Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Salah el-Haddad el-Sherif


Salah el-Haddad

Saturday, 29 March, 2008

       
       

الخديعـة (7)

ـ رواية ـ

صلاح الحداد

الجزء الثاني
الفصل الثاني

جامع الناقة ، الجمعة ، أكتوبر ، 1801

مضى حتى الآن شهران على حصار المدينة دون أن يجد الباشا شيئا ذا بال ينجزه ، والأسوأ من ذلك كله ، هو تزامن نقصان المؤن بالمدينة ، لا سيما الحبوب ، وهو ما أثار استياء الأهالي . لقد انتشرت الفاقة بين الناس ، وكثر المتسولون على الطرقات . كان كل ما يخشاه الباشا ، جراء هذه الأزمة ، هو عجزه عن دفع مرتبات الجند والبحارة بصورة دورية ، الأمر الذي سيؤدي أولا : إلى ضياع الثقة به لدى الجيش والأسطول ، أي إلى الضعف المعتبر لركيزة نظامه ، وثانيا : إلى تفشي أعمال السرقة والنهب في البلاد ، ثم ثالثا : إلى تمرد القبائل على نظام حكمه . وهو الآن يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، بشأن الخروج من هذا المأزق الحرج . أيكمن يا ترى ، في زيادة أحجام الضرائب على كاهل سكان الإيالة ، أم في الزج بريّاسه في مغامرات بحرية ، تجلب له نصرا عسكريا ولو كان هزيلا ؛ ليخطف به من ثم نجاحا ، يستهلك به أفواه العامة لبعض الوقت ، أم في اللعب بورقة الدين ، أم في كل هذا معا ؟ . في نهاية الأمر ، مال إلى رأي مستشاره اليهودي ، في أن يمضي بداية مع الفكرة الأخيرة ؛ لكونها الأسهل في تخديرعقول الناس ، والتلاعب بعواطفهم ، والأسلم عواقب .

انتفضت في اليوم التالي جوامع طرابلس ومساجدها ، تحضّ الناس على العودة والإنابة إلى الله ، ذلك لأن ما من مصيبة تحل بهم إلا بما كسبت أيديهم . وها هو الشيخ عبد الجليل ، يشنف أذان سامعيه بخطبة مجلجلة في جامع الناقة ، بعد أن توجه الطرابلسيون يجرون أقدامهم بثقل إلى حضور الصلاة ، عقب رياح رملية قوية ساخنة ، قدمت من الصحراء ، واستمرت لخمسة أيام متتالية ، هلك فيها بعض الناس . لقد كان صعبا احتمال حر الطريق الخانق والملئ بالرطوبة . ولولا المئذنة في الخارج لما أمكن الانتباه إلى وجود الجامع ، وهي عبارة عن برج مربع ، يبلغ طوله حوالى العشرة أمتار . ولهذا الجامع قصة ، حيث يحكى أن الخليفة الفاطمي المعز ، حينما كان بصدد نقل عاصمة خلافته من تونس إلى مصر ، استقبله أهل طرابلس بحفاوة بالغة ، وبما أنه كان مصحوبا بقافلة ، تحمل أمواله الخاصة ، علاوة على كنوز الدولة الفاطمية ، أمر بحل وثاق إحدى النياق وإهدائها إلى الطرابلسيين ؛ لكي ينفقوا ريع حملها الثمين ، في مشروع توسيع وتجميل جامع المدينة الرئيس آنذاك ، ذلك اعترافا منه لأهل المدينة بالجميل . وهو الآن جامع فسيح ، قائم على أعمدة مستديرة وقد جدد سقفه المسطح ، فيما تظهر لوحة رخامية مثبتة تحت رواق المداخل الرئيس ، نقشت عليها هذه الآية : "وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا" . كان بيت الصلاة عبارة عن قاعة فسيحة ، فيها ستة وثلاثون عمودا مرتبة في ستة صفوف ، تقسم هذه المساحة إلى تسعة وأربعين قسما ، تنتصب على كل عمود أربعة عقود ؛ اثنين منها متوازيين مع القبلة والآخرين متعامدين معها . جاءت الرقعة الواقعة في الركن الشمالي الشرقي ، منعزلة عن الرقاع الأخرى بواسطة جدار فاصل ، وذلك تخليدا لذكرى القطب الصوفي الشهير ؛ سيدي عبد السلام الأسمر ، الذي يُروى أنه اعتاد الجلوس في تلك البقعة ؛ للتحدث إلى تلاميذه بعد فراغه من الصلاة . وهناك صنورة وهي قطعة من جذع نخلة مبنية في الجدار ، علقت عليها مسبحة الشيخ القطب ، يقال إنها تمت هي الأخرى بصلة ما إلى ذكرى الولي ذاته ، الذي ذاع صيته في البلاد الطرابلسية قاطبة .

