تمر به طرابلس من ظروف مالية ومعيشية خانقة ، ولسوء الحظ فها نحن على ما يبدو مقبلون على مواجهة حاسمة مع أولئك الأوغاد (ويقصد الأمريكان بالطبع) ، لذا فقد قلت في نفسي أنني لن أجد غير أصدقائي الفرنسيين لمد يد المساعدة وقطع الطريق على عدوي وعدوكم ، أليس هذا ما تطمحون إليه كذلك ، يا سيد ناوددي؟" تساءل الباشا رافعا حاجبيه السميكين ، متلهفا لسماع الإجابة . هزّ الموفد كتفيه العريضين "بالطبع يا مولاي ، فإن حكومتنا هي الأخرى تسعى إلى إبرام معاهدة مع بلدكم ، نؤمن فيها حرية تنقل رعايانا وبضائعنا التجارية فوق كامل أراضي الإيالة ، والأهم من ذلك كله فإن القائد بونابرت ينوي إرسال مزيد من التعزيزات إلى حملته في مصر ، مفترضا الحصول على موافقتكم بأن يلقى أسطوله الفرنسي ملجأ له في ميناء درنة ، أو خليج بومبة بطبرق . بالإضافة إلى ذلك ، فهو يخطط أيضا للحصول على موافقة لضمان العبور السلمي للتعزيزات عبر أراضي إيالة طرابلس الغرب ، في حالة مواجهة أية صعوبات مع الأسطول الإنجليزي في البحر . عندها سنكون في مسيس الحاجة إلى معونتكم ، يا مولاي" . قال ناوودي متأملا ردا إيجابيا . ابتسم الباشا ابتسامة ماكرة "لا عليكم بهذا كله ، سوف نأمن لكم كلّ ما تطلبون شريطة أن نحصل على أموال ومعدات عسكرية ، نطور بها أسطولنا وقواتنا البحرية" . قال الباشا بعد أن احتسى رشفة من القهوة التركية . "وكم تطلبون إضافة على ما تأخذونه من إتاوة السفن السنوية يا مولاي ؟" التفت الباشا إلى فتيل الزيت "الفنار" وقد انعكس بريقه الأصفر على وجهه المكور وشواربه الطويلة المعكوفة ، قائلا : "ليس كثيرا ، إننا على أقل تقدير نحتاج إلى 90 ألف ريال ، هذا بالإضافة إلى 5 آلاف ريال للوزراء وموظفي الديوان" . كان رئيس الوزراء والكيخيا الكبير (مستشاره الخاص) ، يتابعان الموقف بحذر دون أن ينبس أحدهما بكلمة حتى الآن ، فهما يعرفان جيدا أن الباشا يكره من ينوب عنه في الكلام فضلا عمن يقاطعه . تزحزح موفد نابليون عن مكانه قليلا وقد بدت علائم الدهشة ترتسم على وجهه الأحمر ، ثم قال : "لكن أليس هذا كثيرا يا مولاي؟" . تنهد الباشا طويلا ، ثم قال معلقا بعد أن نهض واقفا من كرسيه : "أخشى أن يثير هذا من متاعبكم ، يا ناوودي ، في الوقت الذي لستم في حاجة إلى .." . لقد بدا الباشا يصعّد من نبرة صوته . وبسرعة البرق قرأ الموفد المالطي الرسالة واضحة ، وأجاب بلهجة مطمئنة بعد أن رفع كأس النبيذ :"لنشرب النخب إذن ، إننا كأصدقاء جيدين لكم ، لا يجب على حكومتنا أن تخذلكم يا مولاي" . كانت هذه إشارة الموافقة من ناوودي ، الذي كان يتمتع بصلاحيات واسعة من نابليون ، تخوله التصرف كيفما يشاء . وانبسطت سرائر الحاضرين ، وأمر الباشا بالتحول إلى رواق الأنس والطرب والرقص ، بعد أن تم التوقيع على المعاهدة الجديدة .

