Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif
الكاتب الليبي صلاح الحداد الشريف


صلاح الحداد

الثلاثاء 29 يونيو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

رواية

ألسنة اللهب (3)

صلاح الحداد

-3-

"لن أهرب خارج البلاد ... إنني قد نذرت نفسي للجماعة ، وأنا مستعد لأن أقطع بالمنشار إربا في سبيل الدعوة على أن أفرّ مع الفارين" . تذكر حسن الحوّات – الملقب بين إخوانه بحسن البنا- موقفَه الصلب ، بعد أن عثرت أجهزة الأمن ، صيف 93 ، بمنياء بنغازي مصادفة على قرص مرن ، خزنت فيه معلومات مهمة . وبقدر ما كان هذا الموقف ، في نظر الحوات ، صفعة قوية لقيادة الحركة ، التي لاذ جميعهم بالفرار مع عائلاتهم إلى تونس ومصر خشية الاعتقال ، ومن ثم الموت ، بقدر ما قدح أول شرارة من الشك في عقل حسن، حول جدارة هؤلاء الفارّين وأهليتهم لقيادة الجماعة . ما معنى شعار الموت في سبيل الله أسمى أمانينا ، الذي صموا به آذاننا ؟ . طرح هذا السؤال ودموع الإحباط تتدفق من عينيه .

حصل هذا الموقف العصيب ، ولم يمرّ وقتها على انضمامه للجماعة سوى ثلاث سنوات ، لكنه أثبت أنه شاب شجاع وصادق مع مبادئه ، وضع روحه على كفه . كان يحب العمل للدعوة والإسلام ، تائقا إلى التخلص من حكم الجاهلية ، وإنقاذ أبناء وطنه من براثن الطغيان والشرود عن منهج الله وشريعته ، وإعادة الإسلام إلى سدة الحكم من جديد ، فالإسلام دين ودولة ، على هذا المبدأ قامت الحركة ، ومن أجله تحيا وعليه تموت . هكذا هو اعتقاده وهكذا هي كلماته التي كان يرددها دائما بحماس على مسامع إخوانه في جلسات الأسر والكتائب والشعب : "فنحن وهذه الجاهلية على مفرق الطريق .. فإما إسلام وإما جاهلية ، وإن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات والتقاليد الإسلامية في مكان الجاهلية ، ولن يكون هذا بمجاراة الجاهلية في بعض الخطوات ، لأننا حين نسايرها خطوة ، فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق ... إن الناس ليسوا مسلمين كما يدعون ، وهم يحيون حياة الجاهلية ، ليس هذا إسلاماً ، وليس هؤلاء مسلمين . والدعوة إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام ، ولتجعل منهم مسلمين من جديد ... وينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية ، أنهم حين يدعون الناس إلى إعادة إنشاء هذا الدين ، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة ، حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين ، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون ، فإذا دخل في هذا الدين عصبة من الناس ، فهذه العصبة هي التي يطلق عليها اسم المجتمع المسلم" .

لكن حماسته اليوم قد فترت ، وشكوكه قد زادت ، وشبهاته قد قويت ، وقد أخذ يستذكر بحسرة ، ما لقيه من معاملة مذلة بالإمس ، على يد صهره الحاج علي التومي ؛ مسؤول الإخوان الليبيين ببريطانيا ، حيث اتهمه بالاتصال بجمعية "جيل وريادة الثقافية الليبية" ، التي هي ليست إخوانية ، والمشاركة في مناشطها ؛ لا بل تلقي أموال منها . بالطبع ، فقد صدمته هذه الاتهامات الخطيرة ، وصدمه أكثر أن تصدر من صهره .

- ما هذا الهراء التي تقوله ، هلا أتيتني بدليل واحد على صحة ما تقول ، أم تريد تصفية حساباتك معي ؟ .

وقف حسن مقطبا جبينه ، وقد بدت عروقه تظهر على وجهه ، ثم أضاف قائلا : وهب أن ما قلته صحيحا ، فما وجه الخطأ في المشاركة في نشاط ثقافي اجتماعي ليبي بحت ؟ .

هدأ الحاج التومي الهدوء الذي يسبق العاصفة ، وقد شعر أنه سقط في يده ؛ ليقول معنّفا :

- بحكم أنني مسؤول الإخوان الليبيين في بريطانيا ، فإنه لا يحق لك منذ الآن فصاعدا دخول البلاد إلا بعد أن ترفع سماعة الهاتف وتأخذ مني الإذن مسبقا .

- أهذا هو جوابك على طلبي تقديم أدلة على صحة ما تدعيه ضدي ؟ .

- أجل . أجاب بتحد .

- إذا كنتَ تعتقد أنك قادر على أن تجعلني خاتما في أصبعك ، أو كرة بين قدميك ، فأنت مخطئ ، يا تومي ، وستندم على هذا .

- هل أعتبر هذا تهديدا منك ؟ .

- لتعتبره كما تعتبره .