صعد الشيخ عبد الجليل ذو الوجه المفلطح المنبر الخشبي ، وبعد أن حمد وأثنى وصلى ، شرع في نفخ شدقيه ، متوعدا بصوت مرعد : أما بعد ، أيها المسلمون ــ فقد جرت سنة الله عز وجل في عباده ، أن يعاملهم بحسب أعمالهم ، فإذا اتقى الناس ربهم الذي خلقهم ورزقهم ، وطاعوا حاكمهم ، أنزل عليهم البركات من السماء ، وأخرج لهم الخيرات من الأرض ، كما قال سبحانه: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض" ، وقال جلا في علاه :"وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً" . وإذا تمرد العباد على خالقهم وخالفوا أوامر حاكمهم ، وخرجوا عن أمره ، أتاهم العذاب والنكال من الكبير المتعال . إن الله سبحانه و تعالى حكيم عليم فيما يقضيه ويقدره و يأمر به ، وهو سبحانه يخلق ما يشاء من الآيات ، ويقدرها تخويفا لعباده وتحذيرا لهم وتذكيرا بما يجب عليهم . وكما قال سبحانه:" وما نرسل بالآيات إلا تخويفا" . قال قتادة : إن الله تعالى يخوف الناس بما يشاء من الآيات ، لعلهم يعتبرون ولعلهم يذكرون ولعلهم يرجعون . فالذنوب ، يا عباد الله بأنواعها ، سبب رئيسي للعقوبات الربانية ، التي منها الرياح والبراكين والزلازل والأمراض ، وغيرها من جنود الله ، التي لا يعلمها إلا هو سبحانه . لقد أغرق الله أهل الأرض كلهم بالطوفان أيام نوح ، حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال ، وسلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى ، وكأنهم أعجاز نخل خاوية ، وأرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم ، ورفعت قرى قوم لوط حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم ، ثم قلبت عليهم فجعل عاليها سافلها ، وأرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظل ، فلما صار فوق رؤوسهم ، أمطر عليهم نارا تلظى ، وأغرق فرعون و قومه في البحر ، وخسف بقارون و بداره وماله الأرض . كل ذلك وقع بسبب الذنوب والمعاصي . فالله الله في طاعته وطاعة ولي أمرنا ونعمتنا ؛ مولانا المعظم يوسف باشا .. الله الله في السمع والطاعة ، فمعصيته معصية لله .. الله الله في النصر المبين الآتي لا محالة .. الله الله في التوبة والإنابة .. الله الله في إخوة الرباط والجهاد ؛ إخوتكم البحارة المتربصين بعدوهم في لجج البحر .. يا أيها القابضون على الجمر ، يا من آثرتم الرجولة على الرعونة ، اصبروا وصابروا ، فأنتم حماة الدين وحراس العقيدة ، وأمل الأمة بكم بعد الله . يا أيها المجاهدون ، إنكم لا تقاتلون بعدد ولا بعدة ، ولا يهولنكم غدر الصديق وكيد العدو ، فقد قال تعالى :"لن يضروكم إلا أذى ، وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار" . أيها الناس ، عليكم بالصبر واليقين ، فقد قال تعالى: "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون" . وقال :"إن بعد العسر يسرا ، إن بعد العسر يسرا" .
كانت عيناه الكبيرتان القاتمتان المتيقظتان ، تدلان على العزم الحزم ، لكن نظرة غامضة كانت تطل منهما أيضا ، فهو عندما يتكلم بحدة لم تكن نظراته تناسبان حالته ، بل كانت تفصح عن شيء آخر ، لا ينسجم مع حالة الوعظ . كانوا يقولون إنه من الصعب معرفة ما يجول في ذهنه . كان يرتدي معطفا مزررا بعناية ، ويلبس قفازا أسود ويحمل بيده عصاة من الخيزران . أطال شاربه وحلق لحيته ، وكان شعره البني الأدكن مغطا بعمامة خضراء . في نهاية الخطبة ، جلس على مقعد القطب عبد السلام الأسمر وبجانبه العنزة التي شيعت آذان الجمعة ، فيما أخذ الناس يتقاطرون على مجلسه مقبلين يديه ، ومتبركين بالعنزة المعجزة ؛ علها تشفي لهم سقيما ، أو تغني فقيرا . كان الدغيس الابن العائد لتوه من فرنسا ، حيث كان يدرس في جامعاتها الفلسفة ، يراقب الوضع من بعيد بتحسر وشفقة ، وقد راح يطرح هذه الأسئلة : إذا كان ذلك كذلك ، فلماذا لم يضرب الزلزال بلدانًا أخرى ، تموج بالمعاصي والذنوب ؟ . وإن كان بسبب عقاب إلهي ، فما جريرة الفقراء والمقهورين وما ذنبهم في فسوق الآخرين ، وعلى ظهر الأرض كفار كثيرون ؟ .