وظل يوسف باشا يتلقى الموارد الكبرى من تمويل الفرنسيين بالمواد الغذائية وتأمين خطوط اتصالهم بالحملة المحصورة ، متجاهلا فرمانات السلطان سليم الثالث . ولم يرق هذا الموقف بالطبع الإنجليز ؛ ذلك لأن جهودهم في حصار الفرنسيين في الشمال الأفريقي كانت قد منيت بالفشل . لكن ثمة شيء أخطر كان قد تسرّب إليهم من بلاط الباشا . إنهم الآن على دراية تامة بكل ما جرى في ذلك اللقاء السري الذي عقد في متنزه وادي المجينين . وحانت ساعة الانتقام ؛ فتقرر على عجل إرسال إنذار من الأميرال "نيلسون" إلى يوسف باشا عن طريق الباب العالي ، يطلب فيه قطعَ العلاقات مع فرنسا فورا ، وإجلاء الجالية الفرنسية عن طرابلس . وما إن تلقى السلطان ذلك الإنذار حتى وجه مبعوثه الخاص إلى طرابلس ؛ ليقوم حاكمها بتوكيد تنفيذهم لأوامره السابقة . لكن الباشا تظاهر على أنه يعمل بناء على تعليمات الباب العالي ؛ فنصح القنصل الفرنسي بأن ينهي شحن المؤن إلى مالطا قبل وصول مندوب السلطان ، وبإنزال العلم الفرنسي ووضع حراسة مشددة أمام منزله . وما إن غادر مندوب السلطان البلاد حتى عاود القنصل الفرنسي نشاطه مجددا .

القلعة 14 مايو ، 1801

في صبيحة هذا اليوم الجمعة ؛ الرابع عشر من مايو ، وبينما كان سكان المدينة يتأهبون لمزاولة نشاطهم وأعمالهم المعتادة ، فتحت بوابة القلعة الشرقية لينطلق منها على وجه السرعة ، كوكبة من الفرسان الانكشاريين الملثمين ، تدعى "الصبايحية" . كلهم يومضون بفعل بريق الفضة على صهوات جيادهم ، مسلحين بأفضل البنادق والسيوف المشرقية . وأخذت تشق طريقها عبر الأزقة الضيقة باتجاه أفخم أحياء البلدة ، حيث يقطن قناصلة الدول الأوروبية ، مخلفة وراءها غبارا كثيفا . إنها "ساحة النصارى" الكائنة في حومة باب البحر ، حيث كنيسة السيدة مريم التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن السابع الميلادي . ولقد بقيت هذه الكنيسة على ما هي عليه بعد دخول المسلمين طرابلس ، وقد بُني بجانبها المدرسة المنتصرية ؛ حيث كانت تقع بينها وبين باب البحر . وهو مبنى من المباني القديمة العجيبة على الطراز القوطي ، وقد وضع على شكل قبة من الرخام المنحوت المتناسب الأعالي والنحوت ، التي لا تستطيع المائة نقل القطعة الواحدة منها ، قامت مربعة ، فلما وصلت إلى السقف ثمنت على إحكام بديع ، وإتقان عجيب . وهي مصورة بأنواع التصاوير العجيبة نقشاً في الحجر . وعلى بعض قطعها من الجهة الشمالية أسطر مكتوبة بخط رومي ؛ ترجمها نصراني بطلب من الفقيه أبي البركات بن أبي الدنيا في القرن السابع الهجري ، فكان نصه : أمر ببناء هذه الكنيسة فلان بن فلان من حلال ماله ، الذي اكتسبه من غلة زيتونة ، وفي يوم إتمامه لبنائها أو شروعه ، وصل الخبر إليه من الشام أن نبياً من العرب ظهر بالحجاز ، اسمه محمد بن عبد الله .