رجع حسن إلى منزله بدبلن مكسور الخاطر ، وأطلع زوجته على ما جرى ، وقد استنكرت هذه الفعلة ، على الرغم من أنها صدرت عن والدها ؛ قائلة : وهل هي ملك أبيه حتى يمنعك منها . اطمأن قلب حسن وانشرح صدره لما سمعه ، بعد أن ثمّن موقفها ، لكنّ فكره ظل شاردا ، وعقله متوجسا ، وهو يتقلب على السرير ، من ردة الفعل الانتقامية تجاهه ، فيما إذا صعّد من الموقف وطالب بفتح تحقيق في الواقعة لمعرفة المخطئ ومحاسبته ، بالأخص أنها لم تكن الأولى ، فقد سبق أن أهانه مرة ، عندما طلب منه أن يُقبّل يدَه ، مثلما تفعل زوجته ويفعل أولاده تماما ، ومرة أخرى اتهمه بالكبر أمام حشد من الإخوان في مخيم صيفي بمقاطعة ويلز .

كان أكثر ما يقلق حسن ، إذا ما أقدم على هكذا موقف ، هو مدى الحصانة التي يتمتع بها التومي بحكم أنه أحد المؤسسين من جهة ، وبحكم شبكة العلاقات العنكبوتية الضخمة ، التي يديرها ببرغماتية ومكر بارعين ، مع شريحة عريضة من المتنفذين في التنظيم محليا ودوليا . لكنّ أكبر قلق كان يداهم عقله ، هو سادية التومي ، فقد عرف من خلال سنوات احتكاكه به أخا ثم صهرا ، أنه لن يتوانى في استخدام أبشع الطرق وأقبح الوسائل في الانتقام من مخالفيه ومنتقديه ، لا سيما النفسية منها . أجل ، لقد أفشى له يوما بعفوية ساذجة ، خبر عضويته القيادية السابقة بحركة اللجان الثورية في نهاية السبعينيات ، لكنه لم يفشِ له أنه كان يتلذذ بتعذيب طلبة الجامعة . كان هذا سرا من أسرار الحاج علي التومي ، وما أكثر أسراره ! .

"إذا لم أتخذ هذا الموقف هذه المرة ، فقد يتمادى أكثر في غيه ، ويفعلها في غيري من الإخوان ... لابد من إحقاق الحق ، وإلا فعلى جماعة الإخوان السلام . أجل ، سأقدّم استقالتي غدا ، فهذه ليست جماعة الإخوان ، التي عرفتها وانضممتُ إليها . وإذا ما كان لهم عليّ فضل ، فأنا قد قدمتُ عنقي على طبق من ذهب لهم ، وللأهداف السامية التي ينشدونها ، وإذا لم يكن ثمة عدل وحرية ومساواة في الجماعة نفسها ، فما وجه الفرق بينهم وبين الأنظمة التي يدعون للانقلاب عليها ؟ ."

كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرا ، حينما انقشعت سحابة التفكير هذه عن ذهنه ، وجفت مآقيه ، وقد راح مستغرقا في النوم كالطفل .

***

لقد خابت تقديرات رئيس المكتب الأمني بالجماعة ؛ المعروف فقط بالأخ الضاوي ، لأسباب أمنية ، حينما ظن أن حادثة القرص المرن ستمر على أجهزة الأمن مرور الكرام ، لا سيما بعد أن شعر أن شيئا لم يقع ؛ ليصدر تعليماته بعد شهر بعودة الفارين إلى ديارهم .

لكنه في تلك الليلة ، كان هاتف العقيد شنابو يرنّ ؛ فرفع السماعة مذهولا .

- أريد التحدث إلى العقيد عبد الله شنابو ، رجاء .

جلس شنابو على سريره : أنا العقيد عبد الله شنابو . قالها وهو يرتدي نظرته السميكة ، ناظرا بعينيه نصف المغمضتين إلى ساعته . لقد كانت الساعة تناهز الخامسة فجرا .

- يجب أن أراك حالا .

بعد نحو نصف ساعة ، كان رئيس جهاز مكافحة الزندقة العقيد شنابو ، يتحدث وجها لوجه مع مدير الأمن الداخلى ؛ العميد فوزي الأكحل بمكتبه بشارع السكة ، حول حادثة القرص الإخواني . كان شنابو داهية معروفا بحزمه وانضباطه العسكري وصرامته الأمنية ، مولعا بلعب لعبة الشطرنج ، مشهورا في جهاز المكافحة بلقب "حاجب النار" ، كونه لا يعرف قلبه الرحمة ، كما اشتهر أيضا بخبرته بالجماعات الإسلامية السرية ، وحنكته بطرائق عملها وكشف حبائلها ، لا سيما جماعة الإخوان المسلمين .

أدخل العميد الأكحل القرص في جهاز الكمبيوتر الرابض على الطاولة قبالته ، وما هي إلا لحظات حتى لمعت الشاشة بأسرار التنظيم : معلومات تاريخية عن نشأة التنظيم وعن الخطط التربوية المعتمدة رسميا من التنظيم الدولي ، بما في ذلك مشاريع تجارية ، وأخرى تعليمية تتمثل في إنشاء مدارس خاصة في مختلف المدن الليبية، تكون نواة لغرس البذرة الإخوانية في الأجيال القادمة .