حوض المتوسط

كان قائد الترسانة الرايس عمر الشلي ؛ المعروف بالحيلة والذكاء ، إلى جانب القسوة والعنف في صراعه مع أعدائه ؛ مما جعل الأمريكان يطلقون عليه لقب "الوغد المستميت" ؛ كان يشقّ مع مائة وعشرين بحارا عُباب الماء في عرض المتوسط ، بمركب حربي متطور من "الشباك" ، يُدعى طرابلس . له مقدمة ممتدة وجؤجؤ ينتهي بقاطعة في شكل سيف ، وهو مجهز بعشرة مدافع ومتألف من ثلاث صواري ؛ الأولى في المقدمة ، مائلة نحو الأمام ، وفي الوسط ، تنتصب الصارية الكبيرة . أما صارية المؤخرة فتوجد بقرب المقود ، الذي يحمل مصطبة صغيرة ، تتكون من ثلاثة أشرعة فوق هوائيات . كان الهدوء يخيم تماما على ما حولهم ، والنجوم البعيدة تضيء الفضاء ، ويزيد بعدها لمن يراها من أسفل الصارية ، فيما كان مشهد الهلال وهو يرتفع عاليا في الأفق ضئيلا كرسم شاحب ، لا يكفي لإضاءة صمت البحر ، وهو يلتف على نفسه بغياب الريح وثقل الحرارة ، التي تجمدت فوق اهتزاز الأمواج الخفيف .

- "إنها فرقاطة سويدية على ما يبدو .. إنها تقترب منا شيئا فشيئا" . قـــال الرايس عمر لمساعديه الشواش وهو ينظر عبر المنظار . وبعد صمت قاتل ، أردف قائلا بعد أن أدار وجهه القمحي ناحية الجُند : "إنها فرقاطة حديثة ذات جاهزية عالية ، لذا فإنه لا يمكننا الاستيلاء عليها بسهولة ويسر ، إلا أنه لدي خطة جهنمية للإيقاع بها" . تكلم بثقة ، رافعا حاجبيه السميكين إلى أعلى ، وقد بدا في وقفته الجامدة ، كجنرال عسكري محنك .
- "وما هي ؟" . سأل البحار المتقدم في السن الحاج "الزقوزي" بتلهف . حك الرايس ذقنه الخشن ، ثم أجاب باطمئنان : - "سنقوم بترك السفينة المعادية دون الشروع معها في قتال ، في حين نبدأ في تقصي أثرها بأقصى سرعة في طريق موازٍ لها حتى نصبح أمامها ..." . وهكذا استمر في شرح خطته الماكرة على الجنود ، الذين طفقوا ينصتون بحذر إلى كل كلمة يتفوه بها .

بدأت الأمواج الخفيفة تضرب سطح المركب مع حركة نسمات الريح ، بينما مقدمته تنزاح باندفاع محجوبة في لجة الماء . وقبل طلوع الفجر قام البحارة بتغيير هيئة المركب من صوارٍ وقلوع وغيرهما ، حتى أصبح شكله الخارجي يوحي بأنه كان في معركة ضارية ، مع تفرق عدد كبير من البحارة على ظهره ؛ حتى يبدو وكأنهم صرعى إلا القليل منهم ، الذين شرعوا في المراقبة باحتراس ، فيما بدا الشباك يسير على غير هدى .