وفجأة وفيما كان القنصل الأمريكي "جيمس كاثكارت" ، يُحرّر تقريرا استخباراتيا عن آخر تطورات الوضع في إيالة طرابلس الغرب في مكتبه بالقنصلية ، ظهر الفرسان الانكشاريون الملثمون وهم يطوفون بالمبنى الكائن بشارع درغوث . ولم تمض برهة حتى أشاروا إلى الحارسين بالمغادرة . بعدها مباشرة ترجل أحدهم من على فرسه ، وقطع سارية العلم الأمريكي بضربة سيفه فيما قام الآخرون بتلقف العلم والركض به ، مطلقين صحيات "الله أكبر" ، عبر الشوارع والأزقة حتى وصلوا إلى "محل الندوة" ، وهو بيت معد لسكنى الجند تجاه الداخل من باب هوارة ومفتحه تجاه القلعة لناحية الشرق بسوق الخضرة والحدادين . وأخذت الناس تتجمهر لمشاهدة هذا المشهد المثير ، الذي انتهى بإضرام النار في العلم الأمريكي . وفي الوقت نفسه كانت الأوامر قد صدرت إلى قائد الأسطول الطرابلسي بالاستيلاء على أول سفينة أمريكية يلتقيها في عرض البحر . كان من الواضح أن الباشا يهدف بهذه المناورة إلى تحقيق أمرين ؛ الأول خارجي ، وهو استعراض قوته البحرية أمام الدول الأجنبية وإثبات أنه لا يزال قابضا بأوراق اللعبة عسكريا وسياسيا . والثاني داخلي ، وهو إلى الشارع الطرابلسي ، الذي يغلي من تردي الأوضاع المعيشية بوجه عام ، وذلك بشغله بشن الحرب المقدسة ضد الكفرة . وقد قام خطيب جامع "سيدي حمودة" ؛ الشيخ عبد الجليل بلعب دور دراماتيكي في إلهاب مشاعر الطرابلسيين ضد الصليبيين ، دفاعا عن بيضة الإسلام وحمى المسلمين . وبالفعل فقد نجح هذا الخطيب المفوه ، بسحر عقولهم وصرف أنظارهم عن أوضاعهم المأسوية ، وتحويلها إلى الجهاد المقدس ضد الصليبيين ، الذي صار اليوم حديث الشارع . كان الشيخ عبد الجليل معروفا لدى الطرابلسيين بكراماته وخوارقه العديدة ، ومن أشهرها حادثة الحوت المقلي إذ سأله يوما صاحبه الحاج سليمان : لماذا هذا التعب ، وقد خاطب الحوت فتطاير وخرج بكثرة بلا صيد . فالتفت إليه الشيخ عبد الجليل قائلا : تفخر علينا يا حاج سليمان بحوتك ، اخرج يا حوت مقلي فخرج الحوت مقليا ؛ فبهت صاحبه . وانتشرت القصة في طرابلس انتشار النار في الهشيم . ومنذ ذلكم الوقت ، صار للشيخ حظوة كبرى عند الحضرة (مجلس الحكم) ، ناهيك عن سلطانه الروحي على العامة من الطرابلسيين ، إذ كان باستطاعته أن يبكي المصلين ويهيجهم من دون أن يرف له جفن . وهو الأمر الذي استغله الباشا بذكاء تام كلما أوعزته الحاجة لتشتيت مناوئيه وتفويت الفرصة عليهم .