- هل هذا كل ما هنالك ؟ . سأل العقيد شنابو متعطشا لمعرفة المزيد .

- اللعنة ليس ثمة أسماء ليبية تذكر ، غير محمد أحمد الراشد ، سيد قطب ، حسن البنا ، سعيد حوى ، مصطفى مشهور . تمتم الأكحل بشفتيه المنتفختين من كثرة التهام السجائر ، وهو يدير الشاشة ناحية العقيد شنابو .

- هل انتهى الملف ؟ .

- يبدو ذلك . أجاب العميد وقد أصيب على ما يبدو بخيبة أمل . لكن ثمة صفحة في آخر الملف خالية تماما من أية كتابة ، أضاف العميد في استغراب ودهشة ، ثم التفت إلى شنابو ، مستفسرا عما إذا كان لديه أي تفسير أمني لهذا الأمر .

- حسنا ، لدي فكرة .. لنقم باختيار كامل للملف ، ثم لنعمل على تأكيد لون الخط إلى اللون الأسود مرة أخرى . اقترح شنابو على العميد الذي لم تظهر عليه علامات التأييد ، كون هذه الفكرة في رأيه مجرد مزحة ، لا أكثر .

- ما هذا بحق الجحيم؟. اندهش العقيد فاغرا فاه، حينما ظهرت رموز غريبة، أخفيت بتظليلها باللون الأبيض.

شعر العقيد شنابو بنشوة من الفخر ، وهو يتلقى أوامر الإشراف على هذه القضية الأمنية الخطيرة ؛ ليكلل بها مسيرة سنوات عمله الطويلة كبطل وطني ، والتي لم يتبق منها سوى سنتين على تقاعده .

- لقد أمسكنا بالخيط الأول .. علق العقيد شنابو ملوّحا بقبضة يده في الهواء في غرفة العمليات أمام زملائه من الضباط . ثم أردف قائلا ، وهو يسحب كومة هائلة من الدخان إلى رئتيه المنهكتين ، جراء التهامه لسجائر "الرياضي" بشراهة منقطعة النظير : عندما لا تجد الحيلة المباشرة لإيصال خصمك إلى حيث تنصب الكمين ، فلا مناص لك حينها من استدراجه . الاستدراج هو عملية التدرج في إيصال العدو إلى الفخ الذي نصبته له . إنه معادلة بين الكمين المنصوب للعدو ، والزمن المطلوب لوصول العدو إلى ذلك الكمين . إنه ببساطة ، أيها السادة ، التضحية ببعض الزمن مقابل الإيقاع بالعدو في كمين ناجح . هل فيكم من يجيد لعبة الشطرنج ؟ . سألهم شنابو ، وهو يلعب برباط عنقه المتدلي على كرشه المكور كالبالون ، وكأنه أستاذ محاضر في جامعة هارفارد العريقة . لا أحد . حسنا ، من يلعب الشطرنج ، يعلم أن أغلى وأقوى قطعة على رقعة الشطرنج هي الوزير ، ومن له تعمق في لعب الشطرنج يعلم ماذا تعنيه خطة "جامبيت" . إن جامبيت تعني التضحية ، ومقتضى الخطة تقضي أن اللاعب سوف يقدم الوزير كطعم أمام اللاعب الخصم بحيث يسهل قتله ، لكن ما أن يقتل ويبتلع الطعم ، فإنه يتحتم عليه أن يلعب ما يقدر بست عشرة نقلة كلها إجبارية ، تنتهي بموت مليكه وخسارته اللعبة . هل تعلمون ماذا تعني النقلة الإجبارية في الشطرنج ؟ . سأل سؤاله هذا ، وهو يعلم مسبقا ألاّ أحد يملك جوابا ، لكنه أراد التباهي أمامهم بمهاراته في الشطرنج لا أكثر . حسنا مرة أخرى ، يعني أنك لا تملك خيارا سوى أن تلعب تلك النقلة الإجبارية وإلا مات الملك .

رفع العميد الأكحل حاجبيه للاحتجاج على المحاضرة المملة في نظره ، في الوقت الذي لمحته عينا العقيد شنابو ، لكنه تجاهله مقررا المضي في الشرح بالقول : بمعنى آخر بمجرد أن يبتلع الخصم الطعم ويقتل الوزير ، فسوف يطير رأس مليكه ويخسر اللعبة بأسرها . خلع نظرته السميكة وسعل سعلتين مدويتين ، ثم أشعل سيجارة أخرى قائلا : معنى هذا عمليا الآن ، هو وضع كافة المنافذ والنقاط الحدودية في الجماهيرية ؛ البرية منها والبحرية تحت المراقبة الشديدة ، لا سيما رأس جدير والسلوم . تذكروا هذا جيدا : الفئران لا تقوى على مقاومة الجبن ، لا للاعتقالات والمداهمات العشوائية .. افتحوا أعينكم جيدا ، وركزوا النظر على كل من يحمل لقب أستاذ جامعي في جواز سفره ، وسجلوا .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home