في هذه الأثناء أخذت الفرقاطة السويدية ، تقترب شيئا فشيئا ، وسط صيحات بحارتها ، الذين طفقوا يطالبون باستسلام المركب المجهول الهوية ، لكنَّ أحدا لم يتكلم رغم اقترابهم منه ؛ ليتيقنوا من ثم أن لا أحد منهم على قيد الحياة . اقتربوا من المركب حتى التصق بالفرقاطة ، وعندها وثب البحارة الطرابلسيون ، وسط صيحات "الله أكبر .. الله أكبر" . ارتبك السويديون وقد انتابتهم حالة من الهلع ، الذي أدى بهم إلى الاستسلام دون مقاومة ؛ لينقلوا من ثم أسرى إلى سجن القلعة .

حين أنزلوا الشراع للعبور إلى المرفأ ، ظهرت طيور البحر واقفة فوق الصخور نظيفة صامتة ، فيما كانت مناقيرها مرفوعة نحو السماء ، وقد بدت في وقفتها هذه كتماثيل منحوتة من الطين ، وكلما اقتربوا من اليابسة ، كان ظل القلعة يتطاول كعملاق سحري ، يطلي جزءا من الميناء ويلونها في ذات الوقت ، محددا صف البيوت بجدرانها الشهباء . عند منتصف النهار ، لم يكن يسمع غير أصوات الأطفال على الشاطئ ، يتردد صدى صراخهم في السديم المخيم فوق البحر . كانت الشمس عالية وسط الأفق ، لكنها فقدت القوة والشدة ، التي كانت عليها في الأيام الماضية ، بعد أن نظف المطر الخفيف الجو من الغبار ، بينما نسيم خفيف يلامس بنعومة سطح مياه المرفأ ، جاعلا إياه زجاجيا . وسرعان ما تجمهرت الجماهير عند المرفأ ؛ مبتهجة بآية من آيات الله التي تجلت في هذا النصر الخاطف ، وقد رفعت راية السلطان العثماني على صاري الفرقاطة السويدية المأسورة ، وتمت تحيتها بعدة طلقات ، أطلقتها مدفعية القلعة "كولومبيرتي" الفرنسية الصنع . أنزلت الراية بعد حين ، ورفعت بدلا منها راية يوسف القرمانلي . وفي نهاية الحفل ، قام الباشا مبتهجا بتوزيع الهدايا والمكافآت والبقشيش أيضا ، على العساكر ورجال البحرية ، وقد خصّ الرايس عمر الشلي ببرنوس وكسوة ودراهم .

بعد انقضاء شهر ، بدأت تظهر آثار اختفاء المواد الغذائية الطازجة على السفن الأمريكية ، فيما اتجهت سفينة القيادة في حملة ديل إلى جبل طارق ؛ لأن 152 عضوا من طاقمها ، كانوا قد أصيبوا بأمراض نتيجة سوء التغذية . وهنا بدأ صبر الأدميرال ديل ينفد ، وبدأ قلقه يتفاقم بعد تلقيه رسالة من زوجته ، أبلغته فيها أنها تعاني من مرض خطير قد يقضي على حياتها . هنا بدأت الخلافات تظهر على السطح بين ديل والقادة العسكريين بشأن عدم جدوى الحصار ، حيث كان ديل المتحمس الأكبر لفك الحصار وعقد صلح مع إيالة طرابلس ، فيما كان الآخرون يرون أن لا بديل عن الحل العسكري والقضاء نهائيا على الباشا . وقد انضم إلى هذا الجناح قناصل كل من تونس والجزائر ، معبرين عن سخطهم من نتائج حملة ديل . كانوا حقا يتشوقون إلى قصف طرابلس بالقنابل وإخضاع يوسف باشا بقوة السلاح . وكان القنصل "إيتون" بخاصة وهو القنصل الأمريكي في تونس ، ينتظر بفارغ الصبر إعلان الكونغرس الحرب على طرابلس ، وتوجيه حملة عسكرية قوية إلى هناك . وقبل أن يغادر الأدميرال "ديل" مياه البحر المتوسط بصورة نهائية ، قرر أن يقوم بزيارة أخيرة إلى الجزائر ؛ ليفرض بواسطتها الصلح على إيالة طرابلس . بيد أن الداي تخلص من الموقف بوعود غامضة .

إلى اللقاء ..


       
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home