كان وقع حرق العلم الأمريكي على قلب القنصل كوقع الصاعقة ، واشتط غضبا حينما وصله خطاب الباشا ، يأمره بمغادرة البلاد فورا . كانت الأجواء مشحونة والنفوس معبأة بفيض من الكراهية ومشاعر الانتقام من الجانبين . ولم يستطع القنصل فعل أي شيء سوى تمزيق معاهدة السلام والصداقة ، التي وقّعها مع طرابلس الغرب سنة 1796 ، "اللعنة على هذا الشيطان .. لقد تجرأ هذا الأحمق على تنفيذ تهديداته ، لكنه سوف يدفع الثمن غاليا" . قال وهو يكاد ينفجر من الغيظ . وعند حلول المساء ، طفق المنادون يجوبون الشوارع ؛ قارعين طبول الحرب ، فيما شرعت المآذن تلهب حماس الناس بآيات من الذكر الحكيم ، تحرضهم على قتال الصليبيين . وخلال عشرة أيام بالضبط بعد الحادث ، غادر القنصل الأمريكي "كاثكارت" طرابلس صحبة أسرته عبر البر متجها إلى تونس . وهكذا يكون الباشا قد دق بالفعل أجراس الحرب ، التي لم يسمع قائد الأسطول الأمريكي "ديل" بأصدائها إلا في الـ30 من يونيو ، وذلك عندما دخل جبل طارق للتزود بالمؤن . وهلع ديل مما سمع ، إذ لم يكن يتوقع أن تجري الأمور بكل هذه السرعة . وصدرت الأوامر منه على الفور بإغراق وحرق وتدمير أكبر عدد من المراكب الطرابلسية ، التي من المحتمل أن تواجههم في عرض المتوسط .

فجر الثلاثاء وفيما كان ينشر خيوطه على أسوار القلعة ، استدعى الباشا على عجل الكاهنة اليهودية "استر" ، بعد أن رأى كابوسا مرعبا في منامه . وجيء بالكاهنة من الحي اليهودي بحومة باب البحر ، على عربة تجرها الخيول بعد أن أوقظت من سبات عميق . فتحت القلعة أبوابها وولجت ، وهي ملتحفة بردائها اليهودي الزهري . كانت تحظى باهتمام الباشا ورعايته منذ اعتلائه سدة الحكم ، إذ غالبا ما كانت تقرأ له طالعه وتفسر له أحلامه وكوابيسه . وقد كانت حاذقة في كل ما حكته للباشا . لم تنتظر كثيرا حتى خرج عليها الباشا مضطربا على غير عادته بملابس نومه ؛ لمقابلتها في حجرة خاصة على يمين السقيفة (بهو المدخل) ، "أرجو أن يكون الداعي خيرا يا مولاي" قالت الكاهنة وهي تحاول النهوض من على المقعد لتقبل يده . سحب الباشا يده تواضعا ، وأخذ نفسا عميقا "لقد رأيت البارحة شيئا أقلقني ، يا استر" . قال بنبرة تدعو للأسى ، ثم تابع مرتبكا "اللعنة على الشيطان يا استر ، كنتُ قد رأيتني أنزع ثيابي عاريا في حشد من الناس ، وبعد برهة من الزمن رأيتني وأنا أصلب حيا على جذع نخلة أمام القلعة" . قال هذا بعد أن ابتلع ريقه مرتين وقد بدت شفتاه ترتعشان . قامت الكاهنة من محلها وهي تمتم بكلمات غير مفهومة ، ثم أماطت اللثام عن وجهها الكحلي ، وقالت بلسان متلجلج : "إنني يؤسفني .. يؤسفني أن أقول لك إن لك عدوا مكاتما في جنبات هذا القصر ، يا مولاي" . اضطربت أنفاس الباشا وتغير لون بشرته القمحية إلى اللون الأصفر "ماذا .. ؟" . قال منفعلا وقد سقط فنجان القهوة من يده المرتعشة . خطت الكاهنة خطوتين باتجاه دعامة خشبية ضخمة تشد سقف الحجرة ، وأخذت تحملق في عينيه السوداوين ، مُحرّكة حاجبيها المنفوشين بشعر رمادي "أجل يا مولاي ، ومنذ متى كانت استر تقول غير الحقيقة؟". اهتاج الباشا مغاضبا غير مصدق لما تسمعه أذناه "ومن يجرؤ على التجسس عليّ؟" سأل الباشا وعيناه تكادان تقدحان الشرر . "إنها يا مولاي عين وزير من وزرائك المقربين" ، قالت الكاهنة وعينها تزاور ذات اليمين وذات الشمال . "يا للويل ، سأفقأ عيني هذا الوغد" ندب الباشا متوعدا ، وقد انتفخت أوداجه واحمرت عيناه .


